للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mercredi 19 juillet 2017 - 7:06

تَاحْرُويْتْ .. « بطاقة هوية » المرأة الأمازيغية تسير نحو الأفول

ميمون أم العيد
هسبريس
هي ليست بدلة ولا لباسا كاملا يمكن ارتداؤه في مناسبة دينية أو عائلية، ولا زيا تقليديا يمكن للمرأة أن ترتديه وحده وتتباهى به أمام قريناتها فقط في عرس جماعي أو مجلس فرح؛ بل هي قطعة ثوب أسود مزين بألوان زاهية، تلفه المرأة على رأسها ويستر جزءا كبيرا من جسمها العُلوي، هي مثابة بطاقة هوية، لا تخرج المرأة بدونها في الكثير من مداشر الجنوب الشرقي؛ في زاكورة وورزازات والراشيدية وتنغير. وكأن هناك من يسألها إن خرجت بدونها: أين تَاحْرُويْت الخاصة بكِ؟

كما هو الشأن بالنسبة إلى الحايك والجلابة والملحاف وغيره من عادات اللباس في ثقافات أخرى، فإن تَاحْرُويْت أشبه ما يكون بـ »جواز خروج » من المنزل نحو وجهة ما؛ لكن استعمالاتها لا تقتصر على ذلك.

تُستعمل « تَاحْرُيْتْ » في الأعراس؛ بل إن تقديمها ضمن الملابس التي يهديها العريس للعروس، في الكثير من المداشر، يعد أمر ضروريا. فلا « باليزة » دون « تاحرويت »، و »الباليزة » في أعراس أمازيغ الجنوب الشرقي حقيبة ممتلئة بالملابس والأغراض النسائية، يرسلها أهل العريس إلى عروسهم في اليوم الأول مع الوفد الذي سيأتي له بزوجته لتقضي أول يوم في بيتها. وتقديم هذه الحقيبة والغناء حولها بترديد المواويل طقس لا محيد عنه في الأعراس القبلية في مداشر كثيرة. وأثناء هذا الطقس الاحتفالي، يُظهر العريس أُبهته، وتعرف العروس قيمتها الرمزية لدى زوجها؛ لتباهي بذلك قريناتها وجاراتها اللواتي يسجل كل شيء..

« تُحَاكُ تَاحْرُويتْ من ثوب خاص، يتم استيراده من الصين أو الهند، أو موريتانيا. فيه أنواع، نطلق في الجنوب الشرقي اسما على كل نوع، فنقول: فيبران أو كِبْرَانْ، النيلو، قلمون، الكتان… وإن كنت لا أعرف أسباب التسمية، إلا أن لكل نوع من هذه الأثواب سماته الخاصة وما يميزه عن بقية الأثواب » تقول سهام بلعيد، وهي طالبة ومُتعلمة لفن تزيين هذا الزي بتعاونية تابُوقْسْتْ بألنيف نواحي تنغير في حديثها لهسبريس.

وعن طريقة طرزها وأثمان تاحرويت في الجنوب الشرقي تؤكد المتحدثة ذاتها أنه: « بعد شراء الثوب، تقوم نساء محترفات بتزيينه ببراعة، وقد يكلفهن ذلك يوما كاملا أو خمسة أيام أو أكثر، بحسب الأشكال المطلوبة، إن كانت سهلة أو معقدة، وذلك ما يتحكم في ثمن تاحرويت أيضا، إذ تتراوح بين 60 درهما و200 درهم ».

وتضيف سهام: « أغلب زبوناتنا من المتزوجات والعرائس الجديدات، فهن من يُلزمن بارتداء هذا الزي الأمازيغي خارج البيت أو في المجالس المختلطة. أما الفتيات فهنّ حرات، ويخترن أن يرتدين تاحرويت خارج المنزل أو لا، فلا أحد سوف يجبرهن على ذلك؛ إلا أن أغلب الفتيات يتوفرن على واحدة، ضمن طاقم ملابسهن، يحتفظن بها لوقت الحاجة مع أشيائهن العزيزة ».

إذا كان اسم تاحرويت يوحد هذا الزي التقليدي الشائع في الجنوب الشرقي للمغرب، فإن النساء المتمرسات يميزن بين نوع وآخر؛ ذلك أن لكل منطقة في الجنوب الشرقي نوعه الخاص الذي يميزه عن بقية النساء، إلى درجة أن الخبيرات من النساء يستطعن التعرف على المنطقة التي تنحدر منها صاحبة هذا الزي أو ذاك من خلال تلك التزيينات التي على لباسها.

فهذه الـ »تاحرويت » خاصة بنساء تازارين، وتلك خاصة بنساء أيت خباش، وهذه لا ترتديها إلا نساء النيف واملعب وأماغا وهكذا؛ بل إن « تاحرويت » التي تلفها النساء حديثة الزواج والفتيات ليست هي التي تستعملها المسنات من النساء التي يقتربن من الستين سنة، أو تجاوزنها. إن الألوان الزاهية ترمز إلى الشباب، و »مُوزُونْ » لا يجدر بامرأة مسنة، فتكتفي بتاحرويت بها مستطيلات بألوان مكررة، وثوب رطب غير شبابي.

بالرغم من سواد هذا الثوب، وامتصاصه لأشعة الشمس التي تلفح الملامح في الجنوب، فإن « تاحرويت » يُرتدى مهما كان الجو حارا؛ لأنه في اعتقاد الغالبية رمز إلى الوقار والحياء، ويزيد المرأة جمالا.

وكان « تاحرويت »، إلى عهد قريب، أمرا ضروريا ملزما لجميع النساء، إلى درجة أن المرأة التي تخرج إلى الشارع دون « تَاحْرُيْتْ » وكأنها خرجت دون ملابس، وينظر إليها باحتقار؛ لأنها تتحدى عُرفا شفهيا ينتقل بالتواتر من جيل إلى آخر.

ولا تزال بعض المراكز القروية مثل بومالن وتازارين والنيف، إلى حد الساعة، قد تذهب الفتيات إلى مدارسهن بلباسهن العصري بدون « تاحرويت »، وأثناء ذهابهن إلى السوق أو إلى أي مكان آخر غير الثانوية لا بد أن يضعن هذا الرداء الذي يغدق عليهن الكثير من الجمال والتميز.

« أقوم بتزيين تاحرويت وبيعها، لأعيل عائلتي وأوفر مصروفا لي؛ لكنني أشتغل تحت الطلب، لأزين تِحرُويت لنساء يرغبن في ذلك.. بعد اشتغالي لخمسة أيام، أبيع القطعة بـ100 درهم؛ فالطلب قليل وموسمي، ولا يغطي عدد ساعات العمل، لكن الحمد لله »، تقول فاطمة، وهي أرملة تعيش من هذه الحرفة التي بدأت تضمحل.

ثم تزيد وفي عينيها يشع الرضا والقبول بالمكتوب: « إذا رفعنا الثمن ليناسب العمل والتكاليف، سوف لن يشتري منا أي شخص؛ فزبوناتنا أيضا فقيرات، ولا عمل لهن. والموظفات لا يستعملن تاحرويت، والثمن الذي تدفعه زبوناتنا الفقيرات جمعنه مما يغدق عليهن إخوتهن وأخوالهن الرجال في المناسبات، لذلك أرى أن تجارتنا مفلسة أو ستفلس بعد حين ».

يعتقد كثير من الناس الذين استقينا آراءهم في الجنوب الشرقي أن « تَاحْرُويْتْ » لباس يعيش آخر أيامه؛ ذلك أنه لباس محلي بدأ في الاختفاء شيئا فشيئا. إن المجتمع لم يعد منغلقا كما كان عليه في السابق، واستلهم ألبسة الثقافات الأخرى وطرق عيشهم، فاستبدل الناس تاحرويت بقطع أثواب أخرى بألوان زاهية بدل الأسود الغامق.

وما دامت تاحرويت لم تساير العصر، وتنفتح على بقية الألوان الشبابية؛ بل إن اللواتي يطرزن هذا الثوب، بقين لعقود يفعلن الشيء نفسه دون أي خلق وتجديد.

كما أن تاحرويت لم تستطع أن تغزو مناطق أخرى أبعد من محيط ميلادها، مثلما فعلت العباية الخليجية مثلا، أو الملحاف أو القفطان وغيره، وبقيت مثل أغانٍ بدوية لا تطرب سوى أبناء نفس القبيلة؛ وهو ما دفع بالكثير من المتشائمين إلى الاعتقاد بأن نساء هذه القرى الهامشية هن آخر نساء تَاحْرُويْت.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.