للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : dimanche 9 juillet 2017 - 11:48

الصحراء الليبية في إفريقيا الشمالية الوسيطية

عرض حول كتاب
الصحراء الليبية في إفريقيا الشمالية الوسيطية
(باللغة الفرنسية)
الأستاذ محمد حمام- جامعة محمد الخامس – الرباط


في سنة 1995 صدر للباحث البلجيكي جاك تيري كتاب قيم باللغة الفرنسية يحمل عنوان: « الصحراء الليبية في إفريقيا الشمالية الوسيطية »، مذيل بست خرائط، ويقع في أكثر من ستمائة صفحة.
وبداية، لابد من التسجيل أن جاك تيري بإصداره لهذا الكتاب يكون قد كسر الصمت الذي لزمه، منذ مدة، الباحثون الغربيون – وتحديدا أولائك الذين يكتبون باللغة الفرنسية – تجاه التاريخ الوسيط للبلدان المغاربية عموما وتاريخ ليبيا خصوصا.
وتتجلى أهمية هذا الكتاب في اعتماد مؤلفه على منهج رصين جمع في آن واحد بين الوصف والتحليل وفق ما تسمح به المادة المصدرية المتوفرة، مستعينا أيضا بالتحري الميداني. ومن جانب آخر فقد أعاد المؤلف النظر في بعض القضايا التاريخية التي تطرق إليها باحثون آخرون فيما مضى، فناقشها وأغناها بملاحظات وجيهة. كما تناول قضايا أخرى جديدة وخاصة منها المرتبطة بالمسالك، والطرق التجارية، والتجارة، وأنواع المواد المتبادلة عبر تلك المسالك والطرق؛ وكل هذه المواضيع تمت دراستها بناءا على عدة مصادر عربية مكتوبة متفاوتة الأهمية، لكنها متكاملة فيما بينها. ويتضح من الدراسة أيضا أن المؤلف له إلمام دقيق بالمجال، الشيء الذي جعله يجمع بين مهمة المؤرخ وعالم الآثار.
والكتاب كما يدل عليه عنوانه يتوخى من ورائه صاحبه إبراز الدور الكبير والواضح الذي كان للصحراء الليبية ليس فقط، في تاريخ القطر الليبي وحده، بل في التاريخ المغاربي كله وأيضا في منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال العصر الوسيط.
وحتى يكون القارئ على بينة من مختلف النقط والقضايا المعالجة في هذا الكتاب فإننا نعرض لها فيما يلي عرضا شديدا.
يتكون الكتاب من بابين متفاوتي الحجم والأهمية، فالباب الأول يعرض فيه الباحث للأحداث السياسية والعسكرية التي كانت ليبيا (بما فيها الصحراء) مسرحا لها منذ وصول الفاتحين المسلمين إليها خلال القرن السابع للميلاد إلى غاية غزو مملكة كانم لصحرائها في غضون القرن الثالث عشر للميلاد. كما لم يفت المؤلف التطرق إلى التطور الذي شهدته ليبيا بعد هذه الحقبة إلى بداية القرن العشرين، علما أنه لم يعرض لذلك إلا لماما.
أما الباب الثاني من الكتاب فيدرس فيه المؤلف الواحات الليبية والطرق والمسالك والتجارة والتجار، مذيلا دراسته هذه ـ كما سبق الذكر ـ بست خرائط تتعلق بالجغرافية الطبيعية لليبيا وبمختلف الطرق والمسالك التي كانت تخترق أراضيها خلال القرون الوسطى.
ففي الباب الأول، أعاد الباحث قراءة بعض الأحداث السياسية والعسكرية التي طبعت ليس فقط تاريخ الصحراء الليبية فقط، بل تاريخ إفريقيا الشمالية كلها. وفي هذا الصدد درس بدقة المعاهدة التي أبرمها عمرو بن العاص برقة مع قبيلة لواتة الأمازيغية إحدى أكبر قبائل إفريقيا الشمالية القديمة، معتمدا في ذلك على ستة نصوص عربية لمؤلفين عديدين. وخلص في تحليله إلى أن هذه المعاهدة هي التي أثرت على الظروف السياسية والعسكرية التي في ظلها تمت الفتوحات الإسلامية للشمال الإفريقي.
وبعد ذلك انتقل الباحث إلى دراسة الفتوحات التي أتت بعد غزوة عمرو بن العاص، محللا تباعا شخصية الولاة والقادة العرب الذين قاموا بتلك الفتوحات. وقد حاول إعادة إنشاء تاريخ محدد لها رغم صعوبة ذلك. كما حاول إعادة رسم المسالك والاتجاهات التي اتخذتها تلك الفتوحات عبر صحراء ليبيا، مسجلا النظرة التي كونها بعض الخلفاء الأمويين وولاتهم عن شمال إفريقيا. وبما أنهم اعتبروها أرض سلب ونهب فقد تعاقب عليها ولاة طبع سلوكهم التسلط والإثراء والاستخفاف بالسكان وإرهاقهم بالجبايات غير الشرعية رغم إسلامهم. ويرى ج. تيري أن تلك السلوكات المشينة كان لابد أن يكون لها رد فعل من جانب السكان، وتجلى ذلك في ظهور وانتشار المذهب الخارجي في إفريقيا الشمالية كلها. وهنا قام الباحث بدراسة ثورات الأهالي، مؤكدا على نجاح بعضها خاصة عل المستوى السياسي والديني. كما لم يفته التأكيد على دور الإباضيين في نشر الإسلام سواء في الصحراء الليبية أو في بلاد السودان (إفريقيا الغربية)، ووقف أيضا على مراقبتهم للتجارة الصحراوية – السودانية.
ويعتبر وصول قبائل البدو العربية، بني هلال وبني سليم خلال القرن الحادي عشر للميلاد إلى ليبيا، مسألة أخرى مهمة تصدى جاك تيري لدراستها في هذا الباب من كتابه. وجدير بالإشارة هنا إلى أنه ناقش قضية تاريخية من الأهمية بمكان أثارت جدلا كبيرا بين العديد من الباحثين الغربيين أنفسهم. وفي هذا الصدد، لاحظ أن كثيرا من جوانب هذه الهجرات ما تزال مغمورة ويكتنفها الغموض، وحسب رأيه فإن بعض المؤرخين والباحثين الغربيين، ربما غالوا كثيرا في إبراز الأضرار الحقيقية أو المزعومة التي قامت بها القبائل العربية في افريقية وفي الصحراء الليبية، وفي مختلف المناطق الصحراوية التي انتشرت فيها. وللتقليل من أهميتها نسبيا، قام جاك تيري بفحص حادث كان من أكبر الأحداث المأساوية التي طبعت تاريخ افريقية وصحراء ليبيا، وهذا الحادث يتعلق بظهور بني غانية وقراقوش في هذه المناطق خلال العقدين الأخيرين من القرن الثاني عشر للميلاد وما بعدهما. واعتمادا على مادة مصدرية مهمة درس الباحث الأضرار الكبيرة التي خلفتها الحملات الموحدية العنيفة ضد هؤلاء الثوار في هذه الولايات الشرقية من الامبراطورية. ويرى جاك تيري أن هذه الأحداث المدمرة التي لم يفطن لها بعض المؤرخين الغربيين، كانت ضربة قاضية للازدهار الاقتصادي الذي كانت تنعم به تلك الواحات. ووعيا منها بخطورة الوضع في هذه المناطق ضدا على مصلحتها قامت مملكة كانم بالسيطرة عليها ضمانا لسلامة تجارتها مع حوض البحر الأبيض المتوسط. وأكد الباحث في هذا الصدد على أن ذلك يعتبر بداية صفحة جديدة في تاريخ المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى يبين أهمية التجارة في تاريخ هذه الواحات التي كانت باستمرار محط أطماع كثيرة. ومهما يكن من أمر، فقد خلص الباحث إلى أنه من الصعب ـ نظرا لانعدام المصادر ـ معرفة الحقبة التي انتهت فيها السيطرة الكانيمية على هذه المناطق. وخلافا لذلك، فما هو معروف هو قيام أسرة أولاد محمد ـ أسرة شريفة من أصل مغربي (يكشف عنها لأول مرة) ـ خلال الربع الأخير من القرن 16 للميلاد بفزان، ويبدو أن هذه الأسرة عرفت كيف تستفيد من الاضطرابات القبلية التي أناخت بكلكلها على هذه المنطقة خلال نفس الحقبة، غير أن الخلافات التي قامت بين أعضائها أتاحت الفرصة للتدخل التركي بهذه المنطقة في سنة 1582. ومنذ هذا التاريخ دخل الجانبان في صراعات مستمرة، لكن أولاد محمد (المغاربة) تمكنوا ـ رغم كل الأعاصير ـ من الاستمرار في حكم المنطقة إلى غاية سنة 1811، وهي السنة التي تكثـفت بعدها الهجمات التركية الهادفة إلى مراقبة مسالك التجارة الصحراوية. لكن رد فعل سكان هذه الواحات لم يتأخر طويلا، مبدين مقاومة شديدة لا تلين تجاه الأتراك، ما جعل المنطقة تشهد توترا شديدا أفضى بسرعة إلى التدهور الاقتصادي. وقد استمر هذا الوضع المتردي إلى غاية التدخلين العسكريين الإيطاليين في سنتي 1914 و1929. لكن الباحث لاحظ أن السلم والطمأنينة لم يعودا إليها إلا بعد حصول ليبيا على الاستقلال ابتداءا من 24 دجنبر 1951.
وكما سبق الذكر، فإن الجزء الثاني من هذا الكتاب يتناول بالدراسة والتحليل الموارد البشرية و الاقتصادية التي كانت تزخر بها واحات صحراء ليبيا. وفي هذا الجانب قدم الباحث ثمرة أبحاثه المتعلقة بالمسالك والطرق وما ارتبط بها من تجارة، فميز بين ما أسماه بالخطوط وبين المسالك الليبية. فالخطوط بالنسبة إليه هي « الطرق المؤدية إلى مصادر التموين من الذهب والعبيد »، وكذا إلى الأماكن المقدسة في الحجاز. وهنا بادر إلى إعادة رسم تلك الخطوط انطلاقا من المشرق في اتجاه المغرب، وتحديدا انطلاقا من وادي النيل وذلك بالاعتماد على معلومات نصية مهمة. وبعد ذلك حاول إعادة رسم للمسالك الليبية. وبصنيعه هذا يكون قد أبرز الدور الهام الذي لعبته تلك المسالك في النسيج الاقتصادي لتلك الواحات وللبلدان التي كانت تؤمن الاتصال فيما بينها.
وتشكل التجارة وتنظيمها في هذه الواحات النقطتان الأخيرتان التي تمت مقاربتهما في هذا الكتاب. وهنا عرض المؤلف بتفصيل المواد والمنتوجات التي كانت متبادلة بين هذه المناطق وبلاد السودان (إفريقيا الغربية). وفي تحليله للمعطيات التاريخية المتوفرة، استخلص دور الوساطة التي كانت قد قامت به الواحات الليبية بين بلدان الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط وبلاد السودان من جهة، وكذا بين بلدان المغرب الكبير، والشرق الإسلامي من جهة أخرى. وفي الأخير لاحظ جاك تيري أن تجارة العبيد كانت نشيطة ونافقة في هذه المناطق خلال نفس الحقبة، إلا أنها تراجعت كثيرا خلال القرن التاسع عشر مع وصول الأوربيين إلى تلك المناطق، مما انعكس سلبا على اقتصاد هذه المناطق.
وفي النهاية، فنحن أمام دراسة جادة موثقة مصدريا وأركيولوجيا مكنت استطاع صاحبها أن يغني النقاش حول القضايا التي أثارها. ومن هنا فكتابه يستحق التنويه والتعريف به لما أتى به من إفادات وإضافات علمية كثيرة ومتنوعة.

Jacques Thiry, Le Sahara Libyen dans l’Afrique du Nord médiévale, Orientalia lovaniensia Analecta 72, Editions Peeters, Leuven, 1995, 604 pages+6 carte

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

  • 1

    Merci beaucoup monsieur Hamam vos livres et vos articles nous aident a enrichir nos connaissances dans le domaine historique et culturel.Je remercie tout les fils de notre Dades qui s’intéressent a notre région en particulier Hamam;EL Manouar;Ait Hamza et Oublihi;vous etes les meilleurs professeurs qui donnent pas mal de choses a notre Dades et vous etes vraiment les vrais Dadsais/