للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mardi 12 mars 2013 - 6:44

تجارة المُسْتَحَثَات بالمغرب العميق .. كنوز تدر الملايير

 ميمون أم العيد
بأدوات دقيقة ومطارق صغيرة، يداعب العديد من شباب منطقة ألنيف، هذه الكائنات المتحجرة، وكأنهم يحاولون أن يعيدوا إليها حياة بعد أن فارقتها منذ الحقب الجيولوجية القديمة. لكن هذه الأحجار النادرة هي التي تمنحهم الحياة وتجعلهم يشعرون بالفخر ويضمنون قوتا يوميا ولو إلى حين.

هنا في » قصر تايشوت » على بعد 77 كيلومتر عن تنغير، لا أثر لأي نشاط فلاحي أو تجاري، فالسماء ضنت بمائها على الأراضي، والآبار جفت منذ عشرات السنين، لا شيء يذر الدخل على العديد من الأسر سوى هذه الحرفة المتداولة هنا منذ أزيد من عشرين سنة. الشباب في أغلبهم غادروا مقاعد الدراسة في المراحل الابتدائية، وفريق منهم احترف البحث عن هذه الأحجار فسهل العطشانة وجبل أوسيمور، حيث تتواجد مستحاثات تعود إلى الحقبة الأوردوڤيسية، أو في جبال صاغرو الغنية بمتحجرات من العصر الكمبري، وهناك منهم من يجوب شريط طويلا ممتدا بين ألنيف وطانطان بحثا عن أحافير ترسبت منذ العصر الديڤوني. بعضهم يظل معتكفا طول اليوم في أوراش بسيطة محاطا بأدوات حديدية يبرع بدقة في اخراج هذه المتحجرات لتظهر على سطح الحجر واضعة تسر الناظرين.

الحرفة في مجملها وإن كانت غير منظمة وغير معترف بها، إلا أنها توفر لقمة العيش، وتساهم في خلق رواج تجاري بالمنطقة، بل إن مختصين قدروا المبالغ المالية التي تدرها هذه التجارة بالمنطقة بـ 12 مليار سنتيم سنويا مع احتساب النيازك وبقية الأحجار.

https://i1.wp.com/t1.hespress.com/files/reporatgemimoun1_620040936.jpg?w=400

1981: سنة بداية حرفة نادرة..

قادنا البحث في موضوع المستحثات بمنطقة ألنيف، إلى العثور على أول من زاول هذه الحرفة بهذه المنطقة. يتعلق الأمر بــ » محند أوسعيد  » (58سنة) الذي يقطن بقصر تايشوت والذي تحدث لهيسبريس عن بداية مزاولته لهذه الحرفة:

 » كنت في طفولتي وبداية شبابي أجوب المنطقة راعيا للغنم. البحث عن المراعي الخصبة والكلإ يجعلني أقطع المنطقة جيئة وذهابا. وكنت في كل مرة أتوقف فيها في فترة من السنة بمنطقة قرب ألنيف تدعى  » تيسكيوين  » ، كان يثير فضولي سائح أوروپي، يجمع بعض الأحجار أسفل الجبل. قادني الفضول لأقترب منه، لم أكن أعرف لغته، ولا هو يعرف لغتي، كنا نستعين معا بإشارات الأيدي من أجل التفاهم، وكان كل همي أن أعرف ماذا يفعل هذا الرجل في هذا المكان المقفر.

https://i2.wp.com/t1.hespress.com/files/reporatgemimoun_774240900.jpg?w=400

لما تمعنت في الأحجار التي يجمعها، في ذلك السفح وجدتها في الغالب قطعا غير مكتملة وأجزاء لحيوانات وحشرات حجرية أعثر عليها يوميا دون أن تثير اهتمامي.. انتظرته في المرة القادمة في نفس موعد عودته وسلمته كيسا كبيرا مما جمعته من هذه الأحجار، جمعتها في أعلى الجبل، كانت في وضع جيد، عكس تلك التي كان يجمعها بعناء أسفل السفح.
فرح « غولو بول » كثيرا لهذا الصيد الثمين ، وكان هذا هو إسمه. و قدم لي مبلغا كبيرا من المال، كان بالنسبة لي في ذلك الوقت، مبلغا لا يُصدق.

تكرر نفس الأمر مرات عديدة. بعدها اقترح علي الاشتغال معه بشكل دائم، وبعد نفاذ تلك المستحثات التي كانت في أغلبها  » ثلاثيات الفصوص خاصة calymene » علمني طرق أخرى في البحث، وكيفية معرفة الأحجار التي تتوفر على هذه المستحثات، حتى وإن كانت غير ظاهرة في السطح، ثم طرق استخراج هذه المستحاثة، ثم استعمال تلك المسامير والمطارق البسيطة من أجل إظهار جمال ذلك الحيوان المتحجر على سطح الحجر. بعد مدة انقطعت زيارة صديقي « غولو « ، فاشتغلت لحسابي، وبدأ الشباب يتعلمون هذه الحرفة، وكل واحد يعلمها لأقربائه إلى أن غدت تُمارس على نطاق واسع، وأينما ذهبت الآن في المنطقة تجد دكاكين للتنقيب عن المستحثات واستخراجها ثم عرضها للبيع أمام السياح.

جامعات أمريكية ويابانية وأوربية أكثر زبائن المستحثات بألنيف

زبون المستحثات المختلفة ليس فقط ذلك السائح العابر الذي يستهويه شكل تلك الحيوانات البديعة وهي متمددة على أحجار صلبة، دون أن ينشغل كثيرا إن كانت هذه الأحجار حقيقية أم مزيفة كليا أو جزئيا. أم أنها تعود إلى حقب جيولوجية خلت بملايين السنين. صحيح هناك هذا النوع من الزبائن، لكن هناك فئة أخرى ممن يطلبون شراء هذه المستحثات والأحفوريات ويحددون معايير معينة لشرائها، ويدفعون بسخاء. يتعلق الأمر بالجامعيين الباحثين في مجال الجيولوجيا من دول أوروپية وأسيوية وأمريكية.

https://i2.wp.com/t1.hespress.com/files/reporatgemimoun2_912096940.jpg?resize=400%2C267

وهو ما أكده لنا السيد لحسن أوسعيد (الصورة) بقوله :  » نتعامل مع جامعات عديدة في مختلف أنحاء العالم، خاصة اليابان وكندا وبريطانيا وأمريكا، وهذه السنة بدأنا نتعامل مع جامعتين في المغرب، هما جامعة بالرباط وأخرى بمراكش. لكن مشكلتنا هي  » رغبتنا في عرض هذه المستحثات في معارض دولية خارج المغرب، نريد من الدولة أن تقدم لنا تسهيلات للسفر للعرض في دول أوربية وغيرها، فوزارة الطاقة والمعادن لا تعترف بهذه الحرفة التي نزاولها، ولا أحد يعترف بها. نحن لا نصنع هذه المستحتات، بل نستخرجها من باطن الأرض، ومستعدون لتأدية واجباتنا كي نتمتع بحقوقنا ». يضيف نفس المتحدث وهو منهمك في إزالة أجزاء صغيرة من الحجر لمستحاثة بديعة، وكأنه يحاول أن يعيد إليها الحياة.

لحسن أسعيد الذي ترك مقاعد الدراسة منذ نهاية المرحلة الابتدائية ليحترف مع والده وإخوته الذكور امتهان هذه الحرفة في قصر تايشوت، يستطيع أن يميز بين الحقب الجيولوجية التي ترسبت فيها هذه المتحجرات، ويستطيع أن يعرف المناطق التي جاءت منه هذه الأحجار، فتجربته الطويلة مع هذه الأحجار واحتكاكه بالباحثين القادمين من دول عدة جعله يميز متحجرات العصر الأردوڤيسي عن متحجرات العصر الكمبري و الديڤوني.

https://i1.wp.com/t1.hespress.com/files/reporatgemimoun3_799067899.jpg?w=400

أثمنة الأحفوريات : من 10 دراهم إلى 100 ألف درهم!

تبدأ أثمنة هذه المتحجرات حسب مزاول لهذه الحرفة ممن التقيناهم من 10 دراهم، وهو ثمن بعض ثلاثيات الفصوص ، والتي تتواجد بكثرة ويمكن العثور عليها على سطح الأرض دونما عناء، لكن الأثمنة ترتفع إلى أن تصل عشرة ملايين سنتيم للقطعة الواحدة، خاصة تلك التي الأحجار التي تكن عبارة عن صفيحة تضم عدة مستحاثات مترسبة، فإن ثمنها يكون مرتفعا ويبدأ في الغالب من 5000 درهم فما فوق.

في الأيام الأخيرة تم العثور على نوع جديد لم يُعرف اسمه بعد، بين تنغير و تنجداد، وبيع لأول مرة بـ 30 ألف درهم للمستحاثة الواحدة لمعاهد جامعات غربية، ولا يعرف لحد الساعة الاسم العلمي لهذه المتحجرة النادرة.

https://i1.wp.com/t1.hespress.com/files/reporatgemimoun4_987289869.jpg?w=400

يتحكم في ثمن هذه المتحجرات، ندرتها في السوق، وتكلفة استخراجها وإظهار تعقيدات هيكلها العظمي من داخل حجر صلب. حيث يستغرق العامل المحترف أزيد من شهر من العمل المتواصل بآلات دقيقة من أجل استخراجها مع حفاظها على شكلها الطبيعي. وهناك أحفوريات غير موجودة سوق المستحاثات العلني، ويتم طلبها من طرف جامعات أوروبية وكندية ويابانية، وتحت معايير محددة، لذلك فإن العثور على هذا النوع من المستحثات بالبحث أو بالصدفة لا يضاهيه عند تجارها وممتهني هذه الحرفة سوى العثور على كنز ثمين.

oumelaid@gmail.com

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.