للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : samedi 18 juin 2016 - 10:17

مملكة دبشليم أو الإنسان من وجهة نظر حيوان


بقلم كريم اسكلا

هل يستطيع الإنسان أن ينظر إلى العالم بعين #حيوان أو حشرة أو #ميكروب …؟ يعني أن يتخيل كيف تراه تلك الكائنات وكيف ترى العالم من حولها ؟ نحاول في هذا المقال أن نرفع تحد في وجه الكبرياء الإنساني، بأن يحاول تمثل الصورة التي تراه عليها الكائنات الأخرى.

نسوق هذا المقال ونحن نستحضر صعود لغة الغابة وخطاب « #كليلة ودمنة » إلى الساحة السياسية بالمغرب… فما عاد النقاش السياسي يتمحور حول الايديولوجيات والخيارات السياسية والفكرية بقدر ما أصبح السياسيون يتنافسون في الترميز واللمز…في مد شعوبي غريب. لكن صعود لغة كليلة ودمنة هو في حقيقة الامر اعتراف ضمني بأن الجو السياسي أصبح أكثر قتامة ودكتاتورية وتسلط من ذي قبل، فالفيلسوف بَيْدبا بنصحه للملك دَبْشَليم بذلك الأسلوب العجائبي كان مجبرا لا بطلا، وقد كانت الظروف الاجتماعية والسياسية للفيلسوف الهندي بيْدبا مع #الملك دَبْشَليم تشابه ما كان فيه ابن #المقفع مع الخليفة المنصور، الذي كان بحاجة إلى النصح غير المباشر لما عُرف عنه من قوة البأس والبطش بكل من يخرج عن طاعته. ونحن نعلم أن فن النكتة والسخرية والكاريكاتير …لم يبرز إلا في عهد #التسلط والاستبداد. لكن إذا كانت كلية ودمنة توجهت إلى التمويه والامتاع لغاية تمرير قيم ومواقف وقيم معينة وكشف وفضح أحداث معينة، حيث يقول إبن المقفع في تبيان الغرض من ترجمته للكتاب بأنه بهدف استمالة قلوب الملوك وأهل الهزل من الشبان. فإن  خطاب « الحيونات » في حقلنا السياسي لا يظهر أنه يرنوا بالمطلق إلى النصح والكشف والإصلاح، بل يتجه إلى التمويه لأجل الاخفاء وتغيير معالم الحقائق والوقائع. حيث يسمى الذئب تمساحا والثعلب والضبع عفريتا والقرد ضفدعا…لتتحول مجالس السياسة إلى مجالس للأنس والمفاكهة والإلهاء لا أقل ولا أكثر…بيدبا كان يود الرقي بالسياسة لكن مستعملو لغة الحيوان عندنا يسعون إلى تسفيه ما لم يسفه بعد  في الممارسة #السياسية.

إن لغة كليلة ودمنة استنطقت الحيوان لفهم حياة الإنسان، لكن ما نود مناقشته في هذا المقال هو ماذا لو كان الإنسان فعلا مجرد كائن على ظهر كائن اخر أو بين زغبه أو ريشه، أو مجرد سوسة بين أسنان حيوان ما، أو مجرد #باكتيريا أوجرتوم بين أحشاء كائن ضخم أو مجرد ذبابة أونملة …؟

لنتأمل حياة الحيوانات، مثلا حياة النمل أو النحل …هي بالتأكيد عوالم ضخمة تسيير وفق نظم وأنساق معقدة…ونحن ننظر إليها باحتقار لأنها صغيرة، وبعض الكائنات الحية نكاد لا نلتفت إلى وجدها لأنها منتهية الصغر… بتأملنا لبعض الحشرات مثلا نجدها تعيش على ظهور حيونات أخرى، وبعضها يعيش في فمها أو أذنها أو معدتها أو بين أحشائها…

أليس من الممكن أن كائنا ما ينظر إلينا الآن كما ننظر نحن إلى الميكروسكوبيات؟ أو أننا فعلا مجرد خلايا في جسم كائن ما، في هذه الحالة يكون بعضنا خلايا تكون قلبه أوعقله التي تسيره، تلك هي القوى التي تتحكم في السلطة، ثم خلايا تحمل الأوكسجين للعضلات وتبني وتنشئ العظام…تلك هي القوى العاملة، وخلايا تكون الجهاز العظمي تأكل أموال المجتمع، وخلايا تعيش في المعي الغليض هم نحن القوى المسحوقة، وبعضنا طفيليات يعيش على فضلات هذا الكائن الضخم…وكل وسائل التنقل والاتصال ما هي إلا كريات بيضاء وحمراء ورسائل عصبية بين الأعضاء…وما نسميه سقوط مطر قد يكون مجرد إرتواء وشرب هذا #الكائن الذي نوجد في معدته، والزلازل عندنا إما إرتعاشة أصابته أو نوبة سعال أوعطس، وهذه الأشياء التي نسميها رياحا وعواصف قد تكون مجرد غازات على مستوى أمعائه. وهذه الأشياء التي نسميها محيطات وبحار…ما هي إلا أحماض  أو دماؤه أو عرقه  أو سوائل في مثانته.

وكما نستمع نحن إلى لغة حيونات ما فنطلق عليها أسماء، فذاك نباح وذاك نهيق وذاك خرير…أليس من الممكن أن لغتنا قد تكون مجرد زقزقة لدى كائنات ما أو مجرد مواء أو صريف أونعيق، أو أن ربما كائنات أخرى لا تسمع لغتنا إطلاقا كما لا نسمع  نحن لغة العديد من الحشرات والنباتات.

ما ينتجه النحل هو عسل حلو في فمنا لكنه بيولوجيا هو مجرد لعاب تبصقه، وهو في أعين كائنات أخرى سم قاتل. ما تطعم به الجمال أو الأبقار صغارها هو في أعيننا لبن وحليب وزبد …وما يظهر لنا فضلات وروث…هو في أعين حيونات و#حشرات عديدة غذاء لذيذ وربما أحلى من العسل. وما نتناوله من خضر وفواكه هو في واقع الأمر مجرد أمشاج وبويضات كائنات نسميها نباتات.

ألا تنظر إلينا الدواجن والأبقار والخراف مثلا على أننا حيونات مفترسة أو طيور كاسرة تأكل أولادها وأجنتها. عندما يشرب الانسان كأس ماء، الذي هو بالنسبة للعديد من البكتيريات محيطات ضخمة، ألا يعدو ذلك أن يكون  تقبا أسود التهم تلك الكائنات. حينها تكون أجسامنا جنات بالنسبة للعديد من #الطفيليات و#الجراثيم…وجحيما بالنسبة للبروتينات والسكريات…

وبعودتنا إلى لغة بيدبا، لنا أن نقول أن هم بعض البشر وشغله الشاغل هو اكتناز الأشياء وتجميعها، فيجد ويجتهد من أجل جمع كل ما قد يجده أمامه، ويتصف هذا النموذج من البشر بالصرامة والعمل الدؤوب واتباع نظم عسكرية صارم. إذ لا مجال للمنعرجات فقط السير في طريق واحد واتباع الطريق المرسوم سلفا. فله حاسة تقتنص مصادر ومكان الأشياء، خاصة #الثروة، لكنه قد يأخذ أحيانا أشياء غير مفيدة، وأليات جمعها للأشياء هي ذاتها آليات دفاعها عن نفسها، فالعدو بالنسبة لها ما هو إلا شيء يحتمل أن يضاف إلى اللائحة…إنه تجمع معشر النمل من وجهة نظر عوالم أخرى.

وبعض الناس أيضا عبارة عن ذباب لا تغريهم سوى الأشياء الكريهة والمتسخة والعفنة، ولا يجذبهم إلا ما تعفن وساء، ويكون الطهر والنقاء أشد أعدائهم، وأكبر همهم إزعاج هدوء الاخرين، وهذا النمط من البشر لا يقترب من الأشياء الجميلة والرائعة إلا ليفسدها دون حتى أن يستفيد من ذلك.

نجد أيضا نموذج الإنسان النحلة يشبه النمل في #الانضباط وصرامة العمل إلا أنه إضافة إلى حبه لجمع الاشياء الجميلة فقط هو ينتج أشياء أكثر روعة وأكثر فائدة، تجده يحوم دوما حول الراقي من الزهر والورد ليأخذ لبه فيصنع منه رطبا إبداعيا، كما يتميز بتضحيته بنفسه من أجل الدفاع عن الأخرين.

هكذا قد نخلص إلى أن الكائن الانسان هو في مواقف معينة ومن وجهة نظر كائنات أخرى قد يكون مجرد #باكتيريا أو فاكهة أو مفترس…ليس من باب الترميز والمواربة واللمز والغمز بل من باب زاوية احتمالية وجود وجهات نظر مغايرة لما هو شائع بيننا بما فيها ما قد يجرح نرجسيتنا ككائنات تدعي أنها وحدها العاقلة والناطقة.

قد يكون كلامنا مجرد ترميز لمحاولة التعليق على واقع ذلك #الحيوان الذي يسمى إنسانا، لكن ماذا لو كان على الأقل جزء من كل ذلك صحيحا، كأن يكون معشر البشر فعلا مجرد حشرات أو ميكروبات طفيلية على هذه العوالم؟  عندها يكون حتى هذا الكلام الذي بصدده  مجرد نباح أو عويل أو نهيق أو صريف أو خرير…

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.