للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : dimanche 11 septembre 2016 - 7:16

« تفاسكا » .. « عيد الأضحى » هل هو من رواسب عبادة « أكوش الكبشي » ؟

« تفاسكا » .. هل هي  احتفاء ب « الطقس الابراهيمي » أم  من رواسب عبادة « أكوش الكبشي » ؟





موقع دادس أنفو – خاص –

بقلم كريم اسكلا

%d9%83%d8%a8%d8%b4

صورة لتمثال « امون الكبشي »

 

حسب الفقه الإسلامي يعتبر ذبح أضحية عيد الاضحى سنة مؤكدة،  والسنة المؤكدة في أصول الفقه، وفروعه؛ هي ما واظب عليها النبي، ولم يتركها إلا مرة أو مرتين. أي ما يطلب لا على وجه الفرض، لكن على وجه التأكيد، وحكمها أنه يثاب فاعلها ويلام تاركها.

 

لكن ما يلاحظ في الدين الشعبي الممارس، هو أن هذه السنة المؤكدة يرتفع مقامها لتتجاوز عبادات مفروضة وواجبة فرض عين، فقد تترك الصلاة والصوم والزكاة لكن تتكلف وتصر العديد من الاسر لذبح « كبش » العيد اصرارا على الرغم من أنها ليست فريضة عين.

 

يسجل التاريخ المحلي بالجنوب الشرقي المغربي مثلا، كيف أن عائلات مغربية عديدة غضبت واحتجت ضد الملك الحسن الثاني، وما أدراك ما رفض أوامر العاهل المغربي آنذاك عندما أمر بإلغاء ذبح الاضاحي بسبب الجفاف، وأصر مواطنون على التضحية ولو في الخفاء، فلماذا هذا التشبث القوي ب « طقس » مكلف وغير ملزم دينيا للجميع؟




سبق أن قمنا في دراسة سابقة بقراءة سيكو- انتروبولوجية مجازفة لطقس « التضحية » بالكبش في المجتمعات الاسلامية، على ضوء بعده الانتربولوجي، باعتباره قد يكون تجسيدا لصراع الماضي/ الأب والمستقبل /الابن، وتكثيفا للتراث الابراهيمي الاسماعيلي من جهة، وللأسطورة الاوديبية من جهة أخرى. ووجدنا أيضا أن خلفيات سيكولوجية واجتماعية واقتصادية، وليس فقط تعبدية روحية، تتدخل في استمرار وتطور طقوس « تفاسكا » « العيد الكبير » الى الان. وخصصنا لهذه المقاربة مقالا بعنوان « عيد الاضحى عقدة أوديب أم عقد اسماعيل  »

 

في هذا المقال، سنقرأ « طقس العيد الكبير » على ضوء التراث الامازيغي، على اعتبار أن « التضحية بالخروف » قد تشكل أيضا استمرارية، في ظل القطيعة، لطقوس عبادة الكبش « أمون الأمازيغي » أو « اكوش الكبشي » الممتد الى الحضارة الكوشية والنوبية.

 

في اللغة الأمازيغية يسمى « العيد الكبير »  ب « تفاسكا TAFASKA –  » ، وحسب باحثين، فهو الطقس التعبدي الوحيد الذي لم يشتق اسمه الأمازيغي من اللغة العربية،  فالصلاة في الامازيغية تسمى « تازاليت » وهي مشتقة لسنيا من اللفظ العربي، والشأن ذاته بالنسبة « أزوم- صوم » و « لحيدج- الحج » و « صدقا- الصدقة » و « زكا – الزكاة » ، « كلها ألفاظ مشتقة من اللسان العربي » أو  « عبري » أو « فارسي »، لكن لماذا أصر الامازيغ على الاحتفاظ بلفظ « تفاسكا » التي لا يوجد لها أصل عربي؟

kushite1

كلمة « تفاسكا » نجد لها شبيها فقط في لغات الدول الافريقية جنوب الصحراء، كالسينيغال والبينين وبركينافاسو والكاميرون والكوت ديفوار   حيث تستعمل  كلمة « تباسكي  TABASKY-  » للدلالة على على الاضحية بالخروف، في حين نجد تعبيرات مغايرة في الدول الاسيوية والعربية حيث تستعمل كلمة « القربان » أو « الأضحية »،  فهل لطقوس « تفاسكا » علاقة بالعمق الانتروبولوجي لعبادة « الكبش » في منطقة  افريقيا أكثر منه ارتباطا بالطقس الابراهيمي القادم من الشرق؟

 

 

« أحولي » او « إزيمر » أو « أنوغوض » أو « ابركوس » أو  » أكْرَارْ »  … كلها تسميات للخروف حسب المناطق الامازيغية، وبعودتنا إلى التراث الامازيغي، نكتشف أن الأمازيغ قديما كانوا يقدسون « الكبش » ، اذ يبرز الاله الكبش آمون في كل من الحضارات الأغريقية والبونيقية والمصرية والنوبية والأمازيغية جميعها.

 

يرى باحثون أن « أمون » اله مصري ويعني الخفي، لكن باحثين اخرين ينسبونه للحضارة الامازيغية، متحججين بالتقارب اللساني بين كلمة « أمون » و الكلمة الأمازيغية « أمن » أو « أمان » وهذه الكلمة تعني الماء الذي هو رمز الأمان، كما أن الامازيغ يستعملون كلمة « إمان » للدلالة على الروح والنفس كما ان الرسومات الدالة على « أمون » تميزه بريشتين أو قرنين فوق رأسه، ومن المعلوم أن الريشتين هما أحدى مميزات مظهر الأمازيغ القدامى. ويرى باحثون ان اختيار « الكبش » كرمز للرب « آمون » فقد يكون راجعا إلى أن « الكبش » من الحيوانات الشبقية والشهوانية، وكرمز للخصوبة.




ويتعزز القول بتقديس سكان تمازغا ل « أمون/الكبش » بارتباط الاله « أمون » او « اكوش الكبشي » بمنطقة سيوة الامازيغية، فقد كانت تسمى ب « واحة آمون ». وفي تلك الواحة تمت مباركة الأسكندر الأكبر وتم إعلانه ابنا لأمون. كما عبد الإغريق « آمون الأمازيغي » ، ووحدوه في ما بعد بالاههم « زيوس »، كما ارتبط « آمون الأمازيغي » بالبونيقيين الذين وحدوه بالاههم « بعل » .

%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b4e

إن فرضية العلاقة الوطيدة بين « أمان » و « أمون »  تجد لها سندا حفريا يتمثل في تواجد معبد الإله « أمون » بواحات سيوا الغنية بمنابع المياه كما أن « الكوانش » ، سكان جزر الخالدات،  يستعملون لفظ  « أمان »  بمعنى السيد والمولى والرب، ويقرنونه باسم الشمس.

 

ان هذا التقارب اللسني والسيميولوجي للفظين يعزز موقف القائلين بالنسب الامازيغي للإله « أمون الكبشي » ، اضافة الى عادات لازالت مستمرة في مجتمعات شمال افريقيا يحضر فيها « الكبش » كعنصر تقديس، مثلا في طقوس طلب المطر كما في مناطق مختلفة بالمغرب، حيث يخرج الأطفال والعذارى في موكب « تاغنجا » لطلب نزول الغيث وهم يرددون:  »  a R’bbi uwcax anza Ahuli abu tinzar » .

 

هذا، اضافة الى تقديم « الكبش » كهدية للعروس أو كهدية للزوايا والأضرحة،  كما أن عباد الإله « آمون » كانوا يقصدون معبده وينامون فيه طلبا للرؤية أو المشورة،  وهو طقس ما يزال يمارس إلى يومنا هذا حيث يذهب الناس إلى أضرحة الأولياء والزوايا بالمغرب وينامون فيها تبركا.

 

نلحظ كيف تُجسد الكثير من العادات ممارسات تعود إلى زمن انتشرت فيه « الديانة الكبشية » حين اتخذ فيه سكان شمال افريقيا الكبش إلها، بل والى عهد قريب كشف مؤرخون العديد من القبائل التي ظلت تتشبث بعبادة الخروف الى وقت متأخر.boujeloud

وحاضرا، يتجاوز « الكبش » في الممارسات الطقوسية في الكثير من الاحيان مجرد « الأضحية » بمعناها الاسلامي الى  تكثيف للاشعور التعبدي « الاكوشي الكبشي » بنوع من التقديس للخروف أو بعض أعضائه كالقرون والدماء والخصيتين والجلد والحوافر  وإعطائها بعدا ميثولوجيا خرافيا، فمثلا يعمد البعض الى أخذ عينات من دم « الأضحية » والتخضيب بها أو تلطيخ مداخل البيوت بها ردا للحسد وطلبا للبركة، كما يعتبر وقوف الكبش على قدميه بعد ذبحه فأل خير.

 

كل هذه المؤشرات تؤكد أن « الكبشية » ظلت تفرض شعائرها الغابرة رغم انقضاء 12 قرنا كاملة على اعتناق المغاربة للإسلام، لهذا يمكن نقول أن المجتمعات ببلاد تمازغا قد تكون وضعت بعض « التوافقات العرفية » أو ما يمكن تسميته « تكيفا » لممارساتهم وطقوسهم الدينية الموغلة في القدم مع « الطقوس » الجديدة القادمة من الشرق مع الاسلام، كما أن الاديان القادمة قامت بتكييف « عقائدها » و « طقوسها » و « عباداتها » مع الطقوس والمعتقدات التي وجدتها في المجتمعات التي استقبلتها.

 

مع قدوم الجيوش الإسلامية الى شمال افريقيا مثلا، وبعد صراعات كانت دامية في أحيان كثيرة، تحققت توافقات معينة، على مستوى الطقوس الدينية، حيث نجد أن عبدة « أمون » قد تخلوا شيئا فشيئا عن تقديس الخروف الأقرن، لصالح شعيرة التضحية الإبراهيمية. وتسامح « الاسلام » مع طقوس الأولياء والأضرحة، لإعطاء الاستمرارية لعبادات « النسامونين » أو « الامونيين » ، كما استمرت طقوس « تاغنجا » واستمر « الدّيك » ، مثلا، المقدس الوثني كرمز ديني، وان أصبح صياحه « أذانا اسلاميا » ، بعد أن كان، ولازال ربما، متعبدا به في قبائل امازيغية وافريقية والاسيوية  سواء بحمولة مسيحية أو بحمولات أخرى.

 

على غرار المقولة الشهيرة « اسيادنا في الجاهلية اسيادنا في الإسلام » ،  ألا يحق لنا القول « آلهتنا في « الجاهلية » آلهتنا في « الاسلام » ؟



تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.