للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : jeudi 15 décembre 2016 - 8:38

قصائد شعراء أمازيغ قدامى .. كسب للعيش ومرآة للواقع

ميمون أم العيد
هيسبريس

في إحدى قصائده التي غناها حول الانتخابات بمنطقة ورزازات وتنغير، قال الشيخ زايد أوبجنا، الشاعر الذي توفي قبل ثلاث سنوات عن عمر يناهز 85 سنة، إنه « مستعد أن يتخاصم مع النبي مادام صديقا لأحد مُنتخبي المنطقة ».

ترجمة الشعر مغامرة محفوفة بالمخاطر، قد يكون الأمر دون جدوى « كقُبلة خلف الزجاج »، كما قال درويش، لكن الشاعر أضاف، في القصيدة نفسها، ما معناه أنه مستعد أن يدلي بـ »شهادة زور » دفاعا عن صداقته بذلك الشخص الغني الذي يعتبر من قدماء المنتخبين بمنطقة ورزازات، والذي ذكر اسمه في تلك الأغنية.

الشيخ زايد، الشاعر الذي لا يستطيع أحد أن ينكر فصاحته وتمكنه من الأساليب الشعرية بالأمازيغية، لديه قصائد شهيرة عديدة عن الصحراء المغربية وعن الوطنية، وعن تغير الأزمنة وصراع الأجيال، وغير ذلك من الأشعار والحكم التي اشتهر بها بالجنوب الشرقي لعقود طويلة.

عُرِفَ عنه ترحاله الكبير، وتنقله من مدشر إلى آخر للغناء في الحفلات الخاصة التي ينظمها الأعيان والميسورون، ثم إصدار أشرطة بعد ذلك تتضمن تلك الرحلات التي قام بها، والدواوير التي زارها، والأشخاص الذين التقاهم، والأخبار التي صادفت وجوده بتلك المناطق، وفيها مدح كبير للأشخاص الذين أكرموا نزله، وهجاء يصل أحيانا إلى الشتم والطعن في العرض للأشخاص الذين تجاهلوه.

ويسوق الناس طريفة مفادها أن شخصا سمع في أحد الأسواق أغنية للشيخ زايد أوبجنا، وهو يتحدث عن إحدى القرى بالجنوب الشرقي؛ إذ يصف أهلها بالبخلاء والعاجزين عن إطعام المارة وعابري السبيل، ساخرا من كبير القرية. فقام الشخص الذي أخذته الغيرة على قريته بشراء جميع الأشرطة التي يتوفر عليها البائع المتجول وإتلافها، درءًا « للفضيحة »، حتى لا يحفظ الناس تلك القصيدة وتتناقلها ألسن السوء بالتواتر جيلا عن جيل.

إلا أنه صدم عندما عاد في الأسبوع المقبل للتسوق، فسمع عبارات الشيخ الساخر، عبر مكبر الصوت، ما تزال تصدح في أركان السوق الأسبوعي وتصفهم بعديمي المروءة والبخلاء والشحيحين. لا لجُرم اقترفوه لكن فقط لأن شاعرا سليط اللسان قصد قريتهم ذات مساء، فقضى ليلة طويلة في مسجد الدوار دون أن يدعوه أحدهم ليبيت ليلته عنده، ويُكرمه بعشاء فاخر وفراش وثير.

ليس وحده المرحوم الشيخ زايد من احترف هذا العمل في فترة طويلة من حياته، وهو الذي أنشد أولى قصائده منذ 1942، إلى درجة أصبح فيها شخصا ذا نفوذ رمزي، يهابه الميسورون، فيتسابقون لإكرامه ولإعطائه من أموالهم ليتقوا سيف كلماته وأوصافه التي تصدح عند باعة الأشرطة الغنائية في الأسواق الأسبوعية.

أوهاشم بوعزامة

في إحدى أغاني الشيخ حماد أوهاشم بوعزامة، تعود إلى سنة 1972، بدأ الشاعر الشهير بالجنوب الشرقي بهجاء مجموعة من الأشخاص، سماهم بأسمائهم، أغلبهم ما يزال حيا يُرزق. تحدث عن مكان إقامتهم، ووصفهم بـ »اللصوص » و »الغدّارين » و »اليهود »، بل طالب « بقتلهم حتى لا يتكاثروا ».

في الأغنية نفسها يصف الشاعر احماد أوهاشم القائد والعامل و »الممتاز » بأجمل النعوت، ناعتا إياهم برجال المعقول والنزاهة والاستقامة.

« لم تكن لدي أي عداوة شخصية مع هؤلاء الأشخاص »، يقول الشيخ بوعزامة في حديثه لهسبريس، وهو يعود بذاكرته إلى ما يزيد عن أربعة عقود، مؤكدا أنه نسي تماما هذه القصائد، وتخلص منها كالأشياء غير المفيدة، إلا أنه لم ينس حيثيات نظمها وغنائها، يقول: « لقد كنا ننقل الأحداث عبر أغانينا، مثل الصحافيين هذه الأيام، والقصيدة عندما غنيتها كنت في بومالن دادس، طلب مني القائد في تلك الفترة أن أغني عن بعض اللصوص، وأعطاني أسماءهم، فقمت بذلك ».

ويزيد الشيخ في حديثه: « ذكرتهم بأسمائهم وألقابهم التي يعرفون بها عند المخزن، والطريف أن أحدهم من أصدقائي، لكنني لم أكن أعرف كنيته، حتى جاء إليّ بعد خروجه من السجن، ليسألني عن هذه القصيدة، وأخبرته عن حسن نيتي، واعتذرت له، لأنه صديق عزيز وأنا ذكرته دون أن أعرف أنه هو المقصود ».

ودفاعا عن نفسه من تهمة التكسب من الشعر في تلك الفترة، قال الشيخ أحمد بوعزامة: « لقد كنت أنقل الأحداث والوقائع، لا آخذ رشوة من أحد، وقد ساهمت أشعاري في حل عدد كبير من المعضلات، ومنها أن إحدى قصائدي التي غنيتها سنة 1982، تسببت في سجن مجموعة من المتهمين باختلاس أموال خيرية في إحدى الاعداديات بتنجداد، ما أن أصدرتُ الأغنية التي أصف فيها أحوال التلاميذ الجوعى، والأموال المختلسة حتى بادرت السلطات إلى فتح تحقيق واعتقال المتورطين الذين التهموا أموال التلاميذ بالباطل ».

شكاية بالسب والقذف

ومن القصائد التي جرّت على هذا الشاعر بعض المتاعب؛ إذ تقدم شخص بشكاية لدى وكيل الملك يتهمه فيها بالقذف والسب، قصيدة « تمديازت » التي يصف فيها أحداثا تعود إلى بداية الثمانينات.

في أحد الأيام، كان الشيخ أحمد أوهاشم بوعزامة الذي ولد سنة 1946، يقف قرب الطريق، وبدأ يلوح بيده لأحد المهاجرين المقيمين بفرنسا الذي مر بسيارته، إلا أن الرجل لم يتوقف ليُقِلَّ هذا الشاعر ذائع الصيت نحو وجهته، فاعتبرَ ذلك إهانة كبيرة له، وقام بتسجيل أغنية تم إطلاقها في الأسواق الأسبوعية لشرائها من طرف عشاق هذا المغني، يصف فيها ذلك المهاجر بأقبح النعوت، بل تجاوز ذلك إلى الحديث عن عائلته وعمله وسرد بعض أسراره العائلية.

تعليقا منه على هذا الأمر، أوضح بوعزامة أن « وكيل الملك لم يأخذ تلك الشكاية مأخذ الجد؛ إذ أوضح للمشتكي أن إمديازن ينقلون الأحداث وما يشاهدونه بأشعارهم وأغانيهم. فقمت بعدما تأكدت أنني ظلمته بغناء قصيدة أخرى أعتذر فيها لذلك الشخص وأمدحه وتم طي الموضوع ».

لم يعد لهؤلاء الشعراء الآن أي تأثير، قد يكون تم تعويض عملهم بما تقوم به بعض الجرائد الإلكترونية المحلية، بمدح الذي يدفع أكثر، وخوض حروب بالنيابة عن الأشخاص الميسورين والمنتخبين من السياسيين النافذين، إلا أن الناس ما يزالون يصادفون، بين الفينة والأخرى، رجالا بهندام تقليدي، يقصدون في الغالب كل من يرتدي هنداما أنيقا، ويطلبون منه مالا مقابل أن يغنوا له شيئا، قد لا يعنيه نهائيا، أو أبياتا سبق أن غنوها لعشرات الأشخاص قبله.

كجوت: إمديازن يؤرخون للأحداث وينشرونها

يقسم الباحث حسن كجوت هؤلاء الشعراء إلى نوعين؛ شعراء مستقرون، وآخرون متنقلون. فالمستقرون، بحسب كجوت، الباحث في الثقافة الأمازيغية، « ينسجون أشعارهم في أماكن إقامتهم دون أن يتخذوا من ذلك حرفة للتكسب والرزق، كمحمد بولجيهل في بني علي بزاكورة، ولحوساين أيت سعيد بزاكورة، وموح اومبارك بتاكونيت، وداود ألمشي بتنغير ».

أما المتنقلون « فيزورون القرى والأسواق بحثا عن جمهور، مثل مولاي حماد اوطاهر، والشيخ أوبجنا زايد، ولوسيور، والشيخ يوسف، وعسو إقلي، وإمحلي، وحمو خلا وغيرهم ».

ويزيد كوجوت موضحا أن هؤلاء الشعراء كانوا في البداية « ينظمون لأنفسهم سهرات فنية في القرى في الهواء الطلق، غالبا في أماكن تسمى إمِي نْ إغرم، أو إنرارن، المكان الذي تحج إليه ساكنة القرية، رجالا ونساءً شبابا وشيبا. كان المقابل في الأزمنة القديمة عبارة عن مواد غذائية: التمر، الدقيق، واللباس، ثم أصبح مقابل الفرجة هو النقود منذ بداية القرن العشرين ».

وبخصوص تكَسُّب هؤلاء الشعراء القدامى من شعرهم، أورد حسن كوجوت، الذي يحضر لكتاب عن الشيخ زايد أوبجنا، أن « فيهم من يقتات من قصائده، لكنهم ساهموا في تأريخ الأحداث والوقائع والشخصيات المهمة في حقبة ما عرفها المغرب وكل مداشر وقرى الجنوب الشرقي، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، سياسية كالنزاعات التي تحصل في أيام الانتخابات مثلا، أو اقتصادية كالفقر أو غلاء المعيشة، أو طبيعية كالفيضانات أو الجفاف، أو مجتمعية كالإجرام والسرقة والقتل. فأشعار هذا الشاعر حاملة بثقافة وتاريخ المناطق التي يزورها، له أصدقاؤه في كل قرية بالجنوب الشرقي ».

واستطرد: « الواقع هو الذي فرض على الشعراء هذه الثقافة، ففن تمديازت جعلوه مهنة يبحثون من خلاله عن أرزاقهم، فهم في زمنهم بمثابة إذاعة وتلفزة يستمتع بها المتلقي في الهواء الطلق مقابل مساهمات يمنحها لهم الجمهور، يمكن أن نشبههم هنا بالفنانين الذين يبيعون اسطواناتهم وأشرطتهم في الأسواق، أو المغنيين الذين يشاركون في السهرات التي تنظم من طرف قنوات تلفزية أو إذاعات أو في مهرجانات تنظمها منظمات أو جمعيات، هؤلاء إمذيازن لم تتح لهم فرصة ليستفيدوا من مهرجانات تنظم بأموال عمومية والاستفادة والظهور في إعلامهم »، يقول الباحث في الثقافة الأمازيغية حسن كوجوت.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.