للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mardi 14 octobre 2014 - 8:46

الشعر العربي القديم: قضايا وإشكالات(الحلقة الثانية)

عبد المجيد علوي اسماعيلي:
(الحلقة الأولى عبر هذا الرابط)
ب-أسئلة الشعراء الجمالية:
التزم بعض الشعراء بمذهب الأوائل استجابة لأفق توقع مرسوم سلفا من طرف النقاد،فيما عدل فريق آخر من الشعراء عن هذه المعايير الجمالية متجاوزا الأطروحات الوثوقية الجاهزة لعلماء اللغة رغبة منهم(أي الشعراء المحدثون) في الاندماج مع الأفق التاريخي وتشييد أكون دلالية منسجمة مع مشترطات العصر وأسئلته وضغوطاته.وفي هذا السياق، يطفو على مسرح الكتابة الشعرية العربية القديمة كل من بشار بن برد(شيخ المحدثين الذي كان برزخا بين القديم والجديد وأحد رموز وممثلي النزعة الشعوبية)،وأبي نواس(رائد المقدمة الخمرية ومؤسس الفلسفة الأبيقورية في العصر العباسي)،وأبي تمام(الأب الروحي للاستعارات التي نحيا بها وأحد الأصوات الشعرية / النقدية المحتفية بخطاب الصنعة في مقابل خطاب الطبع)اللذين انخرطوا ،بوعي منهم، في مواجهة صريحة ومفتوحة مع علماء اللغة المدافعين عن نزعة تقديس شعر الأوائل من قبيل:ابن الأعرابي،وأبي عبيدة والعتابي…
فقد روي عن بشار بن برد (ت 168 هـ) أنه « سُئل عن جرير والفرزدق أيهما أشعر. فقال: جرير أشعرهما. قيل له: من أين قلت ذلك؟ فقال: لأنه يشتد إذا شاء ويلين إذا شاء، وليس كذلك الفرزدق، لأنه يشتد أبدا. قيل له: فإن يونس وأبا عبيدة يفضلان الفرزدق. فقال: ليس ذا من عمل أولئك القوم، إنما يعرف الشعر من يضطر إلى أن يقول مثله » (1).
وروي عن البحتري أنه « سئل عن أبي نواس ومسلم أيهما أشعر. فقال: أبو نواس أشعر. فقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إن أبا العباس ثعلبا ليس يطابقك على قولك ويفضل مسلما. فقال البحتري: ليس ذا من عمل ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله. إنما يعلم ذلك من قد دفع في مسلك طرق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته » (2).
وبهذا الفهم، لم يقتصر الخلاف بين الشعراء والعلماء على مسألة المفاضلة بين الشعراء والأشعار فحسب،بل امتد إلى علاقة النص الشعري بالقضايا النحوية المرسومة سلفا من خلال إصدار اللغويين أحكاما جاهزة ترمي شعر المولدين باللحن والخطأ بدعوى عدم الالتزام بالمعايير اللغوية للأسلاف، والحال أن الكتابة الشعرية ،في جوهرها، انزياح عن المألوف وتكسير للنمطية، وخرق للتقليد الجمالي المتداول وانفتاح عن عوالم جديدة استجابة لروح العصر(بلغة هيجل)ومقتضياته ورهاناته،ومن هؤلاء الشعراء اللذين عبروا عن هذا المطمح الجمالي المشروع الشاعر »عمار الكلبي » الذي يقول:
ماذا لقيـنا مـن المستعربيـن ومن قياسهـم هذا الذي ابـتدعوا
إذا قلت قافية بكرا يـكون بهـا بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا
قالوا: لحنت، وهذا ليس منتصبا وذاك خفـض وهذا ليس يرتـفع
ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعـوا3))
هذه المعطيات النصية تؤشر على بداية تشكل أفق توقع جديد مغاير للأفق التقليدي الذي ترسخ في ذهن علماء اللغة( الذي حاولوا ترسيمه وتقنينه وفرضه على المبدعين اللاحقين)، حيث قاد هذه « الثورة المنهجية الهادئة » الشعراء أنفسهم اللذين وجهوا سهام النقد اللاذع للغويين غير العارفين بأسرار الصناعة الشعرية،ومراهنين،في الوقت ذاته، على القراء الجديد اللذين ضاقوا ذرعا بالقصائد الجاهزة والنمطية،والمتطلعين إلى معانقة آفاق إبداعية جديدة.
لقد هيمن التقليد الجمالي الذي رسخه علماء اللغة العرب عبر تجهيزه باستعدادات نفسية ومعرفية،وفق ذخيرة شعر القدماء،مما شكل،بحق،النواة الأولى في تبلور الإعجاب والتعصب له دون سواه بدعوى أحقيته المطلقة في السيادة،الشيء الذي أفرز نوعا من الصدام بين معياريين جماليين يشكلان أضلاع العملية التأويلية وقتئذ الشعراء والعلماء الرواة(أي اللغويون الأوائل وجلهم من القراء النحاة اللذين رحلوا إلى البادية أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي،وأبو عمر بن العلاء،والأصمعي…).فقد روى المرزباني نقلا عن الأصمعي مايلي: »حضرنا مأدبة،وأبو محرز خلف الأحمر،وابن مناذر معنا،فقال له ابن مناذر:يا أبا محرز،إن يكن امرؤالقيس والنابغة وزهير ماتوا،فهذه أشعارهم مخلدة،فقس شعري إلى شعرهم.قال:فأخذ صفحة مملوءة مرقا فرمى بها عليه. »(4)
رد فعل خلف الأحمر العنيف هذا، يعكس درجة التقديس التي آل إليها شعر الأوائل من خلال تماهي لحظة التأويل بصدد التفاعل الجمالي مع كل لحظة إنتاج للمعنى الجاهز، كما لو أن أبا محرز بموقفه النقدي ذاك، يسعى إلى ملئ الفراغ بإعادة بناء السياق المرجعي حماية للمشترك الجماعي أو الرأسمال الإبداعي المتوارث تاريخيا في أفق تكريس تأسيس سلطة المؤسسة النقدية.
يعكس إقرار ابن مناذر بخلود أشعار المتقدمين وتجاوزها لسياقاتها المرجعية،التطلع إلى معانقة فضاءات خصبة ورحبة أو حركية الأفق الدائمة التي أكدها « غادامير »بقوله: » إن الأفق في الواقع شيء نتحرك فيه،يتحرك معنا. فالأفق إذن شيء ذائب الحركة. »( 5)
يؤشر موقف ابن مناذر النقدي هذا،اعتمادا على سننه في التلقي،ضرورة المراجعة الدائمة لمشروع الفهم والتأويل لأن الأفق الجمالي ،يمكن أن تتسع دائرته، إلى أبعد الحدود حتى يستوعب أفق عصره وما قبله ومشترطاتهما وضغوطاتهما واملاءاتهما، مثلما أصر البحتري على أهمية إقصاء العالم النحوي ثعلب بسبب تعصبه للأثر الفني المؤسس على ذخيرة فنية ومقصدية نحوية تلهث وراء الغريب والشاهد، خاصة وأن الكمون الجمالي في الإنتاج الشعري يثير ردود فعل جمالية لا يمكن لعالم مثله أن يجاريه أو أن يتواصل معه.

يتبع بإذن الله

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.