للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : jeudi 15 juin 2017 - 7:42

السلطة والمجتمع في الأطلس الكبير الأوسط، حسب روني أولوج في كتابه: « أولائك القاطنون بالأودية العليا ».

الاستاذ محمد حمام – أستاذ جامعي – الرباط.
في سنة 1976، صدر بمراكش للكاتب والروائي الفرنسي المتمزغ روني أولوج كتاب قيم، بعنوان : »أولئك القاطنون بالأودية العليا ». وفي المائتين وثمان صفحة المكونة للكتاب، يتناول المؤلف بأسلوب روائي قوي، طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والمجتمع خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين للميلاد في الاطلس الكبير الأوسط. إلا أن الكتاب، وخلافا لعنوانه المركز على الأدوية، العليا، يغطي مجالا جغرافيا واسعا يمتد من مشارف إيغيل نومكَون شرقا، إلى أعالي تارودانت غربا، ومن جبل سيروا جنوبا، إلى دمنات شمالا، مرورا بورزازت وتيزي نتيشكا. وعموما، يتميز هذا المجال، بوعورة تضاريسه ومسالكه، لغلبة الكتلة الجبلية عليه. كما أن مناخه قاري: حار صيفا، وقارس شتاءاً. غطاء نباته غابوي متنوع، كما وحيشه . كانت تعيش به في الماضي، حيوانات مفترسة، كالأسد والنمر والفهد وغيرها. تتخلله هنا وهناك، أماكن للرعي. أما سكانه فكانوا يزاوجون بين الزراعة والرعي، وإن بدرجات متفاوتة، حسب ما تسمح به التضاريس. بعضهم الآخر، يزاول التجارة ويقوم بخفارة القوافل التجارية الرابطة بين درعة ومراكش، من جهة أخرى. تناثرت مساكنهم بين أعالي وأسافل الأودية العميقة المخترقة لهذه السلسلة ذات أعراف عالية، يتجاوز علوها أربعة آلاف متر، تكسوها ثلوج كثيفة في الشتاء، مما كان يؤدي إلى انسداد الممرات الجبلية، وجعلها صعبة الاجتياز، ويؤدي بالتالي إلى عزلة قاطني الأودية العليا، ويزيد من معاناتهم في التموين، كلما حل فصل الأمطار والثلوج. مجموعات منهم تسكن إغرمان( القصور)، ومجموعات أخرى تسكن تيغرماتين (قصبات منعزلة)، ومجموعات ثالثة تتخذ إقضان ( الخيام) مسكنا لها. وهذه المجموعات البشرية المختلفة اقتصاديا واجتماعيا، كانت تنتمي إلى اتحاديتين قبيلتين أمازيغيتين كبيرتين، كانتا منتشرتين بهذا المجال هما: صنهاجة القبلة (امكَون وأيت دادس وأيت تدغت)، وهسكورة القبلة جنوبا وغربا وشمالا (إيمغران، إيكَليوا وإينولتان وايت واوزكيت، وانضافت إليهما في القرون الأخيرة اتحاديتا أيت سدرات( زناتة) وأيت عطا في ظروف تاريخية غير واضحة، لا تزال في حاجة إلى دراسة وتمحيص.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يرسم بشكل روائي، عناصر السلطة والمجتمع وتفاعلاتها في سفح الأطلس الكبير الأوسط، عبر صور تاريخية لنماذج من الزعامات المحلية المتنافسة على حكم المنطقة في نهاية القرن التاسع عشر وخلال الثلث الأول من القرن العشرين، فترة التوغل الاستعمار الفرنسي. وقد عمد روني أو لوج على إظهار مجتمعات الأطلس الكبير، على أنها مجتمعات كان يسودها العنف، وأن القائمين على أمورها من أعيان وشيوخ وقادة كان همهم الوحيد، هو امتلاك السلطة للتحكم في البلاد والعباد. والحفاظ عليها بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة. لكنه نسي أو تناسى أن العنف الممارس من قبل فرنسا على المغاربة باجمعهم، بكل أشكاله كان اشد وانكى. وللتضليل، وفي تضاد لهذه الصورة النمطية للعنف، يتحدث المؤلف من حين لآخر عن التطورات « الإيجابية »، التي أحدثتها فرنسا في عدة ميادين كالبنيات التحتية (شق الطرق العصرية) واستعمال السيارات والشاحنات، وفي ميدان المواصلات (استعمال التلفون)، والإنارة، وإدخال بعض الأدوات العصرية في الحياة اليومية كطحانة القهوة، وغيرها من الأدوات العصرية. أما على المستوى السياسي، فقد تم استتاب الأمن. إن إيراده لهذه الإنجازات ليس بريئا لأن الغرض منها، هو إقرار شرعية احتلال المغرب من قبل فرنسا وإسبانيا، وأن فرنسا – كما يدعى – احتلت المغرب، كي تقوم بتنظيم مجتمعه ذي الميول الفوضوية وذي الطبائع اللانسانية. وعلى خلاف ذلك، فالمجتمع الفرنسي هو مجتمع القيم الإنسانية والتمدن والنظام. وبالنسبة إليه، فقد شكل ذلك ذريعة كافية لإقرار شرعية الاحتلال وتبريره. ولذالك ففرنسا- حسب زعمه – جاءت ضمنيا برسالة مفادها، غرس تلك القيم والشيم الإنسانية في المجتمع المغربي المتخلف.
وبغض النظر عن التوجه الإيديولوجي للمؤلف، فإن كتابه لايخلو من معلومات مفيدة بالنسبة لبعض الأحداث المحلية التي قد لا ترد في المصادر المكتوبة، ولا تتحدث عنها الذاكرة الشفوية المتداولة. كما أنه يتضمن معلومات اجتماعية وإثنوغرافية نادرة، عن بعض مناطق الأطلس الكبير، والتي يتم الحديث عنها لأول مرة. ويضاف إلى ذلك، تسجيله لبعض التعابير والمصطلحات الأمازيغية المستعملة في الأماكن التي يصفها.
ومتباينة شكلا ومضمونا، هي الصور العشر، التي يقدم فيها روني أولوج، نماذج عن مجتمعات الأودية العليا في الأطلس الكبير والأطلس الصغير (جبل سيروا) وعلاقاتها مع السلطة وأصحابها على اختلاف درجاتهم من قائد وشيخ ومقدم، وحتى أعوانهم الذين لا يتورعون بدورهم في ممارسة التعسف على السكان – كلما سنحت لهم الفرصة- بعيداً عن أعين أسيادهم. وتعود الأحداث والعناصر المتفاعلة في هذه الصور إلى السنوات الأخيرة من الثلث الأول من القرن العشرين ( ما بين سنة 1927 وسنة 1930): أربع منها ترجع وقائعها إلى سنة 1927، واثنتان إلى سنة 1928، واثنتان أخريان إلى السنة الموالية، بينما تعود وقائع صورتين أخريين إلى سنة 1930. إن ما يضفي المصداقية على المعطيات التاريخية والاجتماعية التي يتضمنها الكتاب- رغم توجهه الاستعماري السالف الذكر- هو أن روني أولوج، استقهاها من الميدان، وكان معاصرا للأحداث السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة أثناء تقدم القوات الفرنسية بها، في إطار ما سمي آنذاك بسياسة « التهدئة » la pacification))، التي قوامها تجنب استعمال القوة لإخضاع القبائل المغربية، كلما أمكن ذلك، وألا يلجأ إليها، إلا إذا كان ذلك ضروريا. ولفهم هذه النصوص والتعمق فيها، لا مناص من التعرف على صاحبها.
يعد روني أولوج من كبار أدباء الأدب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب (2). ولد سنة 1902 بمنطقة جورا (le Jura) بفرنسا. تخرج من المدرسة العليا للأستاذة. درس اللغات العربية والروسية والأمازيغية بمعهد اللغات الشرقية بباريس. كان له أيضا، إلمام بلغات أوروبية أخرى، كالألمانية والإنجليزية والأيطالية. زار اليونان قبل استقراره في ألمانيا. وبعدها انتقل إلى المغرب سنة 1920. وفي سنة 1923 أصبح مدرسا بدمنات، أكبر تجمع حضري في الأطلس الكبير الأوسط، شرقي مدينة مراكش. وعمله هذا بدمنات، مكنه من مواكبة كل المستجدات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة من حين لآخر، غداة توغل القوات الفرنسية فيها (4). وقد مكنه ذلك أيضا من التنقل المستمر بين شعاب ووهاد وقنن الأطلس الكبير، والتعرف على جغرافية ومناخه وسكانه ( مستقرين وغير مستقرين)، الذين تقاسم معهم حياتهم البسيطة في عفويتها وتعقيداتها وآدابها وطقوسها، مسجلا قصصهم الفردية والجماعية، وعاداتهم وأعرافهم وأسرارهم الدرامية.
هذا، وإلى جانب كونه صحافيا ومدرسا، كان روني أولوج شاعرا متميزا، تفتقت شاعريته، بحيث أخذ منذ سنة 1929، ينشر أبياتا شعرية في مجلة « الأرض المغربية » (La terre marocaine)، التي تحولت إلى مجلة شهرية تحمل اسم « الحياة المغربية المصورة(5)(la vie marocaine illustrée). ومنذ ذلك التاريخ إلى سنة 1938، ما فتيء يساهم فيها بأشعار مؤثرة، تصف مشاهدات اجتماعية متنوعة وحضارات مندثرة. ونشر كل ما جمعه عن المغرب في كتاب سماه « قصص الحياة المغربية » (6) (contes de la vie marocaine). وهي – كما يدل عليها العنوان – حكايات عن مظاهر شتى عن الحياة الاجتماعية والثقافية المغربية، أغناها بصور معبرة، التقطها أثناء مشاهداته في الأسواق والغابات وخيام الرحل وغيرها من الأماكن العامة، واصفا إياها بأسلوب مكثف قوي. ويتعلق الأمر بفئات اجتماعية مختلفة: أعيان جائرون أو مفلسون، وآخرون أفسدتهم الحياة الحضرية الحديثة، ونساء حقودات تملكتهن الغيرة المفرطة، وأخريات خفيفات السلوك، وساحرات وسحرة ومشعوذة مخادعون، وعبيد مخلصون، ورعاة لا مبالون، وشبان مبذرون ممن سحرتهم أضواء المدن، وحجاج سذج، ومرابطون مقدسون، ينتحلون صفة القضاة، وصعاليك متوحشون. وكل هذه الفئات الاجتماعية تتقاطع خيوط أقدارها وحيواتها في مغامرات مختلفة، دون أن تسقط الكاتب نفسه في الإثارة. إنها حقا صور إثنوغرافية جديرة اليوم أن تلتفت إليها أنظار الباحثين، لدراستها واستكناه، وفهم مضامينها التاريخية والثقافية. ومن المعروف أن روني أولوج كان لديه حب شديد لجبال الأطلس المغربية، كما كانت تستهويه الفضاءات الصحراوية الشاسعة، ولذلك قام في الفترة ما بين 1930 و1932، بجولة في موريطانيا، تارة مشيا على قدميه، وتارة أخرى على ظهر جمل.
انزوى روني أولوج في مدينة مراكش بعد حصوله على التقاعد. فقد بصره في السبعين من عمره. وبمساعدة زوجته اعتكف على ترجمة أشعار تساوت للشاعرة الإيقونة الأمازيغية مريريدا نايت عتيق(7). وتوفي بنفس المدينة في سنة 1990، تاركا وراءه أدبا كولونياليا زاخراً في حاجة إلى من يدرسه اليوم بنظره رصينة وموضوعية لإظهار مكامن قوته وضعفه، وكذا تناقضاته الصارخة.
وجدير بالملاحة، أن ظاهرة العنف تكاد تكون طاغية على جميع المشاهد المعروضة في هذا الكتاب. غير أن العنف هنا له مصدران : الطبيعة والإنسان. فعنف الطبيعة الذي يتحدث عنه روني أولوج يتمثل في الطبيعة الجبلية للمنطقة، المتسمة بوعورة تضاريسها ومسالكها، وبقساوة مناخها، وبقلة مواردها وصعوبة التنقل عبرها. لكنه يؤكد، أن منطقة الأطلس الكبير بقدر ما هي صعبة، ومعنفة للإنسان، بقدر ما هي قادرة على صنع صناديد الرجال وأشداءهم. فالطبيعة القاسية تعلم السكان التأقلم معها والصبر، وتشحذ عزائهم لمكابدة المشاق وتحملها، مهما كانت الظروف. كما أنها تجعلهم متضامنين، كأسنان المشط في وقت الشدائد رغم تناقضات حيواتهم، معتبرا أن المعاناة هي مصدر الإلهام والقوة والذكاء والشموخ. وخير نموذج لذلك، ما جرى لأسرة من أوزيغمت بإغيل نومكَون، مع أحد شبانها ذي العشرين ربيعا. ومن تجربة هذا الشاب اليافع، القوي في الصّمود والذكاء، استوحى روني أولوج عنوان كتابه « أولئك الذين يقطنون الأودية العليا »، الذي نحن بصدد عرض محتواه.
أما العنف الصادر عن الإنسان فتتجلى مظاهره المتعددة، في التعسفات المجحفة الممارسة على سكان الأطلس الكبير الأوسط، من طرف من كانت بأيديهم السلطة. فهؤلاء كانوا لا يضعون حدودا لسلطتهم التي كانوا يستغلونها، للوصول إلى أهدافهم الدنيئة، الرامية إلى إخضاع الناس، عن طريق إجبارهم على أداء الإتاوات، بمناسبة أو غير مناسبة، سعيا إلى إدامة حكمهم الجائر على الناس. وعدم وجود رادعين لولائك المتسلطين، فإن ذلك كان يزيد من غطرستهم وجشعهم، ويدفعهم بالتالي إلى اختلاق الذرائع، وتدبير المؤامرات، للإستيلاء على ممتلكات الغير من عقارات وغيرها. ولتحقيق مآربهم الخسيسة، كانوا يلجأون أحيانا أخرى إلى زرع الفتنة بين القبائل، للاقتتال فيما بينها، لتسهيل السيطرة عليها، والتحكم فيها، وإبقائها في حالة ضعف دائم. لكن هيهات أمور الناس لا تستقيم دائما على حال، فالجور والعنف لا يلبث أن يتولد عنهما رد فعل يكون هو الآخر أكثر شدة، ويؤدي بالتالي إلى هلاك من مارس العنف على الناس. ذلك كان حال بعض الشيوخ الجائرين، ويسرد الكتاب أمثلة منهم.وعلى النقيض من ذلك، أبرز الكتاب مثال الشيخ محمد أسردو، شيخ قبيلة إكَرنان، من أفخاذ إمغران، الذي استمات من أجل كرامته وكرامة قبيلته لرفضه الرضوخ لاستفزازت القائد حمو الكَلاوي الذي تحداه هو وخليفته سي بورحيم. وما كان من هذا الأخير، إلا أن نظم هجوما ليليا عليه، وقتله واستولى على ما كان بقصبته من أنعام وغال ونفيس. ولم تسلم دور أسكا، قريته هي الأخرى من السلب والنهب والغصب.
ومن القضايا الاجتماعية الأخرى البارزة كذلك في هذا الكتاب، قضية الهشاشة الاجتماعية التي هي أيضا نتاج عنف المجتمع والتسلط الذي كان يؤدي إلى التهميش. ومن تجلياته، ظاهرة الصعاليك واللصوص، الذين كان لا يصدر عنهم إلا العنف، حيث كانوا أداة طيعة في يد المتنفذين لتصفية حساباتهم مع خصومهم، أو مع من كانوا يعتبرونهم كذالك. وكانوا لا يتورعون في اعتراض سبيل المارة، وقطع الطرق، أمام المسافرين والتجار، لنهبهم وسلب أمتعتهم. وهؤلاء المغامرون كانوا يقدمون على كل شيء، من اختطاف الناس، وقتلهم، والنيل من أعراضهم تشفيا لأنفسهم.
ووردت في الكتاب أيضا مشاهد أخرى، تبين أن العنف يولد الانتقام واخذ الثأر من الغير، الذي قام بالأذى، نتيجة خذلان أو خيانة أو عدم الوفاء والإخلاص في الحب. وفي هذا الصدد، لا بد من التأكيد على قضية إنسانية واجتماعية أخرى حيوية، تظهر واضحة في هذا الكتاب. إنها قضية الحب في مجتمعات الأطلس الكبير، وكيفية تصور الناس له. فالعشق والحب لا يختص بهما إنسان دون غيره. فمشاعر الناس وأحاسيسهم بحاجة على من يحس بها ويتقاسمها معهم، ولذلك وجد الحب، وهو وحده الكفيل بتحقيق ذلك. وإذا كان الحب يؤدي إلى الألفة والمؤانسة، فإنه كان من الممكن أن تأتي منه مصائب ومآسي اجتماعية خصوصا إذا كان حبا أعمى. فالحب له ثمنه: استنزاف الثروة وتخدير العقل والقلب إن صح التعبير. ومن تبعات ذلك رد فعل عنيف من هذا الطرف أو ذلك، وتكون النهاية درامية.
وتحدث الكتاب عن قضية أخرى أساسية لها ارتباط وثيق بالذهنيات والمعتقدات القديمة في الأطلس الكبير والمغرب كله. إنها قضية السحر والشعوذة، غير أن السحر هو اعتقاد لا يختص به مجتمع دون غيره، وهو قديم قدم الإنسان نفسه. فالإنسان بطبعه الضعيف، كان يعتقد أن السحر قادر على فك مشاكله المستعصية التي قد تصيبه في كل وقت وحين. لذلك كان لا يجد حرجا في اللجوء إلى السحرة والمشعوذين ( رجالا ونساءاً) لطلب المساعدة، وإخراجه من مأزقه، وإبعاد الكربة عنه. فسكان الأطلس الكبير بدورهم- كغيرهم من الناس- كانوا يعتقدون أن السحرة والمشعوذين، هم أصحاب خوارق، بإمكانهم فك ألغاز. ما قد يحل بهم من مكاره، وإيجاد الحلول لإبعاد المصائب عنهم. وساد الاعتقاد أيضا، أن السحر قادر على إذلال الناس، وإخضاعهم لنزوات أناس آخرين. كما أن بإمكانه الإذاية والنيل من الناس وتدمير ثرواتهم وحيواتهم.
وأخيراً، لا بد من القول، بأن هناك قضايا أخرى سياسية واجتماعية، لا تقل أهمية عن القضايا التي سبق ذكرها، حاضرة بشكل أو بآخر في الكتاب، وترتبط بتطلعات الناس وطموحاتهم في تحقيق ذواتهم الفردية والجماعية، من خلال التمتع بالحرية والاستقلال. وكان سكان الأطلس الكبير يسترخصون، من أجل ذلك حياتهم وأموالهم، ولا يتوانون لحظة في التضامن فيما بينهم، كلما كان ذلك ضروريا، رغم تناقضاتهم.
وبصفة عامة، تبدو هذه المشاهد ومختلف القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية المرتبطة بها، متداخلة، وتشعر القاريء أن المؤلف كان معجبا بالمغرب العميق، واستطاع بأسلوب روائي قوي دقيق، ذي نفحة شعرية رائعة، من ترجمة الحياة الأصيلة لأمازيغ الأطلس الكبير الأوسط وما حوله، إلى درجة انصهاره فيها. وهكذا، فإن أصالتهم وشهامتهم تتغذيان باستمرار، من تجذرهم في الأرض، ومن قدرتهم على التكيف والتضامن من أجل التغلب على الإكراهات المتعلقة بوعورة جبلهم الشامخ. هذا الجبل الذي ما فتيء يربي فيهم شموخهم الذي ميزهم عبر تاريخهم الطويل.
1 – ابتدأ روني أولوج كتابه بالحديث عن سكان أوزيغمت في جبل أمكَون(8)، أعلى مكان في المجال الشاسع الذي يصفه. وقد اختار هذه المنطقة لما ترمز إليه من وعورة تضاريسها، وما يطرحه ذلك للسكان من صعوبات جمة ليس فقط في العيش، بل كذلك في التنقل والتموين، فكل ذلك، كان يتطلب منهم بذل مجهودات كبيرة للتغلب على قلة الموارد ومقاومة البرد الشديد، وكل أنواع القهر، والتأقلم مع ظروف هذه المرتفعات. وقد أبى الكاتب إلا أن تحمل هذه الصورة الأولى عنوان الكتاب نفسه، أي : « هؤلاء، قاطنو الأودية العليا ». ويتعلق الأمر هنا بالوصف الدقيق لنمط عيش أسرة أيت أكَامر، من سكان قرية أسوليل بمنطقة أوزيغمت، السالفة الذكر. كما لم يفته أن يصف المعاناة الشديدة التي كانت تتحملها هذه الأسرة وغيرها، في التنقل كلما حل فصل الشتاء، فصل تساقط الثلوج بكثافة في نفس المنطقة، وفي الأعراف المحيطة بها. ومن المعلوم أن هذه الجهات المعزولة، لا تتعامل في تجارتها المحدودة إلا مع أسواق بعيدة مثل أيت بوكَماز في الشمال الغربي، وقلعة أمكَونة وبومالن – دادس في الجنوب والجنوب الشرقي. ففي هذه الأسواق، كان السكان يبيعون الماشية والصوف والجلود والجوز، ومنها كانوا يتزودون بما هم في حاجة إليه من الحبوب والزيت والسكر والشاي والشمع. وهكذا، كانت أسرة أيت أكَامر- إسوة بغيرها – مضطرة، في كل مرة، للتوجه نحو هذه الجهة أو تلك، لاقتناء هذه الضروريات، تحسبا لفصل الشتاء القاهر.
وجاء وصف روني أولوج لهذه الأسرة دقيقا، مشيرا إلى أنها كانت تقطن بتغرمت (قصبة) تسمى أغفير. وهي ذات ثلاثة طوابق، في كل زاوية من زواياها الأربع برج خارجي. الطابق الأرضي مظلم، يأوي البهائم . أما الطابق الأول، فهو ذو عدة غرف ذات نوافذ . غير أن إحداها هي المجهزة ببعض الأثاث البسيط لاستقبال أفراد الأسرة، خصوصا في فصل البرد، وفيها كانوا يجتمعون باستمرار، إما للأكل الجماعي أو للتحلق حول نار التدفئة. ويبقى الطابقان الآخران مهجورين إلى انقضاء البرد، وبعد ذلك يشهدان الحركة من جديد.
كانت أسرة أيت أكَامر، كمثيلاتها، تعيش من الرعي والفلاحة. كان يدبر أمرها شيخ مسن، يحظى باحترام الجميع. وكان يتصرف كما يحلو له، في ممتلكاتها التي هي عبارة عن بعض الفدادين الضيقة الممتدة على جنبات الواد، وكذا ما يقارب اثنى عشر شجرة جوز، التي كثيراً ما تتضرر بسبب الصقيع، ينضاف إليها ما يناهز مائة رأس من الماشية (ما بين ماعز وضأن) وأربع بقرات وبغلتين. وهذا الرصيد المادي، جعل الأسرة تتبوأ مكانة محترمة تحسد عليها، وقد كونته، شيئا فشيئا، بعد كد وقساوة شديدة. وهو ملك مشترك مشاع بين أعضاء الأسرة كافة، وفق العدة السائدة لدى جبليي أوزيغمت.
وفي إحدى السنوات وقد أنهى أهل المنطقة جني محصول الذرة الخريفي، إذا بالثلوج تتساقط بكثافة، على حين غرة، وهم لم يحضروا بعد كل مدخرات ومستلزمات فصل الشتاء القارس. في هذه الظروف المفاجئة، قررت أسرة أيت أكَامر، على عجل، إرسال أحد شبانها، ممن توسمت فيه الرجولة، إلى سوق بومالن- دادس للتبضع هناك، واقنتاء بعض المواد كالسكر والشاي والزيت وغيرها، استعدادا للشتاء المبكر الذي أصبح على الأبواب. امتطى الشاب اليتيم الأبوين، بغلته وقد زوده جده بالنقود المطلوبة وببعض الجلود ليبيعها للرفع من ذلك المبلغ.
غير أنه لم يمض إلا وقت قصير على ذهاب الشاب إلى حيث أرسلته أسرته، حتى تغير الجو وتلبدت السماء، وأخذت الثلوج تتساقط بكثرة، من جديد. وكان ذلك مدعاة قلق بالنسبة لأسرته، مخافة أن يحق مكروه بالابن، لصعوبة التضاريس والمسالك، في مثل هذا الجو المضطرب جداً. وزاد قلق أهله عليه، خصوصاً بعد مرور ستة أيام، وهي المدة التي كانت تستغرقها الرحلة ذهابا وإيابا إلى ذلك السوق، ولم يظهر له أي أثر. وكان جزفهم عليه شديداُ إلى حدود اليأس، حينما مر بالمنطقة بعض مسافري أيت بوكَماز ممن تبضعوا في سوق بومالن – دادس. فساورهم الشك حول مصيره، وأخذوا في استقصاء أمره كل يوم. وهكذا، تمت المناداة على إحدى الساحرات المعروفة لاستكشاف اللغز المحير، لعهلها تعطيهم بصيص أمل في وجوده في مكان ما . وهو ما أوهمتهم به الساحرة، مدعية أنه كان ضيفا عند إحدى الاسر في سافلة الوادي. وحسب أوصاف تلك الأسرة، اعتقدت أسرة أيت أكَامر، أن الأمر يتعلق بأسرة صديقة وفرحوا لذلك فرحاَ شديداَ. لكن فرحهم لم يدم طويلا. ومرت أيام أخرى ولم يلتحق الولد بأسرته التي بلغ اليأس منها كل مبلغ. وبدأ أفراد الأسرة في تبادل الاتهامات حول من المسؤول عن إرساله بعيداً، وهو فتى عديم التجربة وغير مهيأ لمثل هذه المهة الشاقة. وكادت الأزمة أن تنال من تضامنهم وتعصف بتماسكهم، وتؤدي بالتالي إلى تفرقتهم وتشتيتهم. وبينما أخذ الظلام ذات مساء يلف تيغرمت أغفير، وفي هذا الجو المكهرب، إذا بطارق للباب. هرع الكل نازلا عبر الدرج الحالك لاستكشاف هويّة الطارق.
إنه الفتى المسافر. يالها من فرحة عارمة بعودته سالما غانما ! وتسارعوا إلى معانقته. وعلى الفور، لاحظ وجوههم الشاحبة، فاخذ يروي لهم ما وقع له أثناء رجوعه، حيث الثلوج التي بلغ سمكها قامة رجل، اضطرته إلى اللجوء إلى زريبة إسوكا، ومكث بها إحدى عشر يوما، معية بغلته التي لو لم يشتر لها الشعير الذي كانت تتغذى منه، لماتت بالبرد القاسي جداً. وهكذا، اتضح لأسرته أن ما كان ينتابها من توقعات مشؤومة مبالغ فيها وغير صحيحة. وتبين أيضاً أن فتى أيت أكَامر، أبان عن شجاعة نادرة وذكاء ثاقب، واستطاع أن يجابه المخاطر بمفرده،. ولذلك كان محط إعجاب سكان منطقة أوريغمت كلها رجالا ونساءاً، شيبا وشباباً، وأصبح بالنسبة إليهم قدوة. وذاع صيته في العالية كما في السافلة. وهناك من رشحه – رغم أن سنه لا يتجاوز عشرين سنة- ليكون عضواً في مجلس القبيلة ( لجماعت). لقد أصبح حديث الخاص والعام، وأثناء مروره بقرى و إغرمان المنطقة أو أثناء تبضعه بسوقي قلعة أمكَونة وبومالن- دادس سيلتفت إليه المتسوقون، ويقولون « إنه فتى أيت أكَامر، ومن لا يعرفه، هو الذي … فتى أولائك الذين يقطنون بالأودية العليا… إنهم الرجال ».
إنها قصة شباب مقدام برهن على  » أن كل شيء على الشباب يهون »، كلَّما تقوت العزائم، وأن الصعاب يتم تخطيها بالصبر والذكاء، وأن الشدائد هي التي تصنع صناديد الرجال الأقوياء.
2- وفي الصورة الثانية ينقلنا المؤلف غربا، بعيداً عن منطقة إيغيل-ن- مكَون إلى أرمكو، إحدى قرى منطقة تيفنوت الواقعة في جنوب – غرب تيزي- ن- تيشكا. وقد أبى روني أولج إلا أن يحمل هذا المشهد عنوان: » فتاة إيغيل نوغو »، لما خلقته هذه الفتاة من مشاكل لعشيقها ولعائلته من إفلاس وتذمر. وقد كادت هي الأخرى، أن تكون في مهب العاصفة لولا ألطاف الله، فنجت من موت محقق. ومفاد الموضوع، أن شابا مدللا من أبناء أسرة أيت إمدلان من قرية أرمكو السابقة، كان مغرما بفتاة تسمى تاونزا، وتسمى عند الناس  » فتاة إيغيل نوغو »، نسبة إلى قرية إيغيل نوغو، الواقعة بجبل أزغار، المطل على منطقة تاليوين ( شرق تارودانت). وغرام هذا الفتى بهذه الفتاة، كان وبالا على أسرته، ذلك أن تاونزا استغلت هيام الشاب لها، وأخذت في استنزافه، ومن ثمة استنزاف عائلته، لأن والده كان لا يرد له طلبا، وكان يعطف عليه عطفا شديداً مقارنة بإخوانه الآخرين. وبما أن الحب له ثمنه- كما يقال – فان ذلك أدى حتما بوالده إلى بيع ممتلكاته، تلبية لنزوات ابنه المغرم. وهكذا، انتهزها فرصة، أمغار (الشيخ) قرية أسراك للتفاوض مع والد الشاب، لاقتناء بعض الأملاك منه. وسرعان ما علم أخواه بالأمر، ورأوا أن ممتلكات عائلتهم مستنزفة وفي تقهقر خطير، فحاولوا ثني أخيهم للابتعاد عن محبوبته. إلا أن ذلك لم يجد نفعا. ولذلك فكروا في حيلة للتخلص منها. وأوكلوا هذه المهمة الدنيئة إلى أموشال، أحد الصعاليك المعروفين في المنطقة. لكن هذا الأخير، أخطأ الهدف في تنفيذ جريمته، وقام بخنق أختها المسماة فضيلة، بدلا منها.
إن فشل مشروع الأخوين التوأمين في التخلص من تاونزا، عشيقة أخيهما، زاد في تفاقم علاقتهما، وتطور الأمر إلى خصامات متتالية بينهم، وكان ذلك نذيراً باقتسام ما تبقى من إرث أسرة – إمدلان، وبدا لهم المستقبل سوداويا، وأن ماكان ينتظرهم هو الفقر وانحطاط عائلتهم.
3 – وتذهب بنا الصورة الثالثة إلى وادي أنفكو (10) إلى الشمال الغربي من تيزي – ن- تيشكا، وتحديداً إلى قريتي أيت كَايْسْ وإضَرْفَانْ: تقع الأولى على الضفة اليمنى لنفس الوادي، أما الثانية فتوجد في ضفته اليسرى. وفي سافلة هاتين القريتين، كانت توجد تيغرمت (قصبة) الشيخ ( أمغار) أضرضور، الذي وصفه روني أولوج، بأنه شيخ  » السيبة » مذكراً أنه في البداية تم انتخابه لسنة واحدة، من طرف إنفلاس (ممثلو القبيلة) طبقا لأعراف المنطقة، لكنه بانقضاء السنة، مدة انتدابه، ظل متشبثا بهذا التكليف لحاجة في نفس يعقوب، واستطاع بدسائسه أن يحظى مجدداً بتأييد القبيلة.
إلا أن الشيخ كانت له مؤاخذات على انفلاس القريتين، السيدين: موليد، أنفلوس أيت كَايس، وعبدو، أنفلوس أيت إضرفان، لكونهما اعترضا على تجديد شياخته. وحقد عليهما بسبب موقفهما منه. واتخذ ذلك ذريعة لخلق نزاع شديد بين القريتين حول ماء السقي للتدخل في شؤونهما، بغية التخلص من الانفلوسين العنيدين. وللوصول إلى هذا الهدف، استعمل الشيخ أمزال نومان، الشخص الساهر على أمور الساقية وتوزيع مائها عل القريتين. وبتنفيذه لخطة الشيخ الجهنمية، في إثارة الأحقاد والضغائن الدفينة، وتأجيج الصراع حول الماء الذي هو عصب الحياة، ساهم هذا الشخص، فيما آلت إليه الأمور من تأزم بين الطرفين، واحتد الوطيس مما سبب في مقتل بعض الأفراد من كلتي القريتين، ومن بينها الأنفلوسين موليد وعبدو السالفي الذكر. وهكذا، بتدبيره لهذه المؤامرة، وصل أمغار أضرضور إلى مراده، ولم يعد هناك من يستطيع مجابهته. وبمقتلهما بسط يده على أراضي ضفتي الوادي وأصبح بالتالي شريكا زراعيا لقريتي أيت كَايس وأيت إضرفان. إلا أنه بعد مضي عشر سنوات على هذا الحادث المأساوي، اتضحت المؤامرة وظهرت الحقيقة، ذات يوم، حينما كان أمزال نومان، موجوداً في دار نجل عبدو، الإنفلوس المقتول، حينها أصيب بوعكة صحية شديدة توفي على إثرها. وساعة احتضاره أقر للحاضرين بأن ما وقع، ما هو إلا مؤامرة دبرها الشيخ أضرضور للإيقاع بالأنفلوسين الضحيتين، والنيل من القريتين. ولم يمض إلا وقت قصير، حتى قام الجبليون باعتراض سبيل الشيخ، وقتلوه طعنا بالخناجر عند المجاز (أسكا) بين القريتين، وهو على ظهر بغلته الحمراء (تاوراست).
واحتفاءاً بتخلصهم من هذا الطاغية، قاموا بإيقاد النار، أو ما يسمونه « تيبوفتين »، تعبيرا على فرحتهم بعاشوراء، وبنهاية أمغار الجائر، ونسيان الضغائن المفتعلة بوادي أنفكَو الأخضر.
4 – ويتحدث روني أولوج في الصورة الرابعة عن الجور الذي مارسه أحد شيوخ تاساوت العليا على إحدى الأسر، التي صادر أملاكها، ظلما وعدوانا. وقد انتهت أطوار هذه المأساة بشكل درامي، في منطقة تيديلي الواقعة شمال ورزازات، على الطريق الرابطة بين تارودانت ودمنات عبر تيزي – نتيشكا (11).
كان من سوء حظ هذه الأسرة، أن أرضها الخصبة، كانت مجاورة لأرض قائد المنطقة، والذي كانت عينه ترنو إليها، لاسيما أن ساقية غزيرة المياه، كانت ترويها، وكان بها ما يربو عن ثلاثمائة شجرة زيتون، إضافة إلى ما كانت توفره من إمكانية رعي الماشية. وكان القائد يختلق الذرائع تلو الذرائع، لضم جزء منها. وهو ماكان يستجيب له مالكها في كل مرة، خوفا منه. غير أن جشع القائد لا حد له. وقام في الأخير بضمها كلها إلى أملاكه المجاورة. وهكذا، وجد صاحب هذه الأرض نفسه بين عشية وضحاها فقيراً. ولجأ إلى إحدى المطمورات ليتوارى عن الأنظار. وبعد وقت قصير توفي بسبب الظلم الذي أصابه، وشردت أسرته. وأدى ذلك بابنه المعروف بدماثة أخلاقه وتدينه، إلى أن يكون شريداً، تائها، وأصبح بالتالي من أكبر الصعاليك الذين عرفهم الأطلس الكبير الأوسط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العسرين. كان تالكوت، متزعما لعصابة إجرامية، كانت تعترض سبيل الفلاحين، وتقطع طريق المسافرين والتجار الذين كانوا يرتادون أسواق المنطقة. وكان قتل بعض رجال الوزير باحماد من طرف تلك العصابة سببا في نهاية أمرها، بحيث قبض على بعض عناصرها وتم القضاء عليهم.أما زعيمها تالكوت، فقد جرح أثناء مطاردته من طرف رجال القائد، الذين لم يظفروا به. و أثناء فراره احتمى لدى أحد الأشخاص، ظانا منه أن هذا الأخير سيحميه، كما تقتضي بذاك أعراف المنطقة، في مثل هذه الحالة. وقد سعد الحامي بهذا الصيد الثمين، وانتهز الفرصة، وسلم المغامر المجروح للقائد، مقابل مبلغ مالي كبير، كان سببا في اغتنائه، وبوأه مكانة اجتماعية معتبرة بين قومه، كما استولى على بندقية (بوشفر) الصعلوك، المعروفة بتزنيت، نسبة إلى مدينة تيزنيت التي كانت تصنع فيها آنذاك هذه البنادق. وهذه البندقية، رصعها صاحبها الصعلوك، بالعديد من القطع النقذية الفضية، التي كانت كل قطعة منها، ترمز إلى ضحية من ضحاياه. وإذا كان تالكوت قد لقي حتفه بأمر من القائد، فإن الشخص الذي سلمه، لقي حتفه هو الآخر على يد تالوكت، الذي أصبح أيضا صعلوكا يجوب الأطلس الكبير طولا وعرضاً.
وشاءت الأقدار، أن يلتقي حفيد صاحب الأرض المصادرة ضحيته، في ليلة باردة جدا في موقع نزالة تيدلي. وكما يدل عليه اسمه، كان هذا المكان محطة لنزول المسافرين والقوافل التجارية الرابطة بين الأطلس الصغير (سيروا) ودمنات مروراً بتيزي تيشكا. ووقتها كان به مأوى ( مقهى بسيط جدا)، كان على رأسه شخص، كان يقدم خدماته للمارين من هناك، وكان يساعده في ذلك، الصعلوك المفتول العضلات، ابن تالوكت. وفي تلك الليلة تعرف هذا الأخير على الشخص الذي كان سببا في مقتل والده، وذلك بإقدامه على تسليمه للقائد، وهو محمى لديه. وقد تأكد من هويته، خصوصا، وأنه كان حاملا لبندقية والده المرصعة المعروفة بتيزنيت. وزاد من حقده عليه، أن المعني بالأمر، كان لا يتوقف عن استفزازه وإهانته أمام مرأى ومسمع الحاضرين وقتها في المأوى، طالبا من مشغله طرده.
وما كان ذلك إلا ليقوي من عزيمته في التخلص منه، انتقاماً لوالده ولجده الذين كانا ضحيتي الجور والجشع والخيانة، التي كان يتعامل بها أهل السلطة، على اختلاف مستوياتهم، مع محكوميهم. ولما احتد النقاش بينهما، خرج الصعلوك إلى خارج المأوى موهماً من كانوا به أنه ذاهب إلى حيث لا رجعة. لكنه لم يبتعد كثيراً، وظل يترصد ضحيته إلى أن دخل إلى كوخ مجاور للمأوى، لينام فيه هو ونسوته وابنته اللواتي كن في مرافقته.وبعدما أدرك أن السبات نال منهم. دخل عليهم فجأة، وأيقظ ضحيته وضرب عنقه وخر صريعا، كما طعن زوجته، وأخذ ابنته زوجة له، رغم أنها كانت في عصمة ابن أحد الأعيان. كما استولى على بندقية والده، معتبراً أن هذه الليلة الباردة جدا التي انتقم فيها لوالده وجده، هي أجمل ليلة في حياته.
5 – وينتقل المؤلف إلى الحديث في الصورة الخامسة، عن اللصوصية التي كان يمارسها بعض عناصر إنفضواك (فطواكة) (12)، إحدى أهم قبائل إنولتان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اتخذ مثالا لذلك، ما كان يقوم به بعض سكان قرية تاسمسيت، من اعتراض سبيل القوافل التجارية المتجهة إلى سوق سيدي رحال أو التي كانت تعود منه. وكان يشارك هؤلاء اللصوص المغامرين، بعض وجهاء نفس المنطقة، كالمقدم والفقيه. فالأول، كان من المفروض، بصفته ممثلا للسلطة، أن يكون حريصا على أن يعم الأمن، وتحفظ سلامة الناس في أبدانهم وممتلكاتهم. تارة، كان يشارك في السرقة والنهب، وتارة أخرى كان متواطئا مع اللصوص. أما الفقيه الذي هو رمز الأخلاق والفضيلة التي ينبغي أن تسود بين الناس، ويساهم في إشاعتها بينهم، وفق التعاليم السماوية، إذ به كان لا يرى غضاضة في المشاركة والتواطىء مع المجرمين الذين كان بينهم أخوه، وكان يتزعمهم رجل مسن لا شفقة فيه ولا رحمة.ورغم أن شيخ المنطقة كان لهم بالمرصاد، وكان يعاقبهم، إلا أنهم كانوا دوما متربصين بالمارة،وتتاح لهم الفرصة في غفلة منه،ويقترفون إجرامهم.وهو ماوقع فعلا، عندما وقفوا أمام تجار كانوا ذاهبين إلى سوق سيدي رحال، على مستوى المكان المسمى بوعشيبة الذي منه كان يتم العبور من جبل أدواكر والدير. وهناك، ذات يوم، ترصدت العصابة عبور هذا المكان، من طرف قافلة كانت متجهة إلى سوق سيدي رحال. ولطمأنة أفراد القافلة للتمكن منهم، تقمص أحد اللصوص دور راعي البقر هناك، وأنه هو الآخر كان عابراً للمكان نفسه مع أبقاره الأربع. وبهذا الفعل تمكن المجرمون من تفريق القافلة، فريق واصل سيره، وفريق آخر أصبح بين مخالبهم. ولسوء حظ تاجر كان مرفوقا بابنته، أنه أوقعوا به وقتلوه، أما ابنته المراهقة الجميلة، فقد تم خطفها، وكانت موضع تنازع فيما بينهم ،حول من كانت في أحقيته. إلا أن نهايتها كانت مأساوية حيث جردوها من ملابسها لبيعها في أحد الأسواق، وتم رميها في مطمورة مهجورة، بعدما أغلقوا فتحتها بحجارة مفطحة. وحينها تذكر ذلك الشيخ اللص، إحدى مغامراته وبما فعله، ذات مرة، بعابر سبيل، كان راكباً على بغلته، حيث جرده من صرة نقوده المملوءة، تاركا إياه يتقطع ألماً، يتجرع الحسرات والزفرات، متسلقا جبل أوداكر الجاثم على المنطقة، قائلا: حصل ذلك في وقت جميل.
6- وفي الصورة السادسة ينقل المؤلف القارئ إلى مجال قبلي آخر كان مسرحا لمآسي أخرى، ويتعلق الأمر بالهجوم على شيخ قبيلة إكنضولن، أحد أفخاذ اتحادية إيمغران المنتشرة إلى الشمال الشرقي لمدينة ورزازات. كان شيخها محمد أسردو يقطن بقصبته في أسكا (13). ولما كان الأكَلاويون يوسعون سلطتهم ويخضعون القبائل تلو الأخرى في المنطقة، كان محمد أسردو مدعوما بقبيلته إيكنضولن، من الشيوخ القلائل، الذين رفضوا الدخول تحت طاعة القائد حمو الأكَلاوي الذي كان يطالبه بأداء الإتاوات، وخصوصا ضريبة الفرض. إلا أن محمد أسردو، رغم كل التهديدات التي تعرض لها لم يلن جانبه، معلنا انتفاضته عليه، مخالفا بذلك موقف شيوخ الأتحادية الآخرين، المعترفين بسلطة الأكَلاوي عليهم. وبادر هذا الأخير إلى الإتصال به لكي يغير موقفه، لكن كل محاولات سي بورحيم خليفتة، على إيمغران، باءت بالفشل. وهكذا، اضطر الخليفة، إلى تنظيم الهجوم عليه ومحاصرته ليلا، مسنوداً بمائتي مقاتل من فخذ أيت زغار الموالي له.(14). وأسفر الهجوم على مقتل الشيخ محمد أسردو، وقام الخليفة سي برحيم بمصادرة الدواب والأنعام، وكل ما كانت تحتويه قصبته من غال ونفيس. وانتهزها محاربوه فرصة، فعاتوا سلبا ونهبا وغصبا في دور قرية أسكا. وقدر عدد رؤوس الماشية التي تمت مصادرتها بألف وأربعمائة رأس: ثمانمائة رأس من النوع الجيد، تم انتقاؤها لفائدة القائد الأكَلاوي، وأخذت طريقها إلى تلوات مقر إقامته الشهيرة. أما الباقي أي ستمائة رأس، وزع على المشاركين في الهجوم، علما بأن أيت زغار حظوا بالنصيب الأكبرمنها. وقد أراد حمو الأكَلاوي، بهذه الحملة العنيفة، أن يرسل إشارة قوية إلى أيت زكري نومسكار (أيت تومرت وأيت حمد وأيت عفان) الذين لا يزالون إلى ذلك الحين، لم يصطفوا بعد من وراءه، ونفس الأمر يهم خرتموش، شيخ تاساوت العليا. وبعد هذا الهجوم العنيف ومقتل شيخهم، اعترف إكنضولن بالأمر الواقع، ودخلوا في صفوف القيادة الاكَلاوية التي تقوى عودها بدعم من قوات الاستعمار الفرنسي.
7- وإذا كانت أحداث المشاهد السابقة تعود في أغلبها إلى النصف الثاني من القرن لتاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين، فإن وقائع الصورة السابعة، ترجع – حسب المؤلف- إلى عهد المولى الرشيد العلوي أثناء حملته إلى سوس لإخضاع إيليغ، قاعدة السملاليين . وقد نجم عن ذلك توتر شديد في الأطلس الصغير، من واد نون جنوبا إلى زكَموزن شمالا، كما امتد إلى الأودية الشرقية في جبل سيروا (15).
وفي هذه الظروف السياسية والعسكرية المتوترة، أنهى محمد أويعقوب شيخ أيت إكَوت، إخضاع جيرانه أيت تازولت وايت معشان، بالقوة، و بانتصاره عليهم، ضمن لنفسه ولقبيلته مراقبة عيون أسيف معشان، وكذا رعي الماشية في أراضي العالية التي كانت تنتشر فيها نباتات الزعتر والخزامة والوزال.
ولتوطيد حكمه، وعلى غرار أقرانه من الشيوخ، فكر محمد أبو يعقوب في بناء حصن ( أكَادير)، في مكان استراتيجي يشرف على المنطقة (كَور)، يكون ملجأ له ولذويه، عندما يكون ذلك ضروريا. وبما أنه أراد له أن يكون ضخما، فقد وفر له إمكانيات مادية وبشرية هامة، مسخرا له كل أفراد قبيلته أيت إكَوت، إضافة إلى العديد من عمال البناء، القادمين من أماكن مختلفة، وصل عددهم إلى المائتين. وقبل الشروع في البناء، أقيمت الطقوس والحفلات المرعية، من ذبائح وغناء (أحواش) لمدة ثمانية أيام، وشاع بناء هذا الحصن الكبير، ووصل صداه إلى مناطق نائية مثل درعة ودادس وغيرها.
وبعدما تقدم بناء الحصن، أخذ بعض العمال في الاختفاء، شيئا فشيئا. وأصبح الأمر محيرا، خصوصا، حينما اختفى الشاب بيروك، أخ الشيخ. ولما عٌدَّ البناؤون تبين أن عدد المختفين بلغ أربعين فرداً، فانطلقت الأبحاث والتحريات في كل الإتجاهات، دون جدوى. وأصبح الناس في كل مكان، لايتحدثون إلا عن موضوع المختفين، وتقاطر على الشيخ محمد أويعقوب، العرافون والسحرة والمشعوذون، عارضين عليه خدماتهم ومعرفتهم لاستكشاف القضية وفك طلاسيمها. وحاول بعض المغرضين ربط اختفاء بيروك، أخ الشيخ بالأحقاد والضغائن الموجودة بيت قبيلة أيت إكَوت وعدوتيها قبيلتي أيت معشان وأيت تازولت، لتأليب الشيخ عليهم. لكن، ثبت أن التهمة زائفة وواهية، واتضحت الحقيقة، حينما أمر الشيخ بثقب فتحة في كل جهة من الجهات الأربع للسور، لاتخاذها أبوابا للحصن. وذهل العمال أمام ما وجدوه في كل فتحة من تلك الفتحات، إذ كان في كل واحدة منها جثمان مشوه، يرقد في السور. وهكذا، انطلقت التأويلات والأقاويل المتضاربة، وسارت التحريات الدقيقة من جديد، إلى أن تم الاهتداء إلى مغارة في مكان غير بعيد، وجدت بها ثياب وأسمال المختفين، كان يحتفظ بها هناك في انتظار بيعها في أماكن نائية. وأقام رجال الشيخ حراسة مشددة ليلا على المغارة لمعرفة من كان يتردد عليها. وفي جنح الظلام، حاول التسلل إليها الفاعلان كما كانا يفعلان، إلا إنهما لشدة احترازهما لم يلجأ إليها لسماعهما لحركة ما غير عادية حول المغارة، وأدركا أنهما كانا موضع تربص، ولا ذا بالفرار ولم يتم القبض عليهما، لكن تم التعرف على هويتهما. وتأكد أن الفاعلين المجرمين، هما بنائين حظيا بثقة وتقدير الشيخ :أحدهما من وادي درعة، والآخر من زاوية تنكرفا بأيت واوزكيت. وبينما كان أمغار محمد أو يعقوب يفكر في هدم سور الحصن لإخراج جميع الجثامين المدكوكة فيه للقيام بمراسيم الدفن الشرعية، نزلت أمطار طوفانية في إحدى الليالي، لم تعهدها المنطقة من قبل، نتجت عنها أضرار جسيمة في المباني والنباتات والحيوانات. وانتهزها إزناكَن فرصة للهجوم على خصومهم أيت إكَوت الذين أصبحوا لقمة سائغة في فمهم. وفي أعقاب ذلك لقي الشيخ محمد أويعقوب حتفه أثناء هروبه، إذ سقط منزلقا من أحد السطوح، فخر صريعا أمام باب قصبتة. وقد كان ذلك، بداية نهاية الحصن الغير المكتمل البناء، وكذا سوره المعروف  » بسور الميتين » (أي سور الموتى)، الذي أخذ، بمرور الوقت، يتهدم، وتظهر منه، بين الفينة والأخرى، عظام آدمية. لكنه بتوالي الأيام والسنين، يندثر كل شيء، وتتلاشى في ذاكرة الناس قضية ما كان يعرف  » بحائط الميتين (أي الموتى) ».
8- ومن جبل سيروا جنوبا، يأخذ روني أولوج القاريء إلى مدينة دمنات في الشمال الشرقي للأطلس الكبير الأوسط، وإلى قرية أيت أومغار القريبة، ليروي المصير الدرامي الذي وقع في ليلة واحدة لكل من كبير أسرة أيت أومغار، وللقائد الجيلالي بن علي أوحدو الدمناتي. (16).
كان سي ناصر نايت أومغار يملك ثلاثة أرباع أشجار الزيتون المغروسة بمضيق إيمي-ن- إفري المطل على مدينة دمنات. ولما تولى الجيلالي القيادة بعد وفاة أبيه، قام بمصادرة تلك الأرض عنوة. وهكذا، في رمشة عين، وجد سي ناصر نفسه فقيراً، واضطر إلى تطليق زوجاته لأنه لم يكن بقادر على الإنفاق عليها وهو الذي كان من علية القوم ووجهائهم. ولكي يستمر في الحياة خصوصا أنه ليس قادراً على العمل لكسب قوته، أخذ يبيع أثاث منزله إلى أن أتى على كل شيء. وتسبب له ذلك في مخاصمات شديدة مع الزوجة التي احتفظ بها.
وبقي فعل القائد الجيلالي غصة في صدره، وبمرور الأيام زاد سخطه وحنقه عليه، وازداد إحساسه بالظلم والإهانة، وشعر بالإحباط واليأس الشديدين، فأدى به ذلك إلى التفكير في قتله. وهو ما قام به في ليلة القدر. فبينما كان القائد يصلي بالمسجد وبجانبه بعض الشيوخ وحارسه، إحياءاً ليلة القدر، وجد سي ناصر الفرصة سانحة، واستمل سيفه وضرب به عنق القائد الذي سقط مدرجاً في دمائه(17). فذهل الصلون لما رأوا. وخرج القاتل من المسجد طالقا ساقيه للريح لينجو بنفسه، غير أن حارس القائد تعقبه في هروبه، وأدركه وانقض عليه وقتله، ولقي نفس مصير القائد في نفس الليلة. ولما كان ينغص الحياة على زوجته ولا يتوقف عن إهانتها أمام الملأ، دست له السم بمساعدة ساحرة، في طبق الكسكس المعد احتفاءاً بتلك الليلة المقدسة، وكان منتظرا أن يأكل منه بعد جوعه من المسجد بعد الانتهاء من الصلاة. وهكذا، قدر أن يموت بالحديد بدل السم.

9- أما أحداث الصورة ما قبل الأخيرة من الكتاب، فتهم قبيلة  » إكَرنان » أحد أفخاذ اتحادية قبيلة إمغران، التي ما انفك القائد الأكَلاوي وأعوانه يبتزونها، بسبب أو بغير سبب. وقد حدث في إحدى ليالي شهر نونبر من سنة 1928 أن حل بقرية لحوانت بعض مبعوثي القائد إلى مقدم القرية لحثه على تعبئة السكان من أجل القيام بما كان منتظرا منهم من إتاوات وسخرات وخدمات لفائدة نفس القائد (18).
وتكتسي قرية لحوانت أهمية استراتيجية كبرى لوقوعها في مضايق واد إزركَي. وهذا الموقع كما يدل عليه اسمه لحوانت ( الحوانيت)، كانت به دكاكين للتجارة، وملتقى التجار القادمين من درعة (عبر وارزازات) ودادس وتدغة في اتجاه دمنات وتلوات ومنها إلى مراكش. ولذلك كان محطة من محطات الوقوف بهذا الخط التجاري، وللحوانت دور سياسي كذلك، لوجود سكنى مقدم القبيلة بها.
باغت مبعوث القائد ورجاله المقدم ليلا في قصبته وانزعج لذلك، لا سيما أن ذلك المبعوث لم يفصح صراحة منذ البداية عن مراده من هذه الزيارة غير المرتقبة في جنح الليل، محاولا أثناء محادثته مع ذلك المبعوث أن يعرف ما الذي كان قد حدث بالمنطقة ولم يكن على علم به، وأخذ يضرب الأخماس في الأسداس وإلا سداس في الأخماس في مخيلته غير أن المبعوث لا تنتهي مراوغاته وتلميحاته بالتهديد للمقدم وقبيلته إن هم لم يرضخوا لطلبات القائد، فلن يلوموا إلا أنفسهم،آمرا إياه وأمر المبعوث بتعبئة جزء من قبيلته للقيام بالسخرات والخدمات في أراضي القائد، وبعضها الآخر في الأوراش التي فتحها الفرنسيون في بلدة ورزازات. وكان من سوء حظ المسافرون والتجار التي فتحها الفرنسيون في بلدة ورزازات. وكان من سوء حظ المسافرين والتجار القاصدين دمنات، أن تصادف توقفهم بلحوانت، وجود أعوان القائد بها، فانتهزها رئيسهم فرصة لابتزازهم، مصادرا دواب الذين لم يرضخوا لجشعه، وبعثها قصد استغلالها في بناء الطريق الجديدة المارة بورزازات. أما الذين أدوا له الغرامة فقد تركهم لمتابعة السير نحو الأماكن التي كانوا يقصدونها. ولحمل إكَرنان والتجار المارين بترايهم، ذكرَّهم نفس العون، بما كان قد حَلَّ بثلاثة عشر نفراً من أيت زكري المنتفضين ضد القائد الأكَلاوي الذي قتلهم ضربا بقصبة أكَلموس. كما ذكرهم بما حل بسكان تركَا نعضا، من قتل وتنكيل وهدم لمنازلهم بالمدفعية الثقيلة، حينما رفضوا الاستسلام للأكَلاوي والدخول تحت طاعته. ولما بدا لمقدم إكَرنان أن أعوان القائد حمو الأكَلاوي كشرا عن أنيابهم وسال لعابهم، حاول إرضاءهم ببعض الهدايا، بالمال. لكن دون جدوى. وكان رئيسهم متغرطسا، ولذلك فكر في التخلص منه، لكنه فشل. واعتبر العون ما أقدم عليه المقدم جرماً في حقه، واتخذ ذريعة ليزيد من ضغطه عليه وعلى عائلته، وإهانتهم. وأموده بزربية جميلة، وقام بمصادرة البغلة التي ركبها في الرجوع إلى تلوات، آخذاً معه قسراً إحدى بناتها الجميلة بدعوى أنها ستكون زوجة له، ويصبح بالتالي صهراً لهم.
10- وتروي الصورة الأخيرة من الكتاب، وقائع غرامية وملابستها الدرامية التي شهدتها بعض قرى أعالي واد الزات، قريبا من منابعه.(19) ومفاد ذلك، أن شبابا من إحدى تلك القرى، وقع في غرام بنت صاحب القصبة المنعزلة، المعروفة بقصبة أيت أركًـ. وأخذ الشابان المغرمان يلتقيان في الحقول خلسة، واتفقا على الزواج. وتقدم الشاب لخطبة محبوبته. واستجاب له والدها، وسره ذلك، لا سيما أن هذا الشاب الذي سيصبح عما قريب صهره كان مقداما ومعروفا بشجاعته، ومولعا بصيد الأيل في غابة أرشديد وفي أكَدال نوفراح، وكان معروفا عنه أيضا أنه كان بقوم بخفر القوافل التجارية والمسافرين من بلاد القبلة ( الجنوب)، المارين هناك ذهابا وإيابا إلى مراكش. وكانت الخفارة تدر عليه دخلا ماديا مهماً، أكسبه وضعا اجتماعيا محترما في المنطقة، ولما تفاهم الطرفان على الزواج، تم الاتفاق على أن يتم الإحتفال بعد جني المحاصيل وفق تقاليد المنطقة. وهكذا، أخذ الخطيب في الإستعداد لذلك، وبينما كان غائبا عن المنطقة أثناء مرافقته لتجار من ترناتة متجهين إلى بلادهم بوادي درعة، انبرى ابن أخ أمغار (شيخ) عائلة أيت إرموك من قرية أدَسْلاَنْ وتزوج، على وجه السرعة، بالفتاة المخطوبة، علما أن غياب خطيبها حدو، لم يدم أكثر من شهر واحد. وبمجرد رجوع هذا الأخير من سفره، كان أول ما قام به هو استفسار الناس عن أحوال « أصهاره » وعن مخطوبته إزَّا.لكن هول الصدمة كان عليه شديداً ، لما علم أن محبوبته تلك، قد زفت منذ أسبوع تقريبا إلى الشاب علي نايت إرموك، ابن أخ الشيخ ( أمغار). وقام حدو باستقصاء الخبر الفاجعة. ولما يتقن منه، أخذ يقول في نفسه: من الصعب ألا يستجيب أهل إزا لطلب ابن أخ الشيخ، لنفوذ عمه المشهور بإخلاصه للقائد. ورغم ذلك، فليس للشيخ دالة على الناس، أو بتعبير آخر ليس له حق الحياة أو الموت عليهم، غير أنه بإمكانه إيداعهم السجن وإفقارهم نهائيا مما يعني نفس الشيء في كلتي الحالتين! لماذا هذه الخيانة من طرف أب الفتاة و إخوانها ؟ إنهم حقا جبناء ولا كبد لهم، كما يقول سكان الأودية العليا » (ص. 199). أما إزا  » لماذا قبلت زوجاً ثم فرضه عليها كبهيمة بدّلت اصطبلا بآخر … وماذا عساها أن تفعل؟ ». هكذا، انتهى كل شيء . بالنسبة إليه، كانت إزا هي الحياة، ولا تفارق وجدانه وفكره حيثما حل وارتحل. وحيث أصابه يأس شديد، توجه توا إلى قصبة أبيها للانتقام منه. ولم يجد هناك أحداً سوى أحد الرعاة، لأن أصحاب القصبة ذهبوا لزيارة صهرهم الجديد.وفي حديثه مع الراعي. بوكَلو(صاحب الغدة الدرقية)، اقترح عليه هذا الأخير، حراسة القصبة بدلا عنه، لأنه كان يريد الذهاب إلى قضاء بعض المآرب بعيدا من هناك. وطبعا قبل حدو هذا الطلب، لأنه كان ينتظرمثل هذه الفرصة، ليسهل عليه الانتقام ممن خذلوه، وكانوا على وشك أن يصبحوا أصهاره.
وهكذا، وبمجرد اختفاء الراعي بوكَلوعن الأنظار، لم يتردد حدو في إيقاد النار في القصبة بعد إخلائها من الماشية، فأتت النيران على كل شيء، ولم يبق منها إلا بعض الجدران الآيلة للسقوط . وتربص بأحدها منتظرا وصول أهل القصبة لينتقم منهم بدورهم، لكن ذلك لم يتحقق، إذ سقط عليه أحد الأسوار، وفجائه بأعجوبة. وعلى هذا الحال المثير للشفقة وجده أب إزا وغريمه زوجها وأحد التجار الذي كان برفقتهما. وهالهم ما رأوا، وعلى الفور تحداهم حدو، وأخذ في الضحك رغم معاناته، متمنيا أن يحرقهم بدورهم ليموت الجميع. وقد أبى حدو إلا أن يصعد من لهجته مع والد مخطوبته ودخل معه في مشاداة كلامية عنيفة، متهما إياه بالخيانة والجبن. انتهى كل شيء، وترك حدو وشأنه مفضلا الذي فضل أن يموت ويتجرع سكرات الموت لوحده وانصرف أب الفتاة ومرافقه إلى حال سبيلهما. تلك هي نهاية حياة إنسان عادي مثل حدو، ونهاية ثروة أسرة ذات حياة مثل أسرة أيت أركَـ.
وإجمالا، لا بد من التأكيد على أن قراءة هذا الكتاب ممتعة جدا، بالنظر إلى مستواه الأدبي الرفيع. وهو ايضا مفيد تاريخيا واجتماعيا وثقافيا، في معرفة سكان الاطلس الكبير الأوسط، وطبيعة علاقتهم بالسلطة المحلية، وكذا مدى قدرتهم على التكيف مع وسطهم الطبيعي. وقد لاحظ روني أولوج، أن هذه الإكراهات مجتمعة، هي التي جعلت على الدوام، أولئك السكان رجالا أقوياء، متمرسين على المقاومة، ولايقبلون النيل من كرامتهم وحريتهم، وبالتالي كانت أنفتهم عالية جدا، مثل الأعراف المحيطة بهم والأودية العليا التي يعيشون في جنباتها.
وتجدر الإشارة إلى أن العديد من المعطيات التاريخية الواردة في الكتاب غير دقيقة، وينقصها الضبط التاريخي أومبالغ فيها، ربما لأن روني أولوج سمعها من أفواه اناس بعد بهم الزمان عن أحداثها، أوجمعها من آخرين ممن قد تكون لهم مصلحة ما لتشويه ماجرى. لكنه – وكما سلف الذكر – يتضمن الكتاب وقائع محلية مؤكدة تتعلق بالفترة المعاصرة. ومن أمثلة ذلك قبض القائد الأكلاوي على ثلاثة عشر فردا من قبيلة أيت زكري المتتفضين ضده، وسجنهم بقصبة أكلموس، والتنكيل بهم ضربا حتى الموت. وبمثل هذا العنف الصارخ، كان الأكلاوي يرسل الرسائل إلى القبائل التي لاتزال – إلى ذلك الحين- رافضة لحكمه. وفي هذا السياق السياسي الدموي، كان يندرج أيضا الهجوم الليلي الذي نظمه سي بورحيم، خليفته على إمغران، ضد الشيخ المنتفض محمد أسردو، شيخ قبيلة إكنضولن المغرانية. وسبقت الإشارة إلى الهجوم أسفر عن مقتل الشيخ، ونهبت ليس فقط قصبته، بل منازل قرية أسكا كلها. وفي الكتاب تفاصيل مهمة أخرى، حول تنظيم الهجوم، وعدد المشاركين فيه، والشيوخ المساندين له. وهذه المعطيات وغيرها ينفرد بها، هذا الكتاب.
وفوق ذلك كله، فالكتاب رغم أن مؤلفه، يبالغ أحيانا عن قصد، في وصف فظاعة بعض ما جريات الأمور بهذا المجال الشاسع، فإنه، مع ذلك، يرسم صورة واضحة عن العناصر المحلية المتنافسة على السلطة، وكيف ان وصول الفرنسيين إلى هذه الربوع ، غير موازين القوة لصالح القائد الأكلاوي الذي كان مستفيدا بشكل قوي من خدماتهم المختلفة، ومن عتادهم العسكري وخبرتهم الميدانية. ومقابل ذلك، تبرز واضحة صورة المقاومة الشديدة التي أبدتها بعض القبائل وبعض إمغارن الذين استماتوا من أجل سلطتهم وكرامتهم ولم يرضخوا لتهديدات الأكلاوي والفرنسيين. إلا أن بعض الشيوخ تمت إستمالتهم خصوصا بوادي درعة كالقائد العربي(أولاد يحيى) وعلى أويدير العطاوي(ص.180) وغيرهما ممن بدأ الكولونيل شاردون الحاكم الفرنسي بورزازات، في التفاوض معهم. وكان ذلك مؤشرا على بداية تحول سياسي في منطقة درعة، جعل الفرنسيين و القائد الأكلاوي يخترقون صفوف المقاومين بهذه الجهة،بعدما أكملوا إخضاع جميع قبائل الأطلس الكبير الأوسط. وهذه التطورات السياسية والعسكرية، فتحت الباب أمامهم على مصراعية، للهجوم فيما بعد على ماتبقى من تلك المقاومة، ولاسيما في جبل صاغر في شهر فبراير سنة 1933.
ومفيدة هي أيضا، المعلومات التاريخية التي يكتنزها هذا الكتاب بخصوص السلاح الناري الذي كان مستعملا في هذه المناطق، وكذا صناعته. فهو يعرفنا بأنواعها وأسمائها المختلفة حسب المناطق. وهكذا نجد بوشفر(البندقية) المسمى تاسورت لدى قبيلة إمتوكان، وأبوري عند أيت واوزكيت، وتفضليت في تاكندافت، وتارزوت عند إحاحان (حاحة)، وأرحال في دادس. وهذا الأخير كان يتميز بإرتفاع ديكه (chien) وقصر عقبه(crosse). وينضاف إلى هذه الأنواع نوع آخر، كان يصنع من العاج بمدينة تزنيت، يعرف باسمها، يكون موشى بصدفيات وبرسوم فضية(ص.90-91).
وأخيرا يظهر جليا أن مجمل القضايا التاريخية والاجتماعية والثقافية المثارة في هذا الكتاب، قمينة بأن تفيد أيضا في مجالي المسرح والسينما. فبعد قدها وتمحيصها وتدقيق معطياتها المحلية، يمكن أن تكون مصدر إلهام ليس فقط لنصوص مسرحية هادفة، بل لتكوين سيناريوهات أفلام قصيرة أو متوسطة شيقة ذات بعد إجتماعي عميق. فالفضاءات الخلابة المتنوعة والشخصيات القوية المتفاعلة في مجتمعات الأطلس الكبير عموما، مناسبة لاستلهام أعمال فنية رائعة، مااحواجنا إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى، تعريفا وتذكيرا بالأدوار المجتمعية المتميزة للعديد من عناصر هذه المجتمعات التقليدية البائدة.
1- René Euloge, Ceux des hautes vallées, Editions de la Tighermt, Marrakech,1976.
2- المؤلف مقتنع بأفضال فرنسا على المغاربة،أنظر كتابه.
Les derniers fils de l’ombre, Ed. de la Tighermt, Marrakech,1952,p.108.
3- Jean –François Durant, Introduction et Regards sur les littératures clouiales, I, Editions l’Harmattan, Paris, 1999.
4- Ibid., p.15
5- Gérard Chaloge, René Eueloge ou un destin dans la montagne berbère, in Regards sur les littératures coloniales, II, Ed. l’Harmattan, Paris, 1999,p.227.
6- Contes de la Vie marocaine illustrée : Poèmes 1924, Marrakech 1930, le Souk ,le mauvais sort ,le chleuh ; les fils de l’ombre, (photos de l’auteur, Rééditions en 1931 avec illustrations de B.de Ment orient, et en 1951) ; le chleuh (1931) ; la Chkara (la sacoche),phots ;le Taleb(disciple) ;le bon vieux temps ; Ballade chleuh, Iddeb berger (photos) ; les portes de ciel, roman des derniers nomades ;la tragique nuit de destin ; Marna rouf, poème 1933 ; sur une toile d’Henry Pountoy, village chleuh de l’Atlas ; -1934, poèmes inédits : Malchance, EL Bedi (tombeaux saadiens) ;Nuit berbère :-1938,récits de pays Ntifa(Casa blanca,Ed.Maroc magazine).Illustrations Louis Lampadéry.
7- René Euloge, Chants de la Tassaout, traduction du berbère, Ed. Maroc, réédités Ed.Belvisi : Casablanca,oct.1986, Préface de Léopard Senghar.
8- تحت عنوان : »هؤلاء من سكان الأودية العليا » ص.7-ص 48
9- فتاة إيغيل نوغو،ص 49 – ص.72
10- وادي انكفو،ص.73 – ص.72
11- أجمل ليلة، ص 85- ص.106
12- الزمن الجميل،ص،107 – ص118
13- المنتفض،ص. 107 – ص118
14- لاحظ المؤلف أن الشيخ محمد أو جامع الزغاري (من قصر تاوريرت) لم يشارك شخصيا في هذه الحملة بسبب بدانته المفرطة (ص.126، (embonpoint prodigieux(
15- سور الموتنى،ص.143 – ص.153
16- ليلة القدر، ص.155 –ص. 165
17- الصحيح هو أن القائد الجيلالي بن علي أوحدو الدمناتي قتله فعلا شخص يسمى ناصر بن حمادي نايت الفقيه( وليس ناصر نايت أومغار كما في رواية المؤلف)بالمسجد أثناء صلاة الجمعة سنة 1904، لسبب ىخر غير الذي تذكره رواية روني أولوج. انظر تفاصيل ذلك عند أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان(1850-1912))،منشورات كلية الادب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: رسائل وأطروحات ، رقم 63، الطبعة3، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،1932 ص-2011،ص.162 – 163
18- المصادرة،ص.167 –ص. 191
19- المخطوبة الضائعة، ص.193-ص.208

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

  • 1

    MERCI BEAUCOUP A MONSIEUR HAMAM POUR CES EVENEMENTS QUI S’étaient passés dans notre région,nous voudrons aussi de nous citer quelques evenements au dades(boumalnedades et khmis dades)avant l’introduction des glaouas dans le dades et merci.