للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mardi 7 mars 2017 - 9:57

سعيد أُومعسو .. مُعَالج مكفوف يحوّل الحواجز إلى حوافز

هسبريس

وُلد بقرية واكليم نواحي تنغير سنة 1970، فقَدَ بصره منذ أن كان عمره ست سنوات، وحصّل الباكوريا بمراكش، ثم درس العلاج الطبيعي (Physiothérapie) بتونس، ثم الطب الصيني، والعلاج بالتنويم المغناطيسي الطبي و(ostéopathie, fasciathérapie kinésiologie, etiothérapie) بفرنسا وسويسرا. معالج طبيعي مكفوف لم تستطع العقبات أن تثنيه عن الاجتهاد والتفرد، لاسيما أن عيادته الطبية بمراكش تستقبل « مرضى » أغلبهم من جنسيات أوروبية ومن دول عربية. وقلة من المغاربة الذين يؤمنون بأن هذا الرجل المكفوف يستطيع أن ينفذ بأصابعه وحواسه إلى بواطن العلل والآهات.

عندما تَمّ تكريمه ذات يوم بِورزازات من طرف « منظمة القائد الآخر »، لعلّ سيرته تُلهم التلاميذ والطلبة، وتعينهم في مساراتهم في تحدي الصعاب والعقبات لتحقيق أهدافهم في الحياة العلمية والعملية؛ قال سعيد أومعسو بعفوية جلبت له تصفيق الحاضرين وتقديرهم إنه عندما كان صغيرا وهو فاقد البصر أخبرهُ والده بأنه سيأتي يوم سيمُوت فيه والداه، وهما اللذان كانا سنده في الحياة، لذلك عليه أن يتعلم الاعتماد على نفسه ويتكيف مع وضعية العمى.

هذه الحقيقة التي لم يكن يفكر فيها قبل أن ينبهه إليها والده جعلته يعقد العزم على تدريب نفسه ليواجه كل العقبات التي ستقف في طريقه؛ وإن كان يتمنى طول العمر لوالديه، إلا أنه ظل يفكر في أنه لن يجدهما دائما بجانبه ليرشداه نحو وجهته طول الوقت، وهو الذي فقد بصره منذ أن كان عمره ست سنوات.

« التقطت هذه الرسالة من والدي، وعملت ما بوسعي لأستفيد منها »، يقول أمعسو في حديث إلى هسبريس، ثم يضيف: « جُلت كل أزقة مراكش راجلا لوحدي، مرة أسقط في حفرة، ومرة أقترب من هاوية، ومرة أشعر بأن سيارة كادت أن تدهسني. تلاحقني همهمات المارة وأنا أتخيل نظراتهم إلي، لكنني تعلمت في الأخير أن أذهب لوحدي نحو مشاويري المهمة ».

أمعسو، الذي حظي بوسام ملكي من درجة ضابط سنة 2007، يفتح قلبه لقراء هسبريس الإلكترونية، من خلال ذكرياته قبل السفر وحيدا إلى تونس للدراسة، وهو المكفوف الذي يعتمد على نفسه وعلى عصاه.

« عندما ذهبت سنة 1992 إلى الثانوية التي درست فيها بمراكش لأتسلم شهادة الباكالوريا، طلبوا مني انتظار المدير؛ بينما تسلم زملائي شواهدهم مسرورين بالنجاح.. لما جاء المدير، عانقني بحرارة وهو يخبرني بأن المؤسسة تلقت تهنئة خاصة باسمي، وبأنني شرّفتها. أعرف لماذا عانقني، وقد بادلت ذلك بكل حب، فقط لأنه رفض تسجيلي أول مرة عندما رأى أني تلميذ مكفوف، ثم قبل على مضض، بعد إلحاح وصمود كبيرين ».

الدراسة بتونس

رغم أن سعيد يعيش بمراكش، إلا أن صلته بدواره بواكليم نواحي تنغير لم تنقطع، فقد كان يتردد رفقة عائلته على بلدته بين الوقت والآخر، خاصة في مناسبة « العيد الكبير »، وبعض المناسبات العائلية في الصيف، لكن صيف تلك السنة كان طويلا على سعيد، فقد مرض والده وقتها.

« أذكر أنني تلقيت رسالة من المعهد الذي درست فيه سنواتي الأولى تفيد بأنني بإمكاني الذهاب إلى تونس لدراسة العلاج الطبيعي.. استشرت والدي في الأمر وأنا أشرح له ماذا يعني ذلك، فشجعني على ذلك، وقال لي إن هذه الحرفة بعد تخرجك سوف توفر لي سبل العيش، كما أنني سأكسب منها دعوات الناس، وأنا أساهم في شفائهم وراحتهم، لكن والدتي لم تستسغ سفر شاب مكفوف إلى دولة أخرى للدراسة، لكنني أقنعتها بأنني سأكون بألف خير ».

في تلك السنة التي حصل فيها أومعسو سعيد على الباكالوريا، واستعد للسفر إلى تونس، توفي والده؛ فلم يعد هذا الشاب الطموح مكفوفا فحسب، بل يتيما أيضا، إلا أنه يملك من العزيمة ما يكفي ليُنقذ مئات من المنهزمين ليصلوا إلى بر الأمان.

يسرد سعيد وهو المتزوج والأب لثلاث فتيات: « أذكر أن مسؤولا في منظمة تعنى بالمكفوفين طلب مني أن أكتب رسالة أتنازل فيها عن المنحة..استشرت مع أفراد عائلتي، فقالوا لي نحن معك، وسندعمك ماديا لتتمم دراستك في تونس، فاتصلت بذلك المسؤول سامحه الله، وقلت له إنني أوافق، وذهبت إلى مقره.. كتبت كاتبته رسالة فيها أنني أتنازل عن المنحة، قرأت علي ذلك وطلبت مني أن أوقع، فوقعت، ثم عادت إلى تخبرني بأن المسؤول طلب منها أن تضيف أنني أقبل بأن المنظمة ليست مسؤولة عن البحث لي عن عمل بعد عودتي من تونس.. وقتها قلت للكاتبة: أخبري رئيسك بأنني سأوقع على كل ما تكتبونه هناك، ولا داعي لتقرئي علي كل مرة، المهم أنني سأذهب لأكمل دراستي في تونس ».

ويضيف سعيد: « كلما تذكرت ذلك إلا وتنتابني رغبة في البكاء.. شعرت بـ »الحكرة »..حرموا مكفوفا من منحة، في وقت يدرس معي في تونس أبناء شخصيات مغربية نافذة حصلوا على منحتين. لكن الله كريم، عوضني بمنحة تونسية .أثناء السفر لم ترغب شركة الطيران أن أحصل على تذكرة دون إذن من تلك المنظمة التي تعنى بشؤون المكفوفين..لم يستسيغوا أن أسافر وحيدا، لا سند لي سوى الله الخالق، ثم اهتديت إلى أن أرسل جواز سفري مع شخص مبصر، لأحصل على تذكرة، ويوم السفر أضعهم أمام الأمر الواقع، وهذا ما حصل، ووصلت تونس ».

بخصوص دراسته العلاج الطبيعي في تونس يحكي سعيد، وهو الذي أصبحت لعيادته شهرة وطنية ودولية، ونال اعترافات من جامعات غربية: « كانت المنحة التونسية هزيلة، لكنني لن أنسى أفضال تونس والتونسيين علي، ومازالت علاقاتي بهم جيدة.. درست هناك، وعندما تخرجت من ذلك المعهد كنت في الرتبة الثانية.. قضيت أياما وأسابيع عصيبة، وكثيرا ما لم أجد ما أسد به الرمق، سوى بعض الخبز اليابس والسكر، لكن ذلك كله كان يُحفزني على الصمود وطلب العلم ».

معالج مكفوف

بعد سنتين من الاشتغال في بعض المستشفيات بالرباط، انتقل سعيد أومعسو إلى الحي الشعبي الذي نشأ به بمراكش، ليفتح عيادة طبية بمساعدة أسرته، ثم ينتقل بعد ذلك إلى حي كيليز بأحد أرقى أحياء مراكش، حيث بدأ تكوينات مستمرة في كل من فرنسا وسويسرا وبلجيكا.

« فقداني لبصري أمر إيجابي جدا بالنسبة لي، فلا أستطيع النظر بعيني إلى وجه المريض ولا ملابسه ولا شكله أو لونه، بل أركز فقط على ما يقول.. أنفذ إلى دواخله بحواسي.. هناك تكوينات اجتزتها، كان يُطلَب منّا فيها جميعا أن نُغمض أعيننا، كنت أضحك في قرارة نفسي، لأنني الوحيد الذي يُسمح له بأن يفتح عينيه ولا يُعتبر غشاشا ».

ثم يزيد: « أبدأ الجلسة مع المريض بالإصغاء إليه، هو يتحدث وأنا أتحسس جسمه بأصابعي.. أوجه إليه أسئلة عن ماضيه وتاريخه.. يتحدث وأنا أنصت إليه، ليس بأذني فقط، بل بكل حواسي.. أحيانا أدرك من خلال ذبذبات جسمه، وتقلصات عضلاته، أن الداء بدأ في سن معين، أو في حادثة معينة.. أوقفه، وأسأله عنها، إلى أن أعرف الداء بالضبط. جسد طالب خدمتي بالنسبة إلي عبارة عن كتاب، كل عضلة، كل عرق، كل تنهد، تقلص أو ارتخاء، كل سكناته وحركاته عبارة عن جمل ومعلومات بالنسبة لي ».

ثم يؤكد سعيد في حماس: « طورت طريقة علاجية خاصة بي، نتيجة تجاربي الشخصية وتكويناتي، سميتها « العلاج بالأسباب المعلوماتية ».. فمثلا عندما يأتي شخص ويحكي لي أنه يشكو صداعا أو ألما، فلا أعطيه مهدئا، بل أعتبر هذا الألم أمرا إيجابيا. أجلس مع الزائر، وهو يتحدث ويدي تتحسس جسمه.. وطبعا لا أسمي زواري مرضى.. أصغي إليه بأذني وكل حواسي، إلى أن أتجاوز ما هو مادي؛ فالإنسان لا يعيش وحده، بل هناك محيطه. أحاول أن أنفذ إلى أسباب الألم، عبر جمع أكبر عدد ممكن من المعلومات المسببة لهذه الحالة، ومازلت أطور هذه الطريقة العلاجية عبر قراءة الجسد ».

نظرة المجتمع

يتحدث المعالج الطبي سعيد أومعسو عن نظرة المجتمع للمكفوف قائلا: « أعتقد أن المجتمع تحسن كثيرا في وعيه وتصرفاته، وأنا مدين له بالفضل علي، أنزل من سيارة أجرة، يساعدني شخص لا أعرفه، وفي كل مرة هناك من يعرض مساعدته لي، دون معرفة مسبقة ».

ثم يستدرك سعيد: « لقد عانيت في بداية مشواري، مرة طرقت باب طبيب طلبا لتدريب، وأخبرت مساعدته بأنني أرغب في رؤية الطبيب شخصيا.. سألتني إن كانت المقابلة بغرض علاج من مرض ما، لكنني أخبرتها بأنني لا أشكو شيئا، فقط أرغب في مقابلة الطبيب لموضوع خاص.. الموضوع الخاص أقصد به طلب تدريب أو عمل، فعادت إلي بعد مدة وهي تدس في يدي قطعا نقدية، لأنها اعتقدت بأنني مجرد متسول ».

يستطرد سعيد ساخرا من هذا الوضع: « هذا الأمر تكرر معي مرات كثيرة، لأن هناك اعتقادا في أذهان الناس بأن الشخص المكفوف متسول بالضرورة.. تطلب من شخص ما أن يساعدك في عبور الطريق، فلا يسمعك جيدا، أو لا يرغب في سماعك، فيدس في يدك درهما أو درهمين.. مرة أعطاني أحدهم بعض القطع النقدية وأنا لم أطلبها منه، فناديته، يا رجل إن المبلغ الذي منحتني مبلغ هزيل جدا، أنا أستحق وجبة في مطعم محترم، وهذه القطع لن تفي بالغرض، عاد إلي، وأفهته بأنني لست متسولا، أعدت له نقوده، وأفهمته بأنني أقدر سلوكه، وأنه فعل ذلك عن حسن نية، وأن المكفوف يمكن أن يكون فردا فاعلا، لا يستجدي عطف أحد، إذا وجد مناخا جيدا، تكوينا ملائما، ومجتمعا يُقدر كفاءة الفرد دون تمييز بين هذا أو ذاك ».

ويختم سعيد دردشته مع هسبريس قائلا: « أشكر المسؤول الذي حرمني من المنحة.. أشكر مدير الثانوية الذي رفض تسجيلي أول مرة.. حتى أولئك الأشقياء الذين يرمونني بالحجر وأنا في طريقي، وأولئك الذين يقهقهون من تعثري في الطريق، وأولئك الذين كانوا يسخرون مني، ويصفونني بالأعور، وحتى أولئك الأطفال الذين رفضوا أن ألعب معهم بعد أن فقدت بصري.. ألتمس لهم العذر، أشكرهم، ولا أضمر لهم في دواخلي أي حقد، لأن كل تلك العقبات والحواجز أستثمرها كحوافز، وأردد دائما: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ».

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.