للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mardi 21 octobre 2014 - 6:29

النص الشعري القديم :قضايا واشكالات(الحلقة الثالثة)

(الحلقة الأولى عبر هذا الرابط)

(الحلقة الثانية عبر هذا الرابط)

عبد المجيد علوي اسماعيلي
ج-أسئلة النقد البلاغي:
حرص معظم الشعراء،من خلال الالتزام بمذهب الأوائل،على الاستجابة لأفق توقع النقاد القدامى المؤسس على المبادئ النظرية لعمود الشعر باعتباره إطارا مرجعيا وبنودا نقدية »صيغت كقوانين تستبطن صنعة فنية،تتوارثها الأجيال والشعراء والقراء،وتتعاورها بالإضافة والأخذ والتحوير. ».1
غير أن الثابت المنهجي هو أن بعض الشعراء شقوا لأنفسهم مسارا إبداعيا جديدا يروم الثورة الهادئة عن عمود الشعر من خلال طرح قضايا وأسئلة جديدة تتجاوز المفاهيم التقليدية التي درج عليها علماء اللغة اللذين انشغلوا بهاجس استخلاص النسق المرجعي الدال للغة العربية الأصيلة على شكل قوالب جاهزة، وحصر استثناءاتها التي تخرق مبادئ ذلك النسق ومقوماته،مما فتح أمام النحو ارتياد آفاق علمية جديدة،وتخصيب وتجدد أسئلة النقاد البلاغيين في ظل تصاعد عنف القراءات « المغرضة » التي استهدفت النص القرآني من قبل خصوم الإسلام، ودخول الفرق الكلامية على خط المواجهة والصراع الفكري من خلا ل تفنيد ادعاءاتهم و الدفاع عن إعجاز القرآن الكريم وأصالته وتميزه عن باقي الأجناس الأدبية.والحصيلة، استخلاص النقاد القدامى المرتكزات البلاغية لمدونة النصوص الشعرية المختارة للبرهنة على علو كعب وسمو الخطاب القرآني، ووضع أسس ومعالم « الشعرية العربية » من خلال الاشتغال على قضايا المبدع لحظة الإنتاج والمتلقي أثناء تفاعله مع الإنتاج النصي في سياق تاريخي إبداعي موسوم بالصراع المحموم بين أنصار القديم(المتعصبين لمذهب الأوائل)وأنصار الشعر المحدث(بشار، أبو نواس ،أبو تمام)،مما أدى إلى انتهاك المعايير الجمالية التاريخية التي طالما التزم بها الشعراء ومن خلالهم النقاد القدامى باعتبارها ضوابط شكلية ومقومات فنية تحتذ ى من قبل القراء المتمرسين حتى يتمكنوا من » تمييز تليد الصنعة من الطريف،وقديم نظام القريض من الحديث. ».2 كما أن مذهب الأوائل غدا بمثابة عرف أدبي وقواعد تجريدية نظرية مؤطرة لعمليتي الإنتاج والتلقي، »إنها تصور للقصيدة كمعنى (أو معان) يضاف إليه المبنى. إنها القانون الذي يحدد كيفية إضفاء المبنى على معنى سبقه في الوجود. إنها قانون تزيين المعنى، أو بالأحرى تجديد مظهره الخارجي. وبهذا يصبح الشعر في هذه النظرية، معانيَ ثابتة في جوهرها، تكتسي حللا أو مظاهر تبدلها عبر الزمن، ومن شاعر إلى شاعر… وإذا كان المعنى ثابتا، فالمبنى لا يتبدل إلا مظهريا، إنه هو الآخر ينطوي على ثوابت معينة، ثوابت الوزن (البحور)، وثوابت أخرى تتعلق بتركيب الألفاظ وما يقتضيه من مراعاة لقواعد النحو والبيان، أو البلاغة بعامة. » 3
أضف إلى ذلك، ف »مذهب الأوائل » قوالب فنية نظرية جاهزة ترسم خارطة طريق الصناعة الشعرية المستخلصة من المتون الشعرية النموذجية باعتبارها أقصى ما وصلت إليه التجربة الشعرية العربية القديمة إنتاجا وتلقيا من خلال تحديد معالم اللغة الشعرية الأصيلة غير المنحطة والبعيدة عن الإسفاف والاستعمال اليومي والغريب اللفظي(أو الوحشي) والتعقيد الدلالي الذي ينشد « التخييل المبالغ فيه » إلى حد الإبهام،مما يحول دون قدرة القارئ على فك شفرات الخطاب الشعري وتفاعله مع مواطنه الجمالية.وبالتالي، فمذهب الأوائل تكريس للثبات والجمود واحتفال بهما ونبذ للتغيير و الإبداعية وتجاوزهما،وهذا يعني،من جملة ما يعنيه أن عود الشعر ليس وليد القرنين الرابع والخامس الهجريين، بل هو ضارب الجذور في أعماق التربة الأدبية القديمة(القرن الثاني الهجري) على أساس حسم المتون الشعرية المرجعية التي استخلصت منها القواعد النحوية ومعايير الحكم على الشعر بالجودة والرداءة من خلال نخبة أو فئة من العلماء مشهود لها بالمعرفة والخبرة بأسرار الصناعة الشعرية مادامت أحكامها نهائية ومطلقة لا يرقى إليها الشك (ولو أنها غير معللة). وبذلك،فمفهوم الإجماع أضفى نوعا من التقديس على كلام أنصار « مذهب الأوائل » أو « عمود الشعر »،مما ألزم المبدعين والنقاد،على حد سواء، بتمثله والانصياع له في سياق سعي رموز النقد اللغوي(ابن سلام الجمحي نموذجا)إلى الدفاع عن أصالة التجربة الشعرية العربية النموذجية والإطار الجمالي العام غير القابل للطعن والتشكيك في هويته ومصداقيته ووجوده مادام متنا مرجعيا استخلصت منه الضوابط الإجرائية والأسس النظرية للكتابة الشعرية المكرسة لمفهوم الإجماع من قبل أهل الاختصاص في أفق توحيد المعايير الجمالية وإغلاق باب الاجتهاد النقدي.وبهذا المعنى، قدم النقاد القدامى من الشعراء من قدموا وأخروا منهم من أخروا،واجترحوا لذلك قاموسا نقديا مستمدا من المجالين القضائي والعسكري من قبيل »الموازنة »، و »الوساطة »،و »الإنصاف، »و »الإصابة »،مشددين على ضرورة تلقين السلف هذه المبادئ النظرية للخلف، تدل على ذلك وصية أبي تمام للبحتري4،والأسس المنهجية التي استلهمها من هذه الوصية الناقد الآمدي(ت370ه) لناشئة الأدب من أجل بلوغ مرتبة العلماء المدركين لأسرار الصناعة الشعرية قائلا:  » فإني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بأمر هذه الصناعة أو الجهل بها، وهو أن تنظر في ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض… فإن علمت من ذلك ما علموه، ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموا وأخرجوا من أخرجوه، فثق حينئذ بنفسك، واحكم يسمع حكمك، وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك، فاعلم أنك بمعزل عن الصناعة. ».5
ومن هذه الزاوية،فمذهب الأوائل،برمجة للحاضر والمستقبل من خلال تقديس الماضي الشعري وتمجيده،والشاعر المحدث مطالب،بوعي منه أو بغير وعي،بإعادة إنتاج المعايير الجمالية المحددة سلفا بطرق جديدة حفاظا على تماسك الإنتاج الشعري وجودته وأصالته تكريسا للتقليد الفني السائد لئلا ينعت شعرة ب »التوعر » والإغراق »و « الإحالة ».ولما كان عمود الشعر برنامجا عاما لتقنين المؤسسة الأدبية،فان أنصار مذهب الأوائل حددوا الوظيفة الاجتماعية للشاعر على اعتبار أن الإنتاج الشعري تراث جماعي ،وما على الشاعر إلا أن ينصهر في بوثقة هذا المشترك المسمى « ديوان العرب »إذا أراد ضمان الاعتراف من قبل المؤسسة الأدبية الرسمية،أما إذا انتهك معاييرها الجمالية وتمرد على أصولها الفنية وتطلع للتفرد والخصوصية،فيطرد من الجماعة ويرمى بأقبح النعوت من قبيل: « الشعوبية »، و »الإلحاد، و »الزندقة ».
وعليه،فعمود الشعر تذويت للذات الفردية للشاعر والناقد وصهرها في إطار الجماعة،مما يكسبه صفة « أفق توقع »،أو الاستعدادات النفسية والمعرفية التي يكون عليها القراء القدامى أثناء تلقيهم لمدونة من النصوص الشعرية6، أو معيارا فنيا لقياس مدى استجابة شعر المولدين له أو عدوله عنه.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.