للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : samedi 25 octobre 2014 - 6:51

النص الشعري القديم: قضايا وإشكالات(الحلقة الرابعة)

في الحلقات السابقة طرحنا أسئلة إشكالية طالما أرقت النخبة المثقفة العربية القديمة في سياق تعاطيها مع القطب الفني ممثلا في الانتاجات النصية القديمة، بدءا من أسئلة اللغويين اللذين سعوا جاهدين إلى صياغة قواعد لغوية موحدة تستجيب لمتطلبات العلوم الدينية انطلاقا من تحديدهم للمتن المرجعي الذي من خلاله يمكن استخلاص النسق العام الشامل والتحديات إلي واجهتهم في هذا الصدد،مرورا بأسئلة الشعراء الجمالية اللذين حاولوا انتهاك المعايير الجمالية المتوارثة تاريخيا والمكرسة من طرف النقاد العرب القدامى(ابن قتيبة ت276ه،ابن طباطبا العلوي ت322ه،قدامة بن جعفر ت337 ه،الآمدي ت 370ه،والقاضي الجرجاني ت 392ه،والمرزوقي ت 421ه)،في مسعى حثيث لتثبيت أفق توقع واستعدادات نفسية ومعرفية مسبقة قبل تلقي الانتاجات الجمالية التخييلية،وصولا إلى أسئلة النقد البلاغي الذي « قنن » الكتابة الشعرية عبر بلورة مفهوم »عمود الشعر »أو « مذهب الأوائل »واعتباره معيارا فنيا للمفاضلة بين الشعراء والحكم عل مدى أصالة شعر المولدين أو عدوله الجمالي عن تلك القواعد التجريدية التي ترسخت في الأذهان رغبة منهم في تحقيق تأبيد وإدامة الخضوع لضغوطات المؤسسة الأدبية/ النقدية القائمة آنذاك، منعا للتفرد والخصوصية الإبداعية ،وإجهاضا للحق في الاختلاف والتنوع الثقافي،بل والحق في الحلم(الابتعاد عن الغرابة والانخراط في المألوف)من خلال ارتياد الشعر آفاقا إبداعية جديدة تروم تجاوز الأسئلة الشكلية للنقاد القدامى من قبيل(الشرف، والصحة، والجزالة، والاستقامة، والصدق، والشرف…)،فووجهت تجربة المحدثين الشعرية بأسئلة بديلة من قبيل،الغموض والإغراق، والتوعر، والبديع، والسرقات الشعرية. ومن هنا،تبلور الصراع بين أنصار القديم وأنصار الجديد، وتباينت مستويات التفاعل الجمالي إزاء النصوص الشعرية بين الطرفين إلى درجة الخصومات الأدبية حول بعض التجارب الشعرية(أبو تمام، وأبو نواس، والمتنبي)رغم هيمنة النزعة الوثوقية المطلقة على الأحكام النقدية الصادرة عن كل طرف.
على أننا في هذه الورقة التركيبية سنحاول طرح بعض القضايا الإشكالية من خلال ما يلي:
د-أسئلة النقد الحديث والمعاصر:
أدت « صدمة الحداثة »و »المثاقفة » مع الآخر الثقافي إلى تبلور وعي نقدي جديد لدى النقاد العرب خلال القرن العشرين، من منطلق بروز الحاجة إلى بدائل منهجية تعيد قراءة تاريخ الأدب العربي من منظور نقدي / منهجي جديد يروم القطع مع التصورات النقدية التقليدية.وفي هذا الصدد ،طفت على سطح الأبحاث النقدية آليات المنهج التاريخي الذي كان استجابة تاريخية لظروف موضوعية أملتها حاجة العرب إلى مادة معرفية ومقررات تعليمية لناشئة الأدب دفاعا عن الهوية القومية بين مختلف الأمم الراقية1،مستثمرين الآليات المنهجية للمستشرقين في التأريخ للأدب العربي من خلال المقابلة بين التاريخ الخاص(الأدب أو الجزئي)والتاريخ العام(المؤثرات الخارجية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية،والفكرية، والبيئية)2 ،وتحديد مختلف الأسباب الكامنة وراء الوقائع الأدبية.ومن هنا،طرحت أسئلة جوهرية من قبيل:علاقة الأدب بالبيئة،المؤثرات العامة في علاقتها بنفسية المبدع وأعماله،الصدق الفني لدى المبدع ومدى تكلفه،ومدى صحة نسبة النصوص إلى مؤلفيها…والحصيلة، الانفتاح على أسئلة تاريخية ونفسية واجتماعية غير مطروقة لدى النقاد العرب القدامى،وانحسار أسئلة النقد البلاغي خلال عصر النهضة مع رواد مدرسة الإحياء(محمود سامي البارودي،حافظ إبراهيم،وأحمد شوقي)،على أن الإبدال المنهجي المتميز الذي عرفه تاريخ الأدب تشكل مع تبلور وتطور الدراسات اللسانية التي حاولت تجاوز النزعة الوثوقية التي رسخها رواد المنهج التاريخي، وطرح أسئلة منهجية بديلة من قبيل: »الأدبية(أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا)،ودراسة الكل في علاقته بمختلف أجزائه.
ولئن أسهمت الدراسات النقدية المحايثة في تطوير النظرية الأدبية،إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عن الإجابة عن بعض الأسئلة المنهجية من قبيل:لماذا يكون الإقبال على نمط من النصوص بوصفها أدبية في مرحلة معينة وإهمالها في مراحل أخرى بدعوى افتقارها للخصوصيات الأدبية؟ما السر في استمرار تلقي مدونة من النصوص وانقطاع تلقي نصوص أخرى؟كيف نعلل التغيرات التي تطرأ على البنية الذهنية للقارئ لحظة اندماجه بإنتاج نصي معين؟
ونتيجة هذا المخاض، تبلور إبدال منهجي جديد يحتفي بالقارئ(جمالية التلقي) على اعتبار أن الدلالة الأدبية (أو الدلالات بصيغة الجمع)لا تكمن في الإنتاج النصي ولا في البنية الذهنية للمتلقي، ولكن في لحظة تفاعلهما أو الاندماج الظرفي بينهما ب،كل ما يعنيه ذلك من تجاوز للبناء المنطقي الصارم للنزعة الوثوقية والإقرار،بالمقابل، بمبدأ التفاعل و النسبية في مجال القراءة من خلال تعدد القراءات والتأويلات كل حسب أفقه التاريخي والثقافي والاجتماعي.

الهوامش:
1-حسين الواد،في تاريخ الأدب مفاهيم ومناهج،المؤسسة العربية للدراسات والنشر والتوزيع ،بيروت،ط2،1993،ص:109وما بعدها.
2-من أبرز هؤلاء النقاد نذكر، سانت بوف، وبرونوتيير، وطين.راجع في هذا المقام: »تجديد ذكرى أبي العلاء » للدكتور طه حسين،دار المعارف بمصر،ط7،1968،ص:21 -36،و72- 103

عبد المجيد علوي اسماعيلي

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.