للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : vendredi 24 février 2017 - 10:00

الهجرة والتنمية بالجنوب المغربي

خالد حالمي
كل النقط العمرانية بالجنوب الشرقي وسوس مدعوة تحت وقع الذاكرة، وتحت الأهوال أن تحتفل باليوم الوطني للمهاجر. وليس من المبالغة القول، إن الجنوب المغربي هبة الهجرة، قياس على قول هيرودوت:«مصر هبة النيل». والهبة لا يجب أن ترادف العطاء من حيث بعدُ المال، ولكن الهبة بمفهوم هيرودوت تطول الوجود. كيف صنعت الهجرة الجنوب المغربي؟ يكون الجواب عرضه عرض الجنوب المغربي، من فجيج إلى أگادير. ولكن لا بد من الوقوف عند بعض المنعطفات التي برز فيها الجنوب المغربي وليدَ الهجرة من حيث الهوية:
– الهجرة اليهودية إلى واد الزيتون في حدود ألف قبل الميلاد، وإنشاء مملكة تزروت، وهي المملكة التي تحولت إلى مملكة مسيحية، ثم انقسمت وأضحت مملكتين مسيحية ويهودية، وعمّر هذا الحال، وإن كان بعض الباحثين في التاريخ ينفونه جملة وتفصيلا، مدة 15 قرن. وللعلم فالهجرة في العصر التاريخي القديم يطغى عليه الطابع الديني، نُصرة رسالة ما.
– هجرة اليهود إلى حوض زيز في القرن الخامس الميلادي والذي صادف استيراد المغاربة لجمل (Dromadaire) إيران، والتوفق في عبور الصحراء التي تشكلت إثر التغيرات المناخية التي شهدها المغرب ابتداء من 10 ألاف قبل الميلاد.
– الهجرات القبلية من جنوب المغرب إلى وسطه وشماله، باستثناء سدراتة وحدها التي هاجرت من الشمال إلى الجنوب، والتي تنتمي، في الحال، إداريا إلى إقليم تنغير.
– هجرات العنصر الإفريقي في العصر المريني، وفي العصر السعدي والاستقرار بالأحواض النهرية بالجنوب المغربي
– هجرة قبائل بني معقل واستقرارها بدرعة وسجلماسة، ذوي منيع، عرب الصباح، الروحا.
– هجرة اليهود من الأندلس إلى گرامة بواد گير وإلى نواحي الريش وبومالن دادس (يهود تليلت).
– الهجرة إلى أوروبا في السبعينات من القرن الماضي.
كل هذه المنعطفات ساهمت في بناء خصوصيات الجنوب المغربي عامة والجنوب الشرقي خاصة.
وتعد منطقة تنغير، وهي مرادف لواد تودغى هنا، نموذجا متأثرا بالهجرة منذ خروج العنصر الزناتي وظهور ايت تايارت، وهم أيت يزك، وأيت سنان، وأيت تودغت. وهي الآن بلاد موسوم بالهجرة إلى أوروبا الغربية.
«وعيا منها بالتحولات الاجتماعية داخل الهجرة المغربية وأهميتها بالنسبة للتنمية السوسيو اقتصادية للمغرب ولمنطقة تنغير» نظمت «جمعية الهجرة والتنمية بدعم من عمالة إقليم تنغير والمجلس الإقليمي، وبلدية تنغير، وبتنسيق مع فعاليات المجتمع المدني لقاء دراسيا للتفكير الجماعي حول دور المهاجرين في التنمية المجالية بالإقليم»، تحت شعار «المهاجرون فاعلون أساسيون في التنمية المجالية بإقليم تنغير» لقاء دراسيا غطت أشغاله يوم الإثنين 11 من شهر يناير من عام 2014 و12 منه بفندق بوگافر بمدينة تنغير، بمناسبة اليوم الوطني للهجرة. وحسب ما ورد في البيان الصحافي الذي حواه المعد للغاية، يعد «إقليم تنغير من بين المناطق الموسومة بالهجرة» كما سلفت إليه الإشارة، وجرى وقعها «على مستويات عدة، بحيث إن دور المهاجرين هو أكثر من مهم [أكثر أهمية: تمييز ملحوظ] في جميع المجالات، ويؤخذ بعين العناية من لدن السلطات الإقليمية والجماعات الترابية والمجتمع المدني». ووصف البيان المهاجرين المنحدرين بمدينة تنغير بأنهم «معروفون باندماجهم الناجح في بلاد المهجر، حيث اكتسبوا مهارات مهمة وخبرات، ومنهم من توفق في مساره السياسي، مع الارتباط بالمغرب»، والمنطقة التي ينحدر منها. ومن الانتظارات التي راهن عليها البلاغ الصحافي، أن اللقاء «فرصة من أجل تعميق النقاش حول الأدوار التي يلعبها المهاجرون في التنمية المحلية استناذا إلى الديناميات القائمة بالإقليم والإرادة السياسية المتوافرة لتعظيم الآثار الإيجابية والإمكانيات التي يمثلها أهل تنغير في الخارج «تينغيريو الخارج» للمجال. وبما أنهم في عالم مترابط فإن المهاجرين وجمعياتهم، والفاعلين المحليين والإدارات سيناقشون العديد من الأسئلة». فمنها «كيف ستجري تقوية الروابط مع المهاجرين وأبنائهم؟ وكيف سيحصل إدماج المهاجرين وأبنائهم في الإستراتيجيات المجالية، خصوصا المخططات الجماعية للتنمية؟ وما هي الأدوار التي يمكن للمهاجرين وأبنائهم لعبها في إنعاش التعاون اللامركزي؟ وكيف يجري تطوير تبادل التجارب والخبرات في مختلف الميادين لفائدة الجماعات الترابية والجمعيات المحلية؟ وكيف سيحدث بلورة التنسيق والالتقائية بين جمعيات المهاجرين والفاعلين المحليين؟». وانطلاقا من التجارب المنجزة من لدن المهاجرين وجمعياتهم والإدارات والفاعلين في ميدان التنمية المحلية وتوفير فرصة التعارف، ونسج العلاقات، علاقات التعاون، يضيف البيان «يهدف اللقاء إلى خلق دينامية للمشاريع الممكنة في السنوات المقبلة لأبناء تنغير المهاجرين».
حصل، في البدء، توزيع ملفات المشاركة الغنية بالوثائق، صباح يوم الإثنين 11 من شهر يناير من عام 2014 بفندق بوكافر بمدينة تنغير، وكان الحضور لم يرض الانتظار. ولئن كان استقبال المشاركين على الساعة التاسعة فإن الافتتاح انطلق على الساعة العاشرة والنصف، بعد وصول السيد عامل الإقليم وقيامه من مقامه.
سطرت في مداخلات الافتتاح تقديم كلمة السيد عامل إقليم تنغير، وكلمة السيد ممثل الوزارة المكلفة بالجالية المغربية وشؤون الهجرة، والكلمة الثالثة للسيد ممثل الجالية المغربية بالخارج، والرابعة لممثل المجلس الجهوي سوس ماسة درعة، والخامسة للسيد رئيس بلدية تنغير، والسادسة للسيد مدير جمعية الهجرة والتنمية، وآخر المداخلات كانت للسيد رئيس المجلس العلمي تحت عنوان «المهاجرون بين الاندماج والحافظ عن الهوية».
أولا، طور الافتتاح
دعي السيد عامل الإقليم لافتتاح اللقاء، وعبر عن أسفه: «استدعينا أكبر عدد من الجمعيات والهيئات،لكن في القلة ما يكفي!»، كانت مداخلته مجانبة نطاق الترحيب والمجاملة لتنصب على الموضوع، وكان بالإمكان ألا تدرج هذه المداخلة في الافتتاح لأهميتها وقوة مضمونها. لقد «ارتأينا تغيير أسلوب التعاطي مع يوم المهاجر ليكون يوم تفكير ونقاش. ولا بد أن نخال أن المهمة ليست للإدارة فقط، بل لهيئات المجتمع المدني والهيئة المنتخبة والهدف تحقيق التنمية البشرية على مستوى الإقليم، إقليم تنغير. وكلنا يعلم أن الجالية تحظى بعناية الدولة المغربية، وإن مجلس الجالية مؤسسة استشارية فاعلة في هذا المجال». وفوق ذلك يضيف السيد العامل، فإن «دستور المملكة المغربية خصص مجموعة من الفصول حول الجالية». وعاد إلى المناسبة وموضوعها ليؤكد أن «الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر تسليط الضوء على مساهمة المهاجرين القيمة، بما هي دعم قوي لتحقيق التنمية». ولا غرو، فالمهاجرون «رموز الغنى الثقافي للمغرب. وإنهم لحلقة هامة في أي معادلة تنموية، ويتجلى ذلك في قيمة التحويلات المالية بما هي تعبير عن أهمية الحلقة المذكورة»، فوق أن هؤلاء المهاجرين، بما هم فاعلون،«اكتسبوا مهارة وخبرة في التمويل». وعلى المستوى المحلي، زف السيد عامل الإقليم حبر إحداث دار المهاجر بتنغير، وثمنه «لما لها من دور في التواصل مع الصناديق»، وأضاف «ستقدم يد المساعدة وربط الاتصالات وسينجز هذا المشروع قريبا». واشمأز السيد العامل من المناسباتية في العمل، وألح على وجوب «توافر الخدمات لتشجيع المهاجرين إلى العودة إلى الوطن»، لذا وجب» استغلال كافة الفرص واستغلال الخبرات« لحثهم على العودة. وتحدث السيد العامل كذلك «عن برامج الاستثمار». وألح على الحرص على تثمين الجهود، والعمل على تحقيق الالتقائية. وختم كلمته/ مداخلته، بالقول التالي: «أهيب بالجميع إلى المشاركة المكثفة للخروج بتوصيات»، واعتذر عن طول كلمته التي استغرقت 25 دقيقة.
وقال الذي علّق على مداخلة السيد العامل «إن كلمته ليست ترجيبية، بل استهدفت المسيرة الديموقراطية. والشرط الديموقراطي يوفر أرضية مناسبة»، وأضاف أن دار المهاجر محطة مهمة. وأما الرهان الثاني في كلمة السيد العامل فهو رهان إستراتيجي. ذلك أن العلاقة مع أبناء المهاجرين واجبٌ [نعت سببي] تمتينها والمسؤولية للجميع. ولا بد من مد جسور الثقة معهم رهان العلاقات يستدعي الانكباب. وتشكل تنغير مجالا موسوما بالمهاجرين. وباختصار حوت كلمة السيد العامل الكثير من المحاور يمكن أن تؤثث الورشات.
كلمة السيد رئيس المجلس الإقليمية ترحيبية محضة شكر فيها جمعية الهجرة والتنمية، واليوم الوطني للمهاجر مناسبة لتأكيد مساهمة الجالية في تحقيق التنمية، وسار على منواله ممثل المجلس الجهوي.
اعتبر السيد رئيس المجلس البلدي بتنغير «شأن التنمية شأنا مشتركا. لكن في غياب مشاركة المجتمع المدني يظل عمل المجالس الجماعية ناقصا». وأضاف أنه «رافقنا هاجس المشاركة، مع المجتمع المدني والمهاجرين، ونحن نحاول تطوير هذه العلاقة بخلق دار المهاجر، من أجل إخراج هذا المشروع إلى الوجود. وسنحقق كل هذه المشاريع. هدفنا تحقيق التغيير ونريد إشراككم. ويجب عدّ ذلك تغييرا في أسلوب التدبير. ونحن نساهم في إقلاع منطقنا وتنميتها».
السيد ممثل المجلس الاستشاري للجالية المغربية بالخارج، ود أن يتناول الهجرة والتنمية عامة، والهجرة والتنمية في تصور مجلس الجالية، واقتراحات حول دار المهاجر. ولأنه عرضه كان بإيقاع سريع فقد تعذر نقل كل شيء.
ذكر بصدد ما يريده بأهمية الهجرة والتنمية، أن الهجرة بدأت سنة 1830 مع احتلال فرنسا الجرائر،تسمى الهجرة وقتها (تشرق) باللسان الدارج المغربي، أي السفر إلى الشرق، وسجلت الهجرة، في منعطف ثان سنة، 1912 ريث الحماية الفرنسية على المغرب. واستشهد بالإشارة إلى أغاني الحاج بلعيد حول «أمودو نباريس» أي: الرحلة إلى الخارج، في سنوات 60، وإلى مناطق أخرى. ووفرت الهجرة إمكانيات بسيطة، ساهمت في التدريس، وإنجاز بعض المشاريع. وأشار إلى أن «الندوة الأوروبية والإفريقية» حول الهجرة كانت بمبادرة من المغرب. وأضاف أن الهجرة والتنمية أساسيتان، حيث أصبحنا بلدا مستقبلا للهجرة، وكان لزاما إدماج هؤلاء المهاجرين في التنمية المحلية. والهجرة والتنمية في حاجة إلى سياسة مندمجة. ولا وجود لسياسات جهوية. وإن المجلس الاستشاري للجالية ليعطي أهمية للهجرة والتنمية. وحسبنا أن الظهير المؤسس للمجلس ينص على عملية التنمية. هنالك قام المجلس بمجموعة من الأنشطة، وأجرى تقييم السياسة الحكومية في تعبئة الكفاءات بالخارج، وهو برنامج هادف. ولا غرو، فإن للبرامج السابقة هدفا يكمن في الحد من الهجرة، وليس لها –البرامج- أهداف مستقبلية. وحسب المتدخل أن ليس هناك بد من حرية التنقل لتمكين المهاجرين من العمل المؤقت. واستقبح صعوبات الفهم الانتقائي للهجرة والتنمية، كما هو الحال في بلدية فجيج التي تستغرق مهاجرين يتنافسون على مشروع واحد. وعرج إلى ما ورد في مداخلة السيد برنامج عامل إقليم تنغير، وخال أنه برنامج يمكن تطبيقه. وكما ورد في مداخلة السيد العامل أشار إلى دار الهجرة وسرد بعض التجارب في المدن التي احتضنت دار الهجرة من ذلك تجربة الناظور وبني ملال، وأفصح أن عملها غير واضح، إذ ليس لها برنامج سنوي ومخطط إستراتيجي. لكن تجربة بركان التي تعود إلى سنة 1989يوم إحداث دار الهجرة، تظل منفردة، لا لشيء سوى أن المسيحيين أخذوها وأنشأوا مؤسسة تروم مساعدة المهاجرين العائدين إلى الوطن. فوق أن متابعتها تحصل عن طريق جمعيات الخارج، جمعيات كائنة مقراتها في هولاندا على سبيل المثال. وأوصى بضرورة إنشاء جمعيات لمتابعة ذلك العمل.
كانت كلمة السيد ممثل المجلس الاستشاري للجالية المغربية في الخارج مفيدة، ويحق أخذها بعين العناية. وقطع السيد رئيس جمعية الهجرة والتنمية على نفسه العمل على تطوير العلاقات مع الأطراف بدءا مع شبكات فرنسا.
ود رئيس المجلس العلمي، ألا تكون مداخلته «المهاجرون بين الاندماج والحافظ عن الهوية» افتتاحية، لذلك استرسل طويلا في تغليب الجانب الدعائي على الجانب المعرفي. تحدث عن البداية عن «تمازيرت» بالأمازيغية، والوطن جميعه. وحسب مداخلته تتمحور بين الاندماج والحفاظ على الهوية. ذلك أن هذا الموضوع، موضوع الهجرة، وضع تحت [في] دائرة الضوء. وأشار إلى أن هناك مجموعة من المشاكل تحول دون هذا الاندماج المنشود. وحب أن يجعل مستهل كلمته ما خاله مسكوكة من بين المسكوكات، وهي ليست حديثا نبويا، لكنها تجري على الألسن: «حب الأوطان من الإيمان»، وأكد صحة هذا الكلام/ المسكوكة من حيث المبنى، ومن حيث المعنى.
ولم يتردد من سرد أمثلة من هجرة الرسول، ليخلص إلى أن الإنسان جَبَل على حب الوطن، وأن المؤمن سيعمل على رقي الوطن. وشهد أن «جالياتنا معروفون على الدوام بحب وطنهم». وربط ذلك بعودة المهاجرين في العطل، ولما ينتهي المسار المهني لأحدهم ريث التقاعد، وإقدام بعضهم على متابعة الشأن الوطني، وظن ذلك دليلا قاطعا على حب الوطن. ولم ينف أن المهاجر المغربي في بلاد المهجر يحاول الاندماج. وفي جميع الأحوال أوصى بوجوب تمكين الذين يقصدون المغرب من حقوقهم. وألح السيد المندوب على المحافظة على الهوية معتقدا أن معاقلها الجنس، والدين، والعادات، والتقاليد، والثقافة. وأفصح أن هناك هويات متعددة: هويات مرتبطة بالمجال الديني، وأخرى مرتبطة باللغة والثقافة. وود أن يركز على الدين الذي تستقى به حياة المسلم. وأكد أن الجانب الغربي يبذل مجهودا للتعرف على هذا الدين، بما هو الضامن للثوابت من ذلك إمارة المؤمنين، إذ لا وجود لإمارة المؤمنين إلا في المغرب. هنالك وجب القول، إن الجالية المغربية مدعوة بتشبثها بالدين وفق الثوابت، وإن مؤسسة المسجد مهمة في ضمان التعايش. ومن جوانب غلو السيد المندوب ربط علم الكلام الأشعري، الذي يقدم النقل على العقل، بالانفتاح الديموقراطي. وهناك مواقف أخرى، تستدعي النقاش لكن ليس عليه جناح مادام يبتغي تغليب الجانب الدعائي على الجانب المعرفي.
ثانيا: طور المداخلات
كانت المداخلة الأولى للسيد محمد نعيم أستاذ باحث في الكلية المتعددة التخصصات بأسفي. عنوانها، «الهجرة والتنمية، الطور والمواصفات المحلية»، «Migration et développement : évolution et caractéristiques locales»
تناول في البدء ظاهرة الهجرة بالإشارة إلى أنه منذ التسعينات والهجرة متنامية بشكل يثير الإعجاب «impressionnante» [سنحاول إدراج الكلمة بالفرنسية خشية السقوط في فجور، وإرجاف ناتج عن سوء الترجمة]. وأضاف أن الحركة الهجروية تهم الدول المتقدمة والدول المتخلفة كلتيهما [توكيد معنوي منصوب بالياء لأنه ملحق بالمثنى]. وهناك عدة عوامل تعزز تنقل الأفراد على سطح الأرض، من ذلك استفحال اللامساواة، وتقدم وسائل النقل والمواصلات، وإشاعة الصور وإذاعة الأخبار، وغير ذلك. وحسب إحصاء الأمم المتحدة فإن أكثر من 200 مليون مهاجر يهاجرون في الأرض، ونسبتهم تقدر بحولي 3,3% من سكان العالم. وهناك تدفق (تدفقات) الهجرة «les flux migratoires» السرية غير شرعية بنسبة 30 مليون نسمة، ولقد بات من الصعب حصرها بشكل رسمي. وإن إحصاءها من لدن الأمم المتحدة سنة 2000 مقدر ب30%، وهي نسبة تبعد كل البعد عن الحقيقة، لأنه من غير المنطقي ضبط هجرة تحصل خارج القنوات الرسمية. ويعنينا أن أكثر من 70% من المهاجرين السريين والعلنيين ينطلقون من الدول النامية. وعن المهاجرين المغاربة ثبت أن الجالية المغربية بالخارج تناهز 4،5 مليون نسمة. وتمس الهجرة من حيثُ سريتُها وعلنيتُها جميع المجالات الترابية في السبعينات وتمس بعض مناطق المغرب، وجميع فئات المجتمع المغربي، ولأنها تهم الأوساط القروية والحضرية فهي ظاهرة عامة. وفي العقود الأخيرة عرف المهاجرون المغاربة في الخارج (MRE) انتشارا واسعا حيث بدأت تعم جميع دول العالم. ولئن كانت الهجرة منذ 1965 وما بعدها تتجه نحو فرنسا، فقد بدأت تنتشر في دول العالم. ولم يتردد الأستاذ محمد نعيم في تقديم مبيان توضيحي. تفسيره، أن هناك انتشارا واسعا للجالية المغربية في العالم: %83.3 يستقرون بدول أوروبا الغربية و%5.6 في أمريكا، و10.8% في الدول العربية، و0،3% في باقي دول العالم.
وبعد هذا التقديم العام، اعتمادا على منهج يقضي الانتقال من الكل إلى الجزء، انتقل الأستاذ محمد نعيم إلى الحديث عن الهجرة بالجنوب الشرقي المغربي. وإنه منذ قديم الزمان وسكان الجنوب الشرقي يهاجرون خارج المنطقة. وهناك هجرات نحو الجزائر منذ احتلالها من لدن فرنسا. وحسب (NOIN D) أحصيَت 8500 عامل مهاجر مغربي بفرنسا في الأسدس الثاني من سنة1966ثلثهم (أي 3700 عامل) ينحدرون من إقليم ورزازات. ويحتل إقليم ورزازات ثالث حوض هجروي (base migratoire) بعد سوس والريف. وما بين 1966 و1976 يشكل المهاجرون المنحدرون من إقليم ورزازات (7,9%) من المهاجرين العاملين المستقرين بفرنسا. وتحتل بومالن دادس 53,3% من العمال المغاربة بالخارج (TME) المنحدرون ساعتها من إقليم ورزازات. وعرض الأستاذ محمد نعيم مبيانا للعمال المهاجرين المنحدرين من الجنوب الشرقي والمستقبلين [اسم المفعول] في مناجم شمال با- دو- كالي (Nord- Pas-de-Calais 1947) بفرنسا سنة 1947. 147 عاملا أصلهم من تافيلالت، و90 أصلهم من إقليم ورزازات، و414 من منطقة سوس، وعامل واحد (1) ينحدر من الدار البيضاء، وعامل آخر من تادلة. وبعد سرد المهاجرين من حيث عددُهم وموطنُهم الأصلي، وسمةُ مهجرهم، انتقل إلى التحويلات. فقد جرى، حسب البنك العالمي، تحويل 305 مليار دولار 2008 في اتجاه الدول النامية، وهو أكثر من ضعف ما يرصد لها من المساعدات لغاية التنمية المقدرة ب106,5 مليار دولار. وتشكل هذه الاعتمادات 2/3 الاستثمارات الأجنبية المباشرة (investissements étrangers directs) (IED) في البلدان السائرة في طريق النمو. وإن هذه الأرقام أقل من الحقيقة. وأضاف أن التحويلات على المستوى الوطني مهمة.
ويستفيد المغرب من منّ (المنّ la manne ) هجروي مهم جعله يحتل مكانة هامة على مستوى التحويلات. وحسب إحصائيات كامنة في متن تقرير البنك العالمي سنة 2007 فإن المغرب يحتل المرتبة العاشرة 5.3ب مليار دولار من العائدات. وبإزاحة الدولة المتقدمة جانبا، خارج فضاء الترتيب، نلفى المغرب يحتل المرتبة الرابعة بعد الهند(45 مليار دولار) والمكسيك (26 مليار دولار)، والفيليبين 18 مليار دولار. وعرض مبيانا توضيحيا ، وخلص إلى أن الهجرة تحولت من الهجرة الفردية إلى الهجرة العائلية، ومن الهجرة الذكورية إلى الهجرة النسائية، ومن الهجرة العمالية التي تشمل غير المؤهلين، إلى هجرة الكفاءات، ومن هجرة الأشخاص في سن العمل إلى هجرة القاصرين، ومن الهجرة المؤقتة إلى الهجرة الدائمة. وكان الهدف من الهجرة تحسين عيش الأسر وضمان رفاهها، ومستوى عيشها، وضمان مسلتزمات الصحة والتطبيب، وضمان التدريس، والتوافر على سكن لائق.
وانتقل بعد ذلك إلى الوقوف عند علاقة التحويلات والتحولات الاجتماعية بالجنوب الشرقي المغربي. ففي البدء يشغل الأشخاص، ويقومون بإعادة بناء مساكنهم، ويساهمون في تنمية محيطهم بحفر الآبار، وبناء المساجد، وخزانات الماء. لكن ذلك نشأ يحصل في البدء خارج القانون، وليس في إطار جمعيات رسمية. وعقب ذلك نشأ خلق جمعيات المهاجرين في وقت متأخر. وحسبنا أن هذه الجمعيات لعبت دورا مهما في الوسط بالجنوب الشرقي المغربي، ويعد العمل الجمعوي أداة لفك العزلة، وقد ساهم في تكثيف العلاقات، وتفعيل التعاون غير المركز. إن العمل الجمعوي، من هذا المنظور، ساهم في تحقيق التنمية.
عمل المهاجرون على إنشاء بعض المشاريع مما مكن من إعادة توزيع عائداتهم، وحمل إلى الاقتصاد المحلي موارد نقدية مهمة، مما فتح المجال لأسر لا تتوافر على مهاجرين من الاستفادة من دخل الهجرة، والانخراط في دينامية اقتصادية واجتماعية مجالية.
المداخلة الثانية كانت للأستاذة فاطمة عراش حول «المقاربة الحقوقية للمهاجر المغربي»، أشارت في البدء إلى أننا: «اليوم بصدد الاحتفال باليوم الوطني للمهاجر المغربي وبهده المناسبة وكلجنة جهوية لحقوق الإنسان بالرشيدية ورزازات» فإن مداخلتها ستنصب حول المقاربة الحقوقية لأوضاع المهاجرين. وإن ذلك قد يجرها «للحديث عن التحولات التي عرفها المغرب في خضم الصراعات التي عاشتها الشعوب العربية. ذلك أن المغرب، وبجميع مكوناته، فطن لهذا الظرف، وكان الكل يساهم في إرساء دعائم الديمقراطية وبناء دولة الحق و القانون». و«لأجل ذلك فتحت مجموعة من الأوراش على عدة مستويات سواء منها السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، وفي كل هذا كان المواطن المغربي المهاجر في صلب القضية، الشيء الذي يظهر جليا في دستور 2011». بعد هذا التقديم تناولت الأسس المعيارية في إطار المقاربة الحقوقية للمهاجر المغربي مذكرة أن الدستور المغربي نصّ «صراحة على حقوق مغاربة العالم ومصالحهم في علاقتهم مع وطنهم الأصلي بشكل غير مسبوق»، وسردت مجموعة من الفصول ذات الصلة
(الفصل 5) ، و(الفصل 16) الذي ركز «على مسؤولية الدولة المغربية في حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنات والمواطنين المغاربة المقيمين في الخارج»، و(الفصل 17) الذي أكد «على تمتيع مغاربة الخارج بحقوق المواطنة كاملة مع التأكيد على الحقوق السياسية والتنصيص الصريح على حق التصويت والترشيح للانتخابات؛ بما يعني مزاولة هذا الحق من داخل وخارج الوطن وداخل تقطيع انتخابي لا يتجاوز الحدود الجغرافية للمغرب. كما نص هذا الفصل صراحة على مسؤولية الحكومة في إصدار قانون يحدد معايير أهلية الانتخاب وحالات التنافي وشروط ووسائل الممارسة الفعلية لحق مغاربة العالم في الترشيح انطلاقا من بلدان إقامتهم»، و«(الفصل 18). و»لم يُغفل الدستور مسؤولية السلطات العمومية في إشراك مغاربة الخارج في باقي المؤسسات الاستشارية وهيآت الحكامة الجيدة التي أحدثها». وأتى «دستور 2011 ليؤكد استمرار الارتباط بين مغاربة الخارج بالمغرب، وفتح المجال لمن أراد منهم المساهمة في الشأن السياسي الداخلي بكل حقوق المواطنة وواجباتها». ولم تتردد في التمثيل ببعض المجالات من ذلك الزواج حيث «تضمن قانون مدونة الأسرة مقتضيات, تتعامل بمرونة مع زواج المغاربة في المهجر بتبسيط مسطرته, مراعاة لخصوصيات ظروفهم، و تؤكد تأسيس الأسرة على أسس المساواة والتكافؤ والمعاشرة بالمعروف بين الزوجين بناء على التراضي وعلى سبيل الدوام والاستمرار, منفتحة على المرجعية الكونية في تكريس مبدأ المساواة بين الزوجين في رعاية الأسرة, مما يجعل الإخلال بهذه المبادئ أمرا صعبا, يضطر الزوجين إلى اللجوء إلى الطلاق كحل استثنائي». ومنه الطلاق. ذلك أن «مسطرة الطلاق تستلزم جلسات الصلح بين الزوجين، والتي تستوجب جلستين على الأقل في حالة وجود أطفال مما يخلق عدة صعوبات منها ما هو اقتصادي، اجتماعي»، وكذا التدابير التي حصل اتخاذها لتجاوز هده الصعوبات.
وانتقلت إلى تناول الاتفاقيات المبرمة مع الدول التي تحضن المهاجرين المغاربة والمقاربة الإنسانية للسياسة الجديدة للهجرة بالمغرب، وهي «المقاربة التي اعتمدها المغرب في التعامل مع ملف المهاجرين هي مقاربة إنسانية وحقوقية بالدرجة الأولى حيث تحترم الالتزامات الدولية للمغرب في مجال مراعاة حقوق الإنسان وتختلف عن تلك المعتمدة بالدول الأوربية». ذلك أن «الفئات المستهدفة من هذه العملية تستغرق اللاجئين والمهاجرين المقيمين بشكل مستمر لمدة خمس سنوات بالمغرب، والأجانب المتزوجين من مغاربة والذين يثبتون علاقة زوجية مستمرة لمدة سنتين ، والأجانب المقيمين بالمغرب لمدة أربع سنوات من الحياة المشتركة، والأطفال المزدادين في إطار حالتي الزواج السالف الذكر ، والأجانب الذين يتوافرون على عقود عمل لا تقل عن سنتين، والأجانب المصابين بأمراض خطيرة قبل 31 دجنبر 2013».
وانتقلت إلى المستجدات التي جيء بها نتيجة قرار تسوية ملفات اللاجئين والمهاجرين من ذلك «خلق وزارة جديدة مكلفة بشؤون الهجرة»، و«تفعيل الفصل 30 من الدستور وخلق مكتب للمهاجرين»، و«إصدار دورية لوزارة التربية الوطنية قصد تمكين أبناء المهاجرين من ولوج المدارس العمومية »، و«خلق 83 مكتبا إقليميا لدراسة طلبات تسوية وضعية المهاجرين»، و«حيث إن المجلس الوطني لحقوق الإنسان اشتغل على ملف الهجرة منذ مارس 2013 وأوصى ببعض التدابير في هذا الشأن لتمكين المهاجرين من العيش في كنف العائلة وتوفير شروط الاندماج في المجتمع المغربي . ومن بين هذه التدابير: «زجر المشغلين للمأجورين من المهاجرين في وضعية غير قانونية»، و«تسهيل تسجيل ولادات المهاجرين وإصدار شهادة الوفيات»، و«إدماج جمعيات المهاجرين وتسوية الوضعية القانونية لها»، و«بلورة برنامج لمناهضة الميز العنصري ضد المهاجرين»، و«تنظيم حملات تحسيسية لدعوة وتشجيع العمال الأجانب للانخراط في النقابات المغربية»، و«إشراك المجتمع المدني في اللجان الإقليمية لتسوية وضعية المهاجرين حيث بلغ عددها 147 جمعية».
المداخلة الثالثة كانت تحت عنوان «أنموكار نتاروا نتمازيرت» باللغة الأمازيغية للأستاذ عبد الرزاق الحجري، أغفل تفسير العنوان باللغة العربية، وتعني«أنموگار» المهرجان أو الملتقى ذلك أن عبارة «نمگار» تعني التقينا، و«تاروا» تفيد الأبناء و«ن» رابط الصلة يفيد بالفرنسية «de»، و«تمازيرت» أي الوطن، أو البلدة الأصل.
عرض بواسطة المسلط الضوئي خريطة المغرب ككل ليمعلم فيها مجال ممارسة الجمعية «جمعية الهجرة والتنمية» التي يمثلها، ، وربط بأسهم ذوات حذين بين الجنوب الشرقي ومواضع بخريطة أوروبا الغربية، ليثبت بالتمثيل الكارطوغرافي أن منطقة تنغير تدخل ضمن مجال اشتغال الجمعية، وأن مجال اشتغالها يحوي أوروبا الغربية وجزء كبير من الجنوب المغربي. وصرح في البدء: «نحن لا ندعو إلى عودة المهاجرين وذاك قرارهم». لكنه استدرك بالتركيز على آصرة القرابة العاطفية بين المهاجرين إلى أوروبا الغربية و«الدوار»، والتي تعني في الجنوب الشرقي المغربي «القصر» باللسان الدارج، و «إغرم» بالأمازيغية، وابتغى من وراء ذلك البيان بالملموس الارتباط بالدوار مصرحا أن المهاجرين «حافظوا على الروابط القوية مع أرضهم وعائلاتهم وثقافتهم ومجالهم». وأفصح أنهم لايفتأون يجهزون المساجد.
وعبر عن مبتغى الجمعية، جمعية الهجرة والتنمية، « تنظيم الجمعيات المحلية في لجان». وعلل ذلك بالعودة إلى النقط العمرانية منطلق المهاجرين نحو أوروبا الغربية، عارضا بعض الصور المذيلة بتعاليق تفيد أن أصول المهاجرين أوساط جغرافية بمثابة مناطق طرد السكان:
– «مناطق جبلية يعيش سكانها في تجمعات سكانية (الدوار) ما بين 1000 متر من العلو على سطح البحر و2000 منه»، تعليق مذيل بصورة التجمع العمراني (دوار) أيت بولمان. يبدو في الصورة مقعرا جبليا يحتضن شريطا زراعيا، مسقيا ضيقة مساحته، قليلة أشجاره.
– « قرويون هاجروا منذ بداية الستينات نحو المدن المغربية ونحو الخارج … ولكنهم حافظوا على الروابط القوية مع أرضهم، وعائلاتهم، وثقافتهم ومجالهم ». تعليق مذيل بصورة التجمع العمراني (دوار) أتوغا. تبدو في الصورة الزراعة في المدرجات التي يعلوها مجال معمر بالدور المتواضعة. وللحفاظ على التربة في سفح شديدٍ انحدارُه انتشرت المغروسات الأشجارُ [بدل مطابق] الغابوية والمثمرة.
– «مجال يعاني من الجفاف منذ أواسط السبعينات» يحتل وسط المقصورة (Slide)، مجرد من الصورة.
وخلص الأستاذ عبد الرزاق الحجري إلى أن «هذه العوامل عجلت من الهجرة وأسرعت وتيرة الهجرة».
وعرج عقب ذلك إلى التعريف بجمعية الهجرة والتنمية: «تأسست جمعية الهجرة والتنمية في بداية 1986 من لدن مجموعة من المهاجرين المنحدرين من إقليم تارودانت، خاصة تالوين، لإنعاش التبادل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط وتنشيط العلاقات بينهما عن طريق المهاجرين، بما هم فاعل رئيسي في تلك العلاقة». تحتكم الجمعية إلى ثلاثة مبادئ: الشراكة والعدل والمقاربة التشاركية. وأما ثنائية الهجرة والتنمية، فمقاربة شمولية، تأسست بشكل تدريجي وتجريبي .
في البدء جرى الاعتناء بالبنيات التحتية، مشاريع الكهرباء القروية، ومشاريع الماء الشروب، وصيانة المجال، والآبار، وبناء سدود تلية، وشق قنوات للري، وإحداث مواجل الري (صهاريج) [كما في الصورة] المدعوة بالأمازيغية (تيجام).
وفي سنة 2000 وقفت الجمعية وقفة تقييمية فكان، في الثاني، برزت مشاريع الاقتصاد المحلي: الفلاحة، والسياحة، والصناعة التقليدية، وكان تثمين المنتوجات المحلية، وأنشئت مشاريع لتكميل الاقتصاد المحلي. وحصل الاهتمام بالتنمية البشرية عامة، التربية، والصحة، وتقوية قدرات الجمعيات المحلية.
وجرى عُقْب ذلك دعم السياحة القروية التضامنية ببناء 19 مأوى سياحيا جرى إنجازها من لدن المهاجرين في إطار برنامج دعم من الاتحاد الأوربي ووكالة التنمية الاجتماعية. ولأن السياحة ليست مأوى فقط، فكان لا بد من الاعتناء بالمجال وبالدينامية المحلية.
• وابتداء من سنة 2009 جرى «إلى الجماعة المحلية لإدماج المهاجر في هذه المخططات، وكان الانتقال من الغياب المزدوج إلى الحضور المزدوج. هنالك اكتسب أبناء المهاجرين مواطنة» كاملة. وبموازاة ذلك برزت مشاريع إنعاش المجال، و دعم الحكامة المحلية. وكان بناء دار التنمية بتالوين بإقليم تارودانت كفضاء للتكوين وأداة لتعبئة الفاعلين المحليين واحتضان ملتقيات محلية، إقليمية …ودولية . و«مع الاحتفاظ بدور المهاجرين في التحويلات. لا يجب اختزال المهاجر في هذا الجانب».
وتساءل الأستاذ عبد الرزاق أخيرا:«كيف يمكن ضبط القدرات التي لدينا والتي لدى المهاجرين؟ علما أن هناك مشاركةً سياسيةً، وهناك مهاجرون لهم الانتماء للمغرب.
المداخلة الأخيرة للأستاذ المقتدر لكبير وحجو حول «الأرضية الجماعاتية للتنمية وسيلة لتفعيل الآداء التنموي»، أو باللسان الفرنسي « La plate forme communautaire de développement, un outil de mise « en œuvre des actions de codéveloppement – Maroc
ركز في البدء على المحلي. وكدأبه، وبما هو معلم كبير، بالمفهوم الفلسفي لكلمة معلم، يعتمد الأستاذ الدكتور لكبير وحجو على المنهج التوليدي، يولد الأفكار انطلاقا من السؤال، ولا يقبل من الجواب إلا الذي يقبله العقل، بعد إخضاعه هو الأخر، للسؤال، إلى أن يكون ممحصا، بما تعني كلمة التمحيص (التطهير) من معنى. تساءل عن التنمية المشتركة المقصود بها. ليجيب:«إنها تكامل على مستوى التنمية، وهي عبارة عن استمرارية بين المجالية في المجال الأصلي، والمجال الاستقبالي. إنها تنمية مشتركة، لذلك، ميزنها عن الإطار العام للسياسة. هنالك وجب الأخذ بعين العناية الجانب المؤسساتي». لكن «هل نوفر للمهاجر الإطار المؤسساتي؟». «إن الإمكانية متوافرة على مستوى الدستور، والإرادة، يمكن القول، إنها متوافرة هي الأخرى، مادام المغرب دخل مسلسل الإصلاح». فالسؤال عند الأستاذ لكبير وحجو، في حد ذاته، فرضية، والجواب لا يستقيم عنده حتى يتأسس على دليل. لذلك عرض مجموعة من فصول الدستور ذات الصلة بالموضوع بعد أن استرسل في تعريف التنمية المشتركة.
التنمية المشتركة أو التعاون التنموي «codéveloppement»، مصطلح قديم وحديث في نفس الآن. ومعناه في حاجة إلى بعض الحفر. ولما كان المقطع القبلي (البادئة le préfixe) «co» يفيد «مع»، ويوحي إلى العمل المشترك والتعاون والتنسيق الآني. فإن الدكتور لكبير وحجو ود أن يستعمل مصطلح التنمية المشتركة وهو مصطلح موحٍ، لارتباط الفعل بالتعاون بين المهاجر وبلاد المهجر، وبين المهاجر والوطن الأصلي.
يرجع معنى «codéveloppement» حسب الأستاذ لكبير وحجو إلى:
– البحث عن التكامل بين الهجرة والتنمية طمعا في تثبيت الاندماج في الأرض المستقبلة (اسم الفاعل) دون إغفال التضامن مع البلد الأصل.
– يُنظر إليها كتثمين عمل المهاجر تجاه بلده الأصلي، من حيث الاستثمارُ المنتجُ وتحويل الكفاءات والتجارب.
– إنشاء استمرار المجال، والتنمية المشتركة (المتقاسمة) التي يحملها المهاجرون، بما هم عُرضة لنسج شبكة من العلاقات حول الإشكاليات المشتركة (المتقاسمة)، من ذلك تهيئة المجال، والديموقراطية التشاركية، والتنمية المستدامة.
وتعد التنمية المشتركة «codéveloppement» ممارسةٌ اجتماعيةٌ، ممارسةَ القرب. ولأن المهاجر مدعو للمشاركة في تنمية بلده الأصلي، مسقط رأسه، بأشكال مختلفة ووسائل، فإن التنمية المشتركة «codéveloppement» تختلف عن السياسات العمومية بما هي تؤطر الممارسات السائدة. وتوفر التنمية المشتركة بالمغرب «codéveloppement» عدة فرص من ذلك السكان المستقرون في المواطن الأصلية، وهيئات عمومية وتنظيمات قائمة، ومهاجرون، ونظام سياسي قار.
وأما مواد الدستور ذات الصلة بالموضوع فهي كالتالي:
الفصل12
«تُؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية، …. تُساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها»
الفصل.13.
«تعمل السلطات العمومية على إحداث هيئات للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها».
الفصل 14: للمواطنين والمواطنات، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي، الحق في تقديم اقتراحات في مجال التشريع.
الفصل 15: للمواطنين والمواطنات الحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية.
الفصل 16 :
«تعمل المملكة المغربية على حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين والمواطنات المغاربة المقيمين في الخارج، …. كما تحرص على الحفاظ على الوشائج الإنسانية معهم، ولاسيما الثقافية منها، وتعمل على تنميتها وصيانة هويتهم الوطنية.
تسهر الدولة على تقوية مساهمتهم في تنمية وطنهم المغرب، وكذا على تمتين أواصر الصداقة والتعاون مع حكومات ومجتمعات البلدان المقيمين بها، أو التي يعتبرون من مواطنيها. «
الفصل17
يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية، المحلية والجهوية والوطنية…..
الفصل 18
تعمل السلطات العمومية على ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين في الخارج، في المؤسسات الاستشارية، وهيئات الحكامة الجيدة، التي يحدثها الدستور أو القانون.
الفصل 163
يتولى مجلس الجالية المغربية بالخارج، على الخصوص، إبداء آرائه حول توجهات السياسات العمومية التي تمكن المغاربة المقيمين بالخارج من تأمين الحفاظ على علاقات متينة مع هويتهم المغربية، وضمان حقوقهم وصيانة مصالحهم، وكذا المساهمة في التنمية البشرية والمستدامة في وطنهم المغرب وتقدمه.
وانتقل إلى الميثاق الجماعي لينعته بأنه هو الأخر قاعدة مؤسساتية، لأنه حوى لجنة تكافؤ الفرص، وفي الفصل الأساسي هو الفصل 36 ينص على إنجاز المخطط الجماعي للتنمية. ومن بين المواد التي عرضها:
المادة 14
«يشكل المجلس الجماعي لجانا لدراسة القضايا وتهيئ المسائل التي يجب أن تعرض على الاجتماع العام لد عليها…..ويتعين تشكيل أربع لجان دائمة في الجماعات ….
تحدث لدى المجلس الجماعي لجنة استشارية تدعى لجنة المساواة وتكافؤ الفرص تتكون من شخصيات تنتمي إلى جمعيات محلية وفعاليات من المجتمع المدني يقترحها رئيس المجلس الجماعي».
المادة 36
«يدرس المجلس الجماعي ويصوت على مشروع مخطط جماعي للتنمية، يعده رئيس المجلس الجماعي.
يحدد المخطط الجماعي للتنمية الأعمال التنموية المقرر إنجازها بتراب الجماعة لمدة ست سنوات، في أفق تنمية مستدامة وفق منهج تشاركي، يأخذ بعين الاعتبار على الخصوص مقاربة النوع».
المادة 42 التعاون والشركة
«يقوم المجلس الجماعي بجميع أعمال التعاون والشركة التي من شأنها أن تنعش التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية … مع الإدارة والأشخاص المعنوية الأخرى الخاضعة للقانون العام والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين الخواص، أو مع كل جماعة أو منظمة أجنبية… يدرس ويصادق على اتفاقيات التوأمة والتعاون اللامركزي، ويقرر الانخراط والمشاركة في أنشطة المنظمات المهتمة بالشؤون المحلية وكل أشكال التبادل مع الجماعات الترابية الأجنبية…»
ومادامت المرجعيات المؤسساتية واردة، فيمكن إدخال المهاجر. ذلك أن هناك جماعات تتوافر على المهاجرين لكنها لا تتوافر على موارد. والحل وجوب التعرف على الخبرات على المستوى المحلي. لأجل ذلك «وضعنا أرضية مشتركة».
تقوم الأرضية على منطلق عام، أنه «في كل مخطط جماعي نلمس الحاجيات، ومجموعة من الموارد، التي لا نعرفها. والموارد البشرية، قد تقوم على خبرات وعلى نسيج من العلاقات. فهي، بمعنى ما، مجموعة من الخبرات ومجموعة من الكفاءات. لذا فكرنا في آداة منهجية لتسهيل العمل. فالمهاجر عبارة عن فاعل، والمهاجرون، بما هم في وضع خاص فهم النوع الاجتماعي. فما هي أدوات العمل؟ وما هي جوانب التزامات المهاجرين تجاه هذا العمل؟ لذلك كانت الأرضية، وهي مقترح في حاجة إلى التطوير.
ودون الوقوف عند التجربتين المعروضتين، نستخلص ما يلي:
– المهاجر جسر التنمية بين بلده الأصل والمهجر. لذا وجب إعادة النظر في الجسر، واستثماره أحسن الاستثمار وفق ما ورد في أرضية التنمية المشتركة.
– ضرورة الانتقال من العمل الخيري، بناء المساجد وتوزيع المحافظ والألبسة إلى العمل المعقلن والمهيكل.
– دعم الجمعيات التي تُعنى بالهجرة من حيث استثمار إمكانيات المهاجرين المادية والمهاراتية.
– توظيف الإمكانيات التي توفرها الهجرة في الحفاظ على الهوية الثقافية لمنطقة تنغير خاصة والجنوب المغربي عامة.
– تثمين عمل المهاجرين المنظم وغير المنظم وإجراء التشخيص المنتظم للوقوف عند بعض المؤشرات.
– ضرورة انخراط الهيئات الحقوقية لملامسة ما حصل إنجازه من لدن المهاجرين من ذلك تيسير الولوج إلى التعليم والصحة، والاعتناء بالحقوق الثقافية، والتنسيق مع المهاجرين جمعياتهم للنهوض بحقوق الإنسان بالجنوب المغربي.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

  • 1

    مقال رائع ينم عن بحث ومجهود كبير يلامس تاريخ وقضايا الهجرة والمهاجر واثاره على التمنية المحلية عبر سيرورة تاريخية تنويه