للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : jeudi 12 juin 2014 - 11:15

عندما تتناطح الدينصورات في تنغير

 كريم اسكلا

isskela

تنغير إحدى أغنى الأقاليم على المستوى الوطني، سواء بمعادنها الباطنية أو بطاقاتها البشرية        ومؤهلاتها الطبيعية والتاريخية… « لكن »، هذه ال « لكن » اللعينة تلازم هذه المنطقة منذ الأزل، أو منذ أن أصابتها لعنة التاريخ والسياسة والجغرافيا، وكما يقول الفرنسيون فإن المصائب إذا جاءت فإنها تأتي تباعا، فمن أهم المصائب التي أمطرتها السماء على هذه الأرض أنها تتميز باستمرار تواجد « الدينصورات »، فبالرغم من كل التحولات التي شهدها العالم إلا أن هذا النوع من الدينصورات لازال يصارع من أجل الاستمرار. المأساة تزداد اتساعا عندما تقرر هذه الدينصورات أن تتصارع، فتخبط خبط عشواء وتصيب كل خضراء ويابسة، فلا يكون من مهرب سوى أن « يدخل النمل مساكنه » حتى لا تحطمها أقدام الديناصورات وأتباعها وهم لا يشعرون.

ألف ليلة وليلة في تنغير، ليس من ليالي شهرزاد ولكن من البؤس والحرمان والإقصاء، تعيشه ساكنة اقليم تنغير، لا حياة بمعنى الحياة الكريمة، ومستشفيات أشبه بزوايا وأضرحة الأولياء، ومدارس أشبه بالأطلال حيث ينفى المغضوب عليهم، عشرات المعطلين والمحتاجين…ورغم ذلك اختار بعض من كلفته صناديق الاقتراع بالدفاع عن كل هؤلاء، اختاروا أن يلعبوا لعبة  الدينصورات أي لعبة التناطح بالجماجم.

لكن أحد الدينصورات وعوض أن يستمر في لعبة تناطحه مع الدينصورات اختار أن يلعب لعبة القفز على « جدار قصير » في مشهد كوميدي مضحك. ب « جلالة » قدره، و بسيقانه وأياديه الطويلة اختار أن يمد ساقيه ليقفز فوق « حائط » اعتقده قصيرا، لعله يحققا فوزا « تاريخيا » يوشح به صدره المتشح بالسراب.  

« الجدار القصير » والذي يُضرب به المثل وقت التهاون والاستهتار بشأن أمر يعتقد أنه مقدور على تجاوزه، فقد اعتقد هذا الدينصور أن قفزه فوق هذا  « الجدار القصير » سيجعل منه بطلا، ليتطاول بإنجازه ذلك أمام منافسيه، لكن لم يقرأ هذا الدينصور الحكمة التي تقول « لا تحتقر كيد الضعيف فَرُبما تموتُ الأفاعي من سم العقارب » أو حكمة أخرى وردت شعرا:

حَـكَـى أَدِيـبٌ عَـاقِلٌ أَرِيـبُ                      فِـيمَا رَوَى وَهْـوَ الـفَتَى اللَّبِيبُ

أَنَّ بَـعُـوضَةً غَــدَتْ تَـسِـيرُ                     يَـوْمـاً بِـقُـرْبِ بَـيْتِهَا تَـطِيرُ

مَـرَّتْ عَـلَى الأَسَـدِ ذَاتَ يَـوْمِ                    مُـعَـظَّماً مُـبَـجَّلاً فِـي الْـقَوْمِ

حَـيَّـتْهُ بَـيْنَ الـقَوْمِ بِـالسَّلاَمِ                      قَـالَتْ لَـهُ بِـاللُّطْفِ وَالإِكْـرَامِ

وَلَــمْ يَـرُدَّ الأَسَـدُ الـسَّلاَمَا                       أَوْ يُـبْدِ مِـنْ أَخْـلاَقِهِ الإِكْـرَامَا

قَـالَتْ لَـهُ عَـفْواً فَـهَذَا العَمَلُ                     مِـنْـكَ قَـبِيحٌ سَـيِّءٌ لاَ يُـقْبَلُ

قَـالَ لَـهَا عَـجِبْتُ مِـمَّا أُبْصِرُ                     بَـعُـوضَةٌ حَـقِـيرَةٌ تُـزَمْـجِرُ

أَنَـا الـعَزِيزُ الـشَّهْمُ فِـي العَرِينِ                   وَلَـيْسَ لِـي فِـي الْغَابِ مِنْ قَرِينِ

أَنْــتِ يَـا أَحْـقَرَ خَـلْقِ اللهِ                         قَـابَـلْتِنِي بِـجُـرْأَةِ الْـمُـبَاهِي

لَـئِنْ نَـطَقْتُ بِـاسْمِكِي جِـهَارَا                      مَـضْمَضْتُ بِالْمَاءِ النَّقِي اسْتِقْذَارَا

قَـالَـتْ لَــهُ تَـحَلَّ بِـالْحَيَاءِ                          وَلِــنْ فَــإِنَّ الـكِبْرَ شَـرُّ دَاءِ

قَـالَ أَتَـيْتِ حَـتْفَكِ الْـمُحَتَّمَا                        وَمَـنْ سَـعَى لِـحَتْفِهِ لَـنْ يَنْدَمَا

قَــامَ لَـهَـا مُـجَاوِزاً عَـرِينَهْ                         أَرَادَ أَنْ يَـبْـطِشَ بِـالْـمِسْكِينَهْ

فَـانْهَالَ بِـالضَّرْبِ يُـرِيدُ قَـتْلَهَا                      ذَاتَ الـيَـمِينِ وَالـشِّمَالِ سَـفَهَا

وَتَـتَّقِي شَـرَّ الـعُدُوِّ إِذْ عَـرَضْ                     وَلَـدَغَتْ عَـيْنَ الْـهِزَبْرِ فَانْتَفَضْ

وَصَـاحَ مِـنْ فَـرْطِ الَّذِي قَدْ نَزَلاَ                    وَأَفْـقَـأَ الـعَيْنَ فَـأَدْمَى الْـمُقَلاَ

وَهَــاجَ كَـالـثَّوْرِ مِـنَ الآلاَمِ                         يَـخْبِطُ كَـالعَشْوَاءِ فِـي الـظَّلاَمِ

فَـانْهَارَ إِذْ قَـدْ سَـقَطَتْ قُـوَاهُ                       سَـالَـتْ دِمَـاهُ وَانْـطَفَا سَـنَاهُ

بَلْ قَدْ هَوَى الضِّرْغَامُ فِي بَعْضِ الزُّبَى             فَـصَارَ لَـحْماً مُـسْتَسَاغاً لِـلظِّبَا

لاَ تَـحْقِرَنْ مَـهْمَا رَأَيْـتَ أَحَـدَا                      فَـرُبَّمَا أَرْدَى الـبَعُوضُ الأَسَـدَا

وبما أن هذا « الدينصور » الدون كيشوتي قد تفرعن وتجبر فقد أصبح من اللازم على هذا « الحائط القصير » أن يتحوّل إلى جدار شاهق بإضافة لبنات أخرى تجعله يعلو ما يكفي ليجبر هواة القفز على الممرات القصيرة على ادراك أنها قد تكون قفزة انتحارية لن يترتب عنها سوى المزيد من الانكسارات. هذا « الحائط القصير » سيكون ذلك الحائط الذي كسر عنق الدينصور أو بتعبير اخر سيكون « البعوضة » التي أدمت مقلة « الأسد »… نهمس في أذن « الدينصور » أن « الباعوضة » الحقيرة استطاعت أن تقاوم كل تغيرات الكون في حين انقرضت الدينصورات وأمست مجرد أركيولوجيا وحفريات للذكرى.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 3 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.