للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : dimanche 23 août 2015 - 2:25

تحقيق: هكذا توظّف الآلة الانتخابية «ممتهنات» الجنس في الدعاية والتصويت

قبل سنوات لم يكن يظهر على سطح مدينة ورزازات أو الجنوب الشرقي الممتد من جبال تيشكا إلى الراشيدية، ثم إلى زاكورة، ما يوحي بأن العاملات في مهنة الدعارة القسرية، يلعبن دورا دعائيا محوريا في موسم الحملات الانتخابية. حتى التقينا بهنّ انكشف مستور يخفي قصصا مؤلمة.

يعتبر الموسم الانتخابي، محطة هامة بالنسبة لعدد من « العاطلين » عن العمل، فعشرة أيام كافية بالنسبة إليهم، لجمع القليل من المال مقابل الدعاية وتوزيع المنشورات، لكن ممتهنات الجنس، الباحثاث عن قوت عيشهن، يصبحن بين أشواك الدعارة القسرية والابتزاز السياسي، ويكنّ ملزمات أحيانا للدعاية لأحزاب لا تعترف بهن سوى في الموسم الانتخابي.

خلال هذا الموسم، تهجر ممتهنات الجنس بيوتهن الضيقة، ترتدين ملابسهن، استعدادا لخوض حرب الكراسي إلى جانب محترفي الأصوات، يخضن معاركهن، لا يعرفن لماذا، ولأجل من، يركبن المغامرة السياسية أيضا لمدة تفوق الشهر في كل موسم.

تقول (س.م) إحدى ممتهنات الجنس بالمنطقة، « شخصيا لا أعرف الكتابة ولا القراءة، لكننا ملزمات بالمشاركة في الحملة الانتخابة والتصويت أيضا، هنا فقط نحس أن لنا دور معين في المجتمع، هناك من يتكلف بتسجيلنا، والتواصل معنا خلال الحملة، لا نطلع على البرامج، ولا نعرف اسم الأحزاب، يطلب منا فقط أن نتذكر الرمز للدعاية لحزب معيّن مقابل اتقاء شر السّاسة والقانون، أو مقابل أثمنة تتراوح بين 100 درهم إلى 150 درهم في اليوم ».

تجارة الجسد والسياسة

ورزازات تلك المدينة الهادئة، تخفي في غياهبها الكثير من المسكوت عنه في واقع يغلي بمشكلات اجتماعية وماسي إنسانية، فبعد نشأتها سنة 1920 حول ثكنة عسكرية أقامتها سلطات الحماية الفرنسية، مهد تاريخها العسكري، لولادة ما أصبح يشكل اليوم هاجسا في نظر الساكنة المحلية المحافظة، «مهنة الدعارة» أحياء منتشرة صنعت لتلبيبة رعشات جنسية بأثمنة لا تفوق «20 درهم» لكنها تشتغل بهدوء في المجال السياسي والانتخابي حين يحين الموعد.

ومازالت هذه « المهنة المنبوذة » محافظة على مكانتها الخدماتية نظرا لإقبال الشباب على الظاهرة وفشل المقاربة القانونية والإقتصادية وغياب بدائل تبعد هذه الفئة عن تجارة الجسد.

مع قرب الانتخابات الجماعية، يبقى السؤال مطروحا: ما هي الأدوار التي تلعبها ممتهنات الجنس في الحملات الانتخابية، هل تتقرب بعض الأحزاب إلى هذه الفئة من أجل نيل المزيد من الأصوات؟ لماذا يحرص بعض المرشحين على استمالة ممتهنات الجنس في الحملات الانتخابية؟ وكيف تشارك ممتهنات الجنس سياسيا، وما هي حدود مشاركتهن، هل مشاركتهن السياسية قسرية أيضا أم بمحض إرادتهن؟

حين تكون ممتهنات الجنسة كتلة انتخابية..

تعدّ ممتهنات الجنس بمنطقة الجنوب الشرقي كثلة انتخابية هامة، إذ يبلغ العدد، حسب المعطيات التي حصل عليها « لكم » على الأقل 2000 امرأة ممتهنة للجنس، تشارك 1500 منهن على الأقل في البرامج التوعوية التي يسهر عليها فرع فيديرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، دون إحصاء الأعداد التي لا تشارك في هذا البرنامج أو التي لا تستطيع الجمعية الوصول إليهن.

تقول فوزية إحدى المشرفات على البرنامج في في فدرالية LDDF فرع ورزازات لـ « لكم » « إن الجمعية تستهدف سنويا 1000 ممتهنة جنس بورزازات وحدها، في برنامج « الحماية الصحية لممتهنات الجنس »، لكن هذا الرقم، تقول فوزية، « غير دقيق للغاية، لأننا نستطيع التواصل مع أكثر من ألف ممتهنة جنس »، هذا التصريح يوضح مدى ضخامة العدد في المنطقة، مما يؤهله ليكون عاملا أساسيا يُسيل لعاب ممتهني السياسة في المدينة.

مشاركة قسرية

ممتهنات الجنس اللاتي كَتَبَ لهن القدر الاستقرار بالجنوب الشرقي للمغرب، يشاركن أيضا في الانتخابات، حسب ما استقيناه من معطيات، لكن مشاركتهن تكون قسرية أيضا. فلا تقتصر مشاركة هذه الفئة على الدعاية أو التصويت بل تمتد إلى تنظيف القاعات، وتوزيع المنشورات والأعمال الشاقة المصاحبة للحملة، وذلك مقابل مبلغ مالي زهيد، أو طمعا في مزيد من الاستقرار في مهنتهن، لكنهن بالمقابل، يتعرضن للعنف والاعتقال والتشريد في كل حملة تمشيطية تقوم بها سلطات المدينة، كما تحكي (س.م) إحدى ممتهنات الجنس التي تحدثث للموقع.

ممتهنة الجنس.. « مواطنة » حين تقترب الانتخابات

أكد أخر تقرير لوزارة الصحة والصادر في مايو 2015 أن ما يفوق 19 ألف من نساء المغرب يمارسن «الدعارة» حسب دراسة رسمية، غير أن هذه الأرقام تظل غير دقيقة نظرا لصعوبة إحصاء هذه الفئة المتسمة بكثرة الترحال وعدم الاستقرار.

وإذا كانت الأرقام الحقيقة تضل بعيدة المنال، فإن عددا من المهتمّين بموضوع «الدعارة» يعتقدون أن هذا الرقم المهول يجعل ممتهنات الجنس تلعبن أدوارا مهمة في العمل السياسي والاقتصادي لا يظهر على المشهد لكنه يؤثر على مؤشرات كثيرة في العمق.

ما يزيد من صحة هذه الفرضية أن المستشارة البرلمانية عن حزب الاستقلال، خديجة زومي، كانت قد أكدت في مداخلتها في مجلس النواب أن «الدعارة تساهم في اقتصاد البلاد، ويجب أن تكون لدينا الجرأة للإقرار بذلك» تضيف البرلمانية. فهل تساهمن أيضا في المجال الانتخابي؟

فوزية فاعلة جمعوية تشتغل منذ 5 سنوات في مشروع الحماية الصحية لممتهنات الجنس بمدينة ورزازات، مع فدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة أكدت في حديثها لـ «لكم» أن ممتهنات الجنس بالمنطقة يتعرضن للعنف الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، أما الاستغلال السياسي، حسبها، فيتمثل في إرغامهن على المشاركة في الحملات الانتخابية والمشاركة في المسيرات التي تدعو إلى التصويت على حزب معين، ثم تشتغل بعضهم بـ200 درهم في توزيع المنشورات خلال بداية الحملات الانتخابية. ومع قرب الانتخابات الجماعية، تقول فوزية، هذه الممارسات تضل مستمرة رغم تراجعها عن الأعوام السابقة.

هذه الفئة من النساء تشارك سياسيا إذن، غير أن مشاركتهن تضل محصورة في التصويت أو الدعاية مع قرب أي حملة انتخابية وليس الترشح. واقع يتكرر طوال سنوات بالمدينة دون أن يتطرق إليه أحد، فبعض المنتخبين، لا يعترفون بمُواطَنة ممتهنة الجنس، إلا عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، لكن تظل المقاربة القانونية هي السائدة، في المواسم التي تلي الانتخابات الجماعية.

نظرة المجتمع ونظرة السياسي المرشح

إن صاحبة أقدم مهنة في التاريخ، «ينظر إليها من طرف المجتمع المحافظ عامة أنها مواطنة منتهية الصلاحية، لا يمكن لها أن تشارك سياسيا، نظرا لوجودها في أسفل الهرم الاجتماعي، كمستنقع لا يصلح إلا «لرمي الفضلات» ومهمتها الأساسية تلبية شهوات جنسية في أقل من دقيقتين للشخص، لكن صوتها الانتخابي، رغم ما تقترفه من «رذيلة» في نظر المجتمع، يراه السياسي الذي يجيد العدّ أنه يمثل رقما حاسما بالصندوق الانتخابي وعاملا مهما في الدعاية خلال الحملة الانتخابية، وحسب المعطيات التي حصلنا عليها، فقد تكرر سيناريو مشاركة ممتهنات الجنس في الدعاية والتصويت، لمدة طويلة لرئيس سابق لبلدية ورزازات يدعى (م.أ) الذي كانت ممتهنات الجنس تتصدر الصفوف الأمامية لحملاته الانتخابية.

وبعد انتهاء موسم الانتخابات تعود هذه الفئة من النساء إلى أحيائهن لتنشط مجددا في العمل الجنسي نظرا لغياب بدائل اقتصادية تلبي حاجياتهم الأساسية. وتضل تواجهن نظرات المجتمع القاسية التي تعتبرها «مواطنة بدون عنوان».

تجارة الجنس، مرفوضة اجتماعية، مجدية انتخابيا

محمد هوزان الفاعل الجمعوي ومؤسس الإذاعة الجمعوية المحلية الإلكترونية « صوت ورزازات »، يؤكد في تصريح لموقع «لكم» أن ممتهنات الجنس يشاركن في المسيرات المؤيدة لحزب معين في المدينة، ويرى أن ممتهنة الجنس، كما باقي المواطنين، لها حقوق مواطنتها كاملة بما فيها حق الترشح أو الانتخاب، مؤكدا أن هذه الفئة تتصدر طوابير الدعاية للأحزاب السياسية في الحملات.

وتضل «تجارة الجسد» مهنة مرفوضة اجتماعيا وثقافيا بالمنطقة إذ تنتشر دواوير ممتهنات الجنس في مناطقة بعيدة نسبيا عن الساكنة، لكن بعضها ينشأ في قلب أحياء سكنية شعبية. وتعرض هذه الفئات للترحيل القسري حيث يشتكي الساكنة من الأنشطة الجنسية التي يعتبرونها « تشوه الحي » و »تجعله مرتعا لقطاع الطرق وتجار المخدرات ومختلف أنواع الشباب… ».

أشارك لكن.. بإرادتي

سمية، التي تحدث للموقع، تقول « ليس لدي مشكل في الحديث بوجه مكشوف عبر فيديو عن مشاركتي في الحملات الانتخابية رغم اقترافي للرديلة القسرية » مضيفة « إن ما نقوم به، جاء نتيجة التهميش والطرد والاغتصاب، فالكثيرات ممن يمتهن الدعارة، كانت مواطنات عاديات، ينتخبن ويصوتن، غير أن الواقع أكبر منهن وقادهن إلى حُفر صغيرة لكسب قوت العيش وإعالة الأسرة ».

وعادت سمية، لتؤكد، أنها شاركت في الموسم الانتخاب الماضي مع حزب « الاستقلال » في الحملة الماضية قبل 6 سنوات، وتصدرت الصفوف الأمامية لهذا الحزب في المسيرات الدعائية، رغم أنها لا تعلم أي شيء عن برنامجه، « لم تكن المشاركة في المسيرات مفروضة عليّ، بل كان ذلك قراري بعد أن تواصل معي أحد المقربين ينتمي للحزب، ولم أجد أي حرج لتوزيع المنشورات في أحياء أخرى لا تعرف مهنتي الحقيقية، وأقنعتُ 20 من زميلاتي في المهنة أيضا للتصويت على الحزب »، تضيف سمية، التي تمتهن الدعارة في إحدى الأحياء الشعبية بورزازات، والتي قالت « إن هناك من يتكلف بتسجيلنا في اللوائح الإنتخابية، فهم يعرفوننا جيداً ».

حملات تأديب بعد الانتخابات

بعد الانتخابات تتعرض أحياء مهنة الجنس بمنطقة ورزازات وتنغير وقلعة مكونة والراشدية، لحملات تمشيط موسمية من طرف السلطات، لكن المقاربة القانونية تضل عاجزة عن اجتثاث مسببات «مهنة الجنس» القسرية، لأن البرامج الانتخابية لا تحمل معها مشروعا قادرا على اجتثاث الظاهرة، فالبرامج الانتخابية التي تروج لها الأحزاب المشاركة غالبا ما تغيّب في أجنداتها حلولا واقعية للمشكل سوى المقاربة القانونية. فهي تعد الساكنة باجتثاث الأحياء التي تزدهر فيها تجارة الجسد لنيل أصوات المحافظين، وفي نفس الوقت توظف سكان تلك الأحياء لنيل المزيد من الأصوات.

وعود انتخابية

« كونوا هانيات » هي الجملة الوحيدة التي تسمعها ممتهنات الجنس حين تتواصلن مع مرشح بشكل سري، ليلى (29 سنة) كانت إحدى المشاركات في لقاء سري سنة 2009 مع أحد المنتخين، قالت للموقع، إن أحد المقربين لأحد المرشحين، دعاني إلى اجتماع سري في مقر الحزب، ووعدهن بحل جدري لمشكلتهن، أو على الأقل إبعاد المقاربة القانونية والاعتقال إذا ساهمن في نجاحه في الانتخابات البلدية لمدينة ورزازات، لكن بعد الانتخابات « نْسَانَا » تقول المتحدثة.

كان سؤالنا كالتالي : ما هي أهم الوعود التي تتلقونها قبيل الانتخابات، قالت ليلى التي كانت الفتاة الوحيدة التي استطاعت البوح بالحقيقة بعد أن اتصلنا بعدد من زميلاتها، أتذكر أن أحد أقارب المرشحين وعدنا بمنحة، تخرجنا من هذه المحنة اليومية، أو بعمل يضمن لنا قوت العيش، وبالفعل، اشتغلت بعد ذلك في أحد النوادي التابعة للبلدية، لكن أجرتي لم تكن تتجاوز 1000 درهم شهريا لذلك لم تكن تكفيني لإعالة ابنتي الصغيرة وقررت العودة إلى مهنتي الأصل، وبعد أن انكشف أمري، حيت يصعب علي الحضور صباحا بسبب السهر، طردت من العمل كمنظفة.

في المقابل أكدت مصادر متطابقة تعمل في مجال حقوق المرأة بورزازات أن «ممتهنات الجنس» يتعرضن فعلا للاستغلال في المواسم الانتخابية من طرف بعض رؤساء البلديات والجماعات وبعض المنتمين للأحزاب السياسية، لكنهن يطردن ويتم نسيانهن بعد ذلك.

الآلة الانتخابية تستغل النساء عامة

سعاد بنمسعود المتخصصة في علم النفس الاجتماعي بالرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة بورزازات والتي تشرف على مركز استماع للنساء بالمدنية ومن بين المشرفين على برنامج «حماية ممتهنات الجنس صحيا» تؤكد في اتصال بموقع « لكم » أن الجمعية ضد استغلال ممتهنات الجنس في الانتخابات، وتعتبر أن استغلال ممتهنات الجنس في الانتخابات يدخل في إطار استغلال أصوات النساء بشكل عام، خصوصا إذا أخدنا بعين الاعتبار وضعتهن الاجتماعية الهشة ووعهن السياسي الضحل والمحدود.

وأردفت بنمسعود «إننا في فديرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة نشتغل منذ سنوات حول برنامج يستهدف حماية ممتهنات الجنس بالمنطقة، ونحاول عبر هذا البرنامج الذي يحتوى على دورات تكوينية توعوية، أن ننشر الوعي وسط هذه الفئة، وتحسيسهن بحقوقهن حتى السياسية منها، ونؤكد لهن بأن يحرصوا على عدم استغلالهن في الحملات والتصويت. وأن يصوتوا على البرامج وليس الأشخاص، لأنهن في أخر المطاف مواطنات عليهن واجبات ولهن كامل الحقوق».

نقلا عن موقع لكم2

ملاحظة :

سبق لموقع دادس انفو أن أعدا ملفا كاملا عن الدعارة بالمنطقة وكشف في جزء منه عن الدور الذي تلعبه ممتهنات الجنس في الانتخابات.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.