للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mercredi 23 septembre 2015 - 11:47

السياسي وشعار التغيير: ( ران أداغ غييرن ran adagh ghyyarn)


بقلم كريم اسكلا

السياسي وشعار التغيير: ( ران أداغ غييرن )

هم صادقون معنا، هم يقولون لنا دائما أنهم يريدون التغيير، لكن « إغييرighyar » في الأمازيغية تعني أساء وأحزن، ( ران أداغ غييرن )، هم لا يكذبون، ( هات غييرناغ نيت ).

السؤال الذي حركني كي أكتب هذا المقال هو لماذا ننتظر من السياسي أن يكون أخلاقيا؟ إنه سؤال اشكالي صاحب الفكر الانساني منذ فكر في بناء الدولة والانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة التعاقد الإجتماعي. لكن… لن يكون مقالنا فلسفيا، يناقش فلسفة الحكم، بل مجرد تأملات في واقع الممارسة السياسية.

الأغبياء من أمثالي ينتظرون من « السياسي » أن يكون أخلاقيا، أخلاقيا هنا ليس بمعناه الديني بل بمعناه القيمي الجمالي، هل نعتقد أن السياسي بليد إلى درجة سينصاع لمطلبنا بأن يكون أخلاقيا، فنحن إذ نطلب منه أن يكون كذلك، فنكون بذلك نطلب منه أن يدق آخر مسمار في نعشه، فهو يعرف أن السياسي الأخلاقي هو سياسي فاشل حتما.

نحن نعلم أن ليس كل سياسي ليس بالضرورة غير أخلاقي، لكن كيف يمكن أن يظل نزيها من نرمي به إلى « بركة السياسة »؟ كمن ألقى شخصا في الماء وقال له إياك أن تبتل بالماء… كم نحن أغبياء !

كيف لنا أن نطلب من سياسي منتخب، أن لا يفوت صفقات لهؤلاء الذين عملوا على إيصاله إلى كرسي السلطة؟ هم أوصلوه هناك فقط لكي يفوت لهم « امتيازات ويجزي عليهم العطايا » حتى ولو لم يكونوا يستحقونها. فإذا لم يفوت لهم صفقات فوق الطاولة وتحتها سيكون بذلك قد أخلف الوعدة الذي قطع عليهم في الحملة الانتخابية ب « الرشوة » المؤجلة إلى ما بعد نجاحه، إذا عليه أن يعمل كل ما في جهده كي يكون كل « الكعك » لفائدة « شركات ومقاولات وجمعيات وأشخاص » مقربين، أليس « المقربون » أولى؟، أما إذا كان أخلاقيا ومنح المشاريع لمن يستحق بشكل نزيه وديمقراطي، فسيفقد « مريديه ومتسوليه »، بالتالي سيصبح سياسيا فاشلا.

ولعلنا نضرب ببومالن دادس مثلا، فكي « تسوسها » عليك أن تكون « بو لمال » أي « صاحب مال »، كأن الطوبونيميا تسر لنا ألا حكم إلا حكم « لمال »، أما تنغير فلا فوز إلا من يعرف من أين تؤكل الكتف، وهذا ما تقوله تسمية المنطقة أيضا، « تين  اغير »، إغير يعني الكتف، فالسياسي هناك لا يأكل سوى لحم « اغير » وهو أجود الشيء وأثمنه، ونحن نعرف ما أثمن الأشياء في تنغير…


السياسة في تعريفها البسيط هي « تدبير وتسيير شؤون جماعة بشرية »، لكن مصيبتنا هو أننا نتوقف عند هذا الحد في التعريف، فتصبح السياسة كنوع من « الرعي » أو « الحضانة »، إذ لا نكمل التعريف بشرط إضافي هو « لما فيه خيرها ومنفعتها »، ولكن حتى هذا المستوى غير كاف، لأنه يحمل نوعا من الوصاية والحجر على تفكير هؤلاء، بالتالي يجب إشراك أفراد هذه الجماعة في تحديد ما هو « خير لهم » وما هو « شر لهم ».

لكن « السياسي » عندنا، يحول معنى « ساس يسوس » من التدبير الجيد لشؤون الجماعة، إلى « ساس » بمعنى الإفراغ من المحتوى والمعنى. ولا يكتفي « السياسي » بذلك بل يعمل على اقناعنا، نحن الأغبياء، بأن ما يفعله هو عين العقل والاختيار الأفضل، لأنه هو من يعرف « المصلحة العليا للجماعة ».

لا ينتظر منا « السياسي » أن نقوم ما إعوج في خططه، أو ننصح له القول في برامج، أو ننتقد بعض مناهجه… فكل كلام غير « الحوقلة » و « الحمدلة » يعتبر بالنسبة له لغوا وتشويشا يعيق انجازاته العظيمة. ولسذاجتنا وبلهنا نتساءل لماذا لا يتحمل « السياسي » النقد، وهل يمكن « للسياسي » أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه؟ ، أي جهل هذا الذي يجعلنا كمواطنين نعتقد أن « السياسي » قد يخطئ.

لا يمكن للسياسي أن « ينعم » من « بركاته » إطلاقا على من يتوجه له منتقدا أو حتى ناصحا، فمنطق هذا « السياسي » هو ذاته منطق « شيوخ الزوايا والأضرحة » عليك أن تعلن عن الطاعة العمياء، وأن تطلق العنان لحنجرتك كي تتغنى ببركات وكرمات « سيدنا السياسي » لعله يتفضل ويتكرم عليك ب « حجاب » يفتح لك الأبواب إلى خزائن « المجالس ».

وبما أن هذه « المصلحة العليا » قد تتقلب و « تتشقلب » حسب مصالح الأطراف، ويغير قبلته، وهو يعرف جيدا أنه أينما وليت وجهك في هذا البلد، فتم خزينة ( تزاكورت ) أو « صندوقا أسودا » يمكن « الاسترزاق » منها، فكذا « جلباب » هذا السياسي قد يتبدل ويتلون، قبل أن يرتد إليك طرفك، حسب موطئ قدمه الحربائية التي تتلون حسب الموقف الذي تتخذه. هذا هو التغيير الوحيد الذي يحققه سياسيونا، تغيير المواقف والثوابت والمبادئ والأحزاب… والأمازيغ يعرفون أن كلمة تغيير قريبة صوتيا من كلمة أمازيغية « إغيير ighyar » تعني أحزن وأساء، فهم « يغييرون » بمعنى يسيؤون، هم صادقون معنا، هم يقولون لنا دائما أنهم يريدون التغيير، لكن « إغيير » في الأمازيغية تعني أساء وأحزن، ( ران أداغ غييرن )، هم لا يكذبون، ( هات غييرناغ نيت ).

ولنختم مقالنا في هذا المقام بمقاطع من قصيدة للكاتب احمد بن صديق:

يـطالعُـك الخطابُ بألفِ وعــــدٍ == وحين الحسمِ ينكـشف الغـطـاءُ

فـتـسـألُ أين وعْـدُكمُ أجيــبـــوا == يُجيبـُك الاضطـراب والالـتـواءُ

وتـسـألُ هـل لـذِمّـتـــكـم وفــاءٌ == يُجيبـك مَن سألتَ وما الوفـــاءُ

وتسألُ أنتَ تسْخـرُ من ذكــائي == يُجيبـك يا مُغــفـَّـلُ ما الـــــذكاءُ

وعشقُ الحُكم إذ يـُطغِي رجالاً == فقد تــــســعى لـتأسرهم نسـاءُ

ومن يضجرْ بهَمس النقدِ تـيهاً == وتــُغريـه البطانــــة والـثـنــاءُ

يـقـول أنا الكـمال أنا الـثـــــريَّا == ومن قـَبَــسي مَعالمكم تـُضــاءُ

فـيـصبح هائماً بالمدح عـبــــدًا == ويَـغلـبه التـــضايقُ والجــفــاءُ

يـبـرِّئُ نفـسهُ من كلِّ عـــيـــبٍ == وأعــظـم عـيــبـه ذاك الـبــراءُ

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

  • 1

    لا ينتظر منا « السياسي » أن نقوم ما إعوج في خططه، أو ننصح له القول في برامج، أو ننتقد بعض مناهجه… فكل كلام غير « الحوقلة » و « الحمدلة » يعتبر بالنسبة له لغوا وتشويشا يعيق انجازاته العظيمة. ولسذاجتنا وبلهنا نتساءل لماذا لا يتحمل « السياسي » النقد، وهل يمكن « للسياسي » أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه؟ ، أي جهل هذا الذي يجعلنا كمواطنين نعتقد أن « السياسي » قد يخطئ.