للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : jeudi 16 février 2017 - 8:36

وادي دادس وادي امكون بعيون الضابط الفرنسي جاك فيلز (Jacques Felze)

الأستاذ محمد حمام – جامعة محمد الخامس – الرباط

 » عبر المغرب المجهول في الأطلس الكبير والجنوب المغربي 1 « ، هو عنوان الكتاب الذي صدر سنة 1935 للضابط جاك فيلز (Jacques Felze)، وللرسام ثيوفيل – جان دولاي (Théophile – Jean Delaye). وكلاهما فرنسيان، الأول كتب نصه، والثاني رسم اللوحات المنبثة بين ثناياه، والتي فاق عددها مائة وأربعين لوحة، تعكس مجالات مختلفة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والثقافية والإنسانية، لمناطق الأطلس الكبير الغربي والأوسط وما إليها جنوبا في المغرب الشبه –الصحراوي. وهي كلها أعمال فنية رائعة تبرهن عن مدى مهارة وبراعة صاحبها في فن الرسم. حجمه متوسط، وعدد صفحاته 184 صفحة. وكما يدل عليه عنوانه، هو تجوال واستطلاع في المناطق التي يتحدث عنها غداة تقدم القوات الفرنسية فيها، بدعم من قواد الأطلس الكبير. واعتبر جاك فيلز في المقدمة، أن كتابه هذا، ما هو إلا سجل لذكرياته عن الجنوب المغربي الذي يعرفه أكثر من أي منطقة أخرى في المغرب، مضيفا أن وقوع هذا المجال الواسع بين سلسلة جبلية عليها قمم يفوق علوها 4000 مترا، وبين الواحات الممتدة في الصحراء، جعله يحتضن مظاهر جغرافية وحضارية شتى. كما لاحظ أن نفس المجال، يتميز عموما بوحدة سكانه المشكلين أساسا من الأمازيغ، عدا بعض القبائل العربية في سوس وكذا الدم المختلط الذي يمثله الحراطين في وادي درعة. وأكد في نفس الوقت أن جبال الأطلس، هي القلب النابض للمغرب، لما لها من أهمية في جغرافيته، لكونها مصدرا للمياه، وما لذلك من تأثير على الاقتصاد والمجتمع والسياسة في المغرب كله. وبالنسبة إليه، فإن أهمية معرفة هذه المناطق تأتي، إذا استحضرنا أنها ظلت لعدة قرون رافضة للهيمنة الأجنبية لفرط تمسك سكانها بالاستقلال. وعلى النقيض من ذلك، فإن سيادة الفوضى لدى القبائل التي كانت محدودة واستثنائية في الزمان والمكان أحيانا، جعلت كبار قواد الأطلس، يستحوذون على عدد مهم منها، في بداية الاحتلال. وهكذا، تقاسم السيطرة بالقوة، وبشكل متفاوت، على الأطلس الكبير جنوبي مراكش، كل من القائد المتوكي والقائد الكندافي والقائد الأكلاوي، الذين بتحالفهم مع المحتل الفرنسي رسخوا نفوذهم وضمنوا له الأمن في هذه الربوع. وفي الأخير، أشار إلى أن ما قام به في هذه المناطق التي استهوته لم يتوقف عند المعاينة الميدانية، بل تعداه إلى محاولة فهم المغرب والتعرف عليه أكثر، وجعلته بالتالي يحبه حبا كبيرا، وبحرية.
لا نعرف شيئا عن المؤلف سوى ما يستشف من المقدمة ومن الكتاب نفسه فهو ضابط عسكري ذو تكوين جغرافي متين، مهمته ضبط طوبوغرافية المناطق التي كانت تتقدم فيها القوات الفرنسية، ووضع الإحداثيات لمجالاتها ورصد الأماكن الإستراتيجية قصد رسم الخرائط العسكرية.
هذا، ورغم أن الكتاب ذو نبرة استعمارية واضحة، فإن فصوله الإحدى عشر ة لا تخلو من معطيات جغرافية واثنوغرافية متنوعة هامة، تتعلق بالأماكن التي مر منها جاك فيلز (Jacques Felze)، انطلاقا من أسوار مدينة مراكش، وانتهاءا بإيمي نونكام بجبل باني، مرورا بعدد من الأماكن والبلدات، لعل أبرزها أطلس مراكش (أمزميز، وجبل طوبقال وتينمل، وتكندافت، وإسكساون)، وسوس وساحله (تارودانت، وأكادير، وتيزنيت)، وأطلس دمنات (دمنات، وأزلال، وأيت بوكماز، وأيت بوولي)، وطريق مراكش – ورزازات التي تسمى أيضا طريق تيزي نتيشكا (تدارت، وتيزي نتيشكا، وتلوات، وأيت بنحدو، وقصبة تاوريرت بورزازات)، ووادي دادس (سكورة، وإيماسين، وقلعة امكونة)، وجبل امكون ودادس الأعلى ( زاوية عيفر، الصعود إلى قمة إيغيل نومكون، وقصر أيت عربي بأيت سدرات نيغيل)، والأطلس الصغير (إيمني، وتيكيرت، وخلاء باشكون، وتازناخت، وألوكوم، وإيمي نزكيط)، وأخيرا وادي درعة والصحراء (أكدز، وتامنوكالت، وأيت حمو وسعيد، وجبل كيسان، وأولاد يحيى، وزاكورة، ولمحاميد الغزلان، ولحمادة، وآبار تينجوب ثم جبل باني عبر أنكام السالف الذكر.
ويرى ج. لادريت دو لاشاريير J.Ladreit de Lacharrière، الكاتب العام « لإفريقيا الفرنسية » في تصديره لهذا الكتاب ، أن عمل ج. فيلز هو محاولة للنفاذ إلى الأوساط المغربية وتسجيل انطباعاتها وطبائعها، ولذلك جاء متضمنا لعدة أوصاف بالقلم والريشة تهم القصور (إغرمان ) والقصبات (تيغرماتين)، ومظاهر اجتماعية واقتصادية وثقافية أخرى، كالأسواق، والأهازيج (أحيدوس وأحواش)، والصعود إلى قمم الجبال. وهي كلها مواضيع جديرة بأن يعمق فيها البحث. وأشار أيضا إلى أن ج. فيلز لا يكتفي فقط برصد الحاضر، بل يستحضر التاريخ كلما دعت الضرورة إلى ذلك. كما أنه، ما أن يقوم بوضع السكان في وسطهم الجغرافي والاجتماعي، حتى يحاول النفاذ إلى ذهنياتهم. وقد استطاع أن ينجز عمله بحذر دون أن يسقط في نظريات مغلوطة، مع التأكيد على الاختلافات الموجودة هنا وهناك. ومن ثمة، فهو أتى بمساهمة جادة لتعرف أكثر بالأوساط والمجالات التي يصفها. وفي الأخير يخلص ج.لادريت دولا.شاريير إلى أن أهمية هذا الكتاب تأتي في وضوحه، وهو ما تفتقده العديد من المنشورات التي تعج بالمغالطات الناتجة عن الجهل والسطحية.
إلا أن وصف جاك فيلز للمناطق التي يتحدث عنها الكتاب، جاء متفاوتا في الحجم، ومحدودا في المكان، ذلك أنه يكون تارة مطولا – نسبيا- بخصوص بعض الأماكن، وتارة أخرى قصيرا بالنسبة لأماكن أخرى، ناهيك عن قلة، إن لم نقل انعدام المعلومات حول القبائل التي مر بترابها. وللدلالة على ما أقول، سأتوقف عند الفصلين الثامن والتاسع من كتابه الذين خصصهما تباعا لوادي دادس ووادي امكون. فالأول عنونه ب  » في اتجاه قلعة امكونة  » (من الصفحة 131 إلى الصفحة 140). أما الثاني فسماه  » وادي امكون ووادي دادس الأعلى  » (من الصفحة 141 إلى الصفحة 150). ويبدو لي، أن إدراج وصف دادس الأعلى في نهاية الوصف المخصص لوادي امكون، بامكانه أن يحلق ارتباكا لدى القارئ الذي ليس له إلمام بجغرافية المنطقة، ويعتقد أن دادس الأعلى هو امتداد لوادي امكون، والحال أن الأمر ليس كذلك، لأن واد امكون هو رافد لواد دادس. وكما سبق الذكر، فوصفه لدادس جاء محدودا وجزئيا، ولا يهم أساسا إلا سافلته، وتحديدا منطقة سكورة التي ينتشر فيها شجر النخيل وبساتين أشجار الفاكهة المختلفة. كما وصف الحالة المزرية للطريق التي تم شقها حديثا بين ورزازات وقلعة امكونة، والتي أخذت تمر عبرها أولى الشاحنات والسيارات الحديثة. أما مكتب الشؤون الأهلية لقلعة امكونة الحديث العهد بالمنطقة، فقال إنه مركز عسكري نشيط، أقيم في مكان استراتيجي، على الطريق الرابط بين دادس وتافيلالت، ويشرف عليه برج 2، أقيم فوق تل صخري ترابط به كتيبة من المشاة لمراقبة المنطقة. وأضاف أن هذا المكتب المقام في قدم التل لم يكن جميلا، وتم بناؤه بميزانية ضعيفة، وأن بعض بناياته بدأت تتساقط، وبعضها الآخر لم يكتمل بناؤها. غير أن المعروف لدى العام والخاص في المنطقة، أن هذه البنايات وغيرها، تم بناؤها بسواعد أبناء المنطقة، عن طريق السخرة أو ما يعرف « بلكلفت » التي أجبروا عليها من طرف خليفة الكلاوي بالمنطقة. ويبدو أن السلطات الاستعمارية لحداثة عهدها بالمنطقة كانت حريصة على تأمين التواصل بين هذا المكتب والبرج السالف الذكر، عبر ممرات محاطة بأسلاك شائكة. أما بالنسبة لمقر قلعة امكونة القديم، الواقع في الضفة اليمنى لواد امكون الذي تسمى باسمه المكتب الجديد، فاستغرب كيف أنه شيد وسط الوادي (امكون) فوق صخرة ضخمة جاثمة. لكن الغريب حقا، هو أن قلم جاك فيلز جف عند هذا الحد، ولم يصف دادس الأوسط الواقع بين قلعة امكونة وبومالن دادس الذي يشكل المجال الأكثر حيوية وكثافة، وكانت توجد به مراكز السلطة قديما (تمسكلت وتيليت) وحديثا (لكومت). وحينما تحدث عن دادس الأعلى في نهاية الفصل التاسع – كما سبق الذكر – لم يذكر من هذا الجزء من دادس سوى قصرين هما قصر أيت عربي الذي أمضى به ليلة عند أمغار أوشيخ القبيلة، وكذا قصر أيت أوڭليف المجاور الذي ذكره بالاسم فقط. وهنا توقف حديثه عن عالية وادي دادس، مما ينهض دليلا على أن جاك فيلز والضابط المرافق له لم يصلا في هذه الجولة إلى مضايق دادس، فلو وصلا إليها لكان تحدث عنها، كما فعل بالنسبة لمضيق واد امكون لما اجتازة للصعود إلى قمة إيغيل نومكون، كما سنرى لاحقا. وعلى أي، فقد لفتت انتباهه الهندسة المعمارية الدادسية المتمثلة في القصور (إغرمان) وتيغرماتين (القصبات)، التي اعتبرها من أجمل قصبات المغرب. وتوقف عند بعض مميزاتها الهندسية، كالأشكال والأبراج والزخرفة وغيرها، محاولا مقارنتها بالبنايات الأفريقية جنوب الصحراء التي وصفها بالخشنة، عكس تيغرماتين – ن – دادس التي تتمتع بالرشاقة والشخصية المتفردة. وهنا تحديدا، برزت نبرته الاستعمارية حينما أشار إلى أن تصاميمها لا يفكر فيها مسبقا، وأن الإبداع الذي يطبعها هو من عمل الطبيعة، وليس من عمل الإنسان أي سكان المنطقة (الأهالي حسب تعبير المستعمر). وأتى بهذه المقارنة في سياق التواصل المستمر، الذي كان قائما بين بلدان إفريقيا جنوب الصحراء والجنوب المغربي، معتبرا أن هذا الأخير كانت له القابلية للتأثر بما كان يصله من الجنوب. وكأنه أراد أن يقول بأن المعمار المبني بالتراب في المغرب أصله إفريقي. وهذا غير صحيح، لأن الأفارقة كانوا ولا يزالون في العديد من المناطق يبنون منازلهم من القش. وأن العكس هو الذي حدث، فالمغاربة هم الذين كان لهم الفضل في إيصال هذا النوع من البناء وغيره إلى هذه البلدان، التي ربطوا معها علاقات تجارية وبشرية وثقافية متواصلة منذ قرون عديدة. وقد أكدت العديد من الدراسات الرصينة والجادة، أن المعمار المبني بالتراب عريق وقديم جدا بالمغرب، وفندت بالتالي، مزاعم كتاب آخرين من أمثال هنري تيراس وغيره من الذين وجدوا له أصلا في بلاد ما بين النهرين أو في اليمن. وهناك من ينسبه حتى إلى أفغانستان كما تروج لذلك بعض البرامج الوثائقية التلفزية، مدعية دون سند علمي، إن انتشاره في جنوب المغرب الشبه الصحراوي، تم عن طريق سجلماسة. هذا غير صحيح كذلك، لأن البناء بالتراب أقدم بكثير من سجلماسة، وأن مدينة سجلماسة نفسها بناها بنو مدرار الزناتيون بالمواد المحلية من تراب وغيره. فالمغرب خصوصا، وشمال إفريقيا عموما، كانت له ما يكفي في المقومات المادية والبشرية لبلورة نموذج معماري ترابي بديع، متفرد، لا مثيل له في العالم. وهو ما تؤكد عليه كل الدراسات الموضوعية، بعيدا عن المغالطات الإيديولوجية العقيمة.
ومهما تكن المنطلقات والخلفيات المختلفة التي كانت وراء عمل جاك فيلز، فإنه – حسبما هو معروف إلى الآن- يعتبر أول أوربي وطأت قدماه سلسلة جبل امكون (إيغيل نومكون) الممتدة جزؤها العلوي الذي يصل إلى ثلاثة آلاف متر، على طول ثلاثة وثلاثين كيلومترا. وهي أكبر خزان للمياه بالمغرب. وكتلتها كلسية، ذات قاعدة صلصالية حمراء، تعلوها قمة أمسوض (4071م؟-4088م؟)3، رابع أعلى قمة في المغرب. وكما يدل عليها اسمها الأمازيغي أمسوض، فهي مكان لهبوب الرياح القوية. وهو ما أكده جاك فيلز في الفصل التاسع من الكتاب، ولو أنه لم يذكرها بالاسم. صعد إليها لأول مرة في بداية الثلاثينات من القرن الماضي. وفي سنة 1942 صعد إليها ثلاثة مستكشفين فرنسيين آخرين، هم، أندري فوجيرول (André Fougerolles)، وروجي مايي (Roger Mailly) وروبيرلاكاز (Robert Lacaze).

وجدير بالملاحظة أن جاك فيلز، أحجم في وصفه لإيغيل نومكون عن الحديث عن السكان وعن حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، كما لو أنه كان خاليا فهم، ولم يذكر من قصوره إلا قصرا واحدا هو قصر عيفر الذي ذكره بالاسم فقط، علما بأنه مقر لزاوية مشهورة لدى إمكون. والحقيقة أن جبل امكون وواديه تقطنه قبيلة إمكون التي هي من قبائل صنهاجة القبلة، ومن بين أقدم قبائل دادس. إن الصمت الذي لزمه جاك فيلز بخصوص الحديث عن السكان سواء في وادي امكون أو وادي دادس، ربما مرده إلى أن الفرنسيين كانوا حديثي العهد بالمنطقة، ولم يتمكنوا بعد حينئذ من ضبط هذا المجال الواسع ومعرفة سكانه معرفة دقيقة، وانشغالهم خصوصا بالتحضير للهجوم على المقاومين المتحصنين بجبل بوكافر الشامخ.
هذا، ورغم محدودية وصف جاك فيلز لوادي دادس ووادي امكون، فإنه لا يخلو من فوائد علمية تهم طبوغرافية ومناخ المنطقة، كما أنه يعطي فكرة عن الخطوات الأولى للفرنسيين بنفس المنطقة غداة احتلالهم لها، وأن علاقتهم بالسكان كانت محدودة، ولا زال يسودها التوجس والحيطة والحذر.

 » في اتجاه قلعة امكونة  »
 » وادي دادس، حديقة في صحراء. جماله يكمن في التناقض بين مجال النخيل – بعد سكورة يختفي النخيل ويظهر الحور والصفصاف وأشجار البستان – والفضاءات الواسعة العارية الممتدة إلى الجبال شمالا وجنوبا.لكن هذه الحديقة الطويلة، المتناثرة على امتدادها، الآلاف من القصبات، على شكل سبحة منضدة، لا تترآى للمسافر المار في الطريق، إلا من حين لآخر، في أماكن معينة. وكان لابد من الإسراع نحو الأهم. الخلاء منح الطريق « بدلة » استثنائية. وبمجرد شعورنا بالأمن بمساعدة الأكلاويين وخضوع سكان قصور دادس، اندفعنا شرقا نحو واحات تودغة وفركلة المنتفضة. وانطلق بناء الطريق الذي هو أداة احتلال دائم. ويمينا، خلف الحافات التي تجزها أوهاد ومسيلات، يجرى النهر الذي نتابع السير بمحاداته، على خط داكن من أشجار النخيل المرتجفة في هواء جاف وحار، فوق سطح موحش. إنها التسلية الوحيدة التي تنفس عن الإنسان، التتابع الرتيب للكور(gour) الحمر التي يجتازها أو يلتف حولها. وتارة يصادف شاحنة متوقفة بها عطب ما، وربما شاحنتين، إذ لا تتوقف أبدا سيارة لوحدها. الأعطاب تسببها الحالة السيئة للطريق، لأن المحركات كانت تشتغل بشكل جيد. وعادة ما تقع هذه الأعطاب في نهاية الخلاء، عند النزول إلى الوادي في الأماكن التي يغمرها الغرين أو الطمى، أو يكتسحها الرمل، وتصبح ضيقة. وهي أيضا، الأماكن الوحيدة الآهلة بالسكان، وهو أمر مستحسن ضمانا لسلامة السائقين.

وفي الحقيقة، نخيل دادس فقير جدا، باستثناء نخيل سكورة الذي ينمو في مكان يتسع فيه واد دادس، عند نقطة التقائه بواد الحجاج. الأشجار متباعدة فيما بينها، وتعلو في السماء، على شكل ستائر رقيقة، تاركة الضوء يتماهى بين جذوعها ذات الخطوط اللينة، المتجمعة في رزمات مكونة من ثلاثة أو أربعة أشجار. الأرض رملية، تتكون من غرين خفيف، تم تقسيمها بجنبات القصور إلى العديد من البساتين التي تحدها مرتفعات صغيرة من الأرض4، أو جدران متآكلة5. يخدم الأهالي هذه الأرض القاسية مستعينين في ذلك بماء غرير تأتي بها المئات من السواقي6. ينمو الشعير والذرة والفول تحت الظل الرقيق لأشجار النخيل والتين، وأشجار المشمش الهزيلة التي لم تكن سوى مظهرا لثراء خادع، لأن الآلاف من الناس، هنا، يعيشون بكثافة على ضفاف هذا الماء العجيبة.
المغرب ذو المميزات المتناقضة ! ففي هذه المناطق الشبه-الصحراوية، وليس في أي مكان آخر، تكون الملاحظة غير دقيقة. فبعد ساعات وساعات من السير، على ظهر الفرس في سهب حجري جاف وعار، وصلنا إلى حافة متداعية، وحينها بدأت مداعبة الأذن، بفعل همس حفيف سعف النخيل المتمايل، وكذا مداعبة العيون بفضل هذه السمفونية ذات الألوان الخضراء المختلفة : أخضر حمضي الشعير الفتي، ورمادي أخضر شجر التين، وأخضر فاتح أشجار الحور والصفصاف، وأخضر داكن فضي لامع سعف النخيل. وبجانب هذا الظل الساخن، وجدران التراب، والأغصان المزهرة، وأشجار النخيل، ينتصب على كومة صخرية مضطربة، الشكل الهندسي، إن لم نقل الأشوري تقريبا، لتغرمت العالية (القصبة).
وفي نظري، أعتبر أن تيغرماتين منطقة دادس هي الأكثر أصالة بالمغرب. ودون شك، فهي لا تفرض نفسها بكتلتها المضطربة كالقصبات الكبرى المشهورة. أحجامها المحدودة، المصممة لمأوى أصحابها وزبنائهم، منحت لها شخصية واضحة. وهذا النوع من الهندسة المعمارية يبرز هذه الشخصية بشكل أفضل، وهو بسيط لا تمكن مقارنته بالبنايات السودانية (إفريقيا الغربية جنوب الصحراء). وبغض النظر عن المسافة بين هذه المنطقة والسودان (1500 كيلمترا عبر الصحراء)، فإن ذلك لم يمنع من قيام علاقات متواصلة بينهما. ذلك أن تخوم المغرب الجنوبية كانت لها القابلية لتقبل ما كان يأتي من السودان7 أكثر مما كانت لها القابلية لاستيعاب ما تبقى في شمال جبال الأطلس من الـتأثير المتوسطي والشرقي. وفي ذلك، ربما رجوع إلى الأصل، لأن الدم الزنجي اختلط هنا، بكثرة مع الدمين الأمازيغي والعربي. وعلى أي حال، فتغرمت بدادس، لها رشاقة الخط بلا منازع. وهذا الأمر، لا يتوفر في البنايات الغريبة، بل الخشينة في إفريقيا الإستوائية. تم تصميمها على شكل مستطيل، تحيط به أبراج مربعة : ضيقة جدا، وتعلو في السماء بشكل غير معتاد، قرون زواياها تزيدها ارتفاعا. وأحيانا يوجد على هذه الأبراج، كما على الجدران، رسم بسيط، هو عبارة عن إفريز هندسي ، مكون من زوايا صغيرة مستقيمة تتداخل فيما بينها، وتم نقشها في الحائط الترابي. وهذا الرسم لا يتغير في كل مكان، لكن ترتيبه (disposition) يمكن أن يختلف من مكان إلى آخر. إن ما يضفي على كل قرية (إغرم) بدادس طابعها الأصيل، هو شكلها، وطريقة تصميمها المتسمة بالعفوية. ذلك أن التصميم لم يكن مفكرا فيه مسبقا. كما أتاحت طبوغرافية المكان والموقع إمكانية تجميع البنايات. وما يميز القرية الدادسية أيضا، لونها ولون الأرض التي أقيمت عليها والتي منها أخذت مواد بنائها، وكذا تقابلها مع الشمس في كل الأوقات. ولا تأتي المفاجأة من معلمة غريبة أو من بناية جميلة جدا، وإنما تتيحها الطبيعة، أكثر مما يتيحها عمل الإنسان. يبني الأهلي قصره حسب النمط التقليدي القديم، في حين أن المنازل المحصنة، الحديثة العهد (لا توجد واحدة منها قديمة لأنها لا تستطيع أن تقاوم تقلبات الجو أكثر، ولا تعمر أكثر من مائة سنة)، سرعان ما تتآكل بفعل فوارق الحرارة والرياح الجنوبية القوية، وهي تبدو دوما جزءا من المشهد الطبيعي. وقصور سكورة وإيماسين وقلعة امكونة تناثرت على طول الوادي : منها ما تعلق بضفاف الوادي المرتفعة في اتجاه بومالن دادس، ومنها التي في جوف الوادي بين مضيقين، ويخفيها الجبل : وهي في مجموعها ألف قصر، متتالية على طول أخدود دادس الضيق.
القلعة (أي قلعة أمكونة)، مركز عسكري، أقيم على الطريق المداري (rocade)، الرابط بين دادس وتافيلالت8. تقيم في برجه كتيبة المشاة التي من أعلى تل مرتفع، تراقب السهل في اتجاه الجنوب9، إلا أن الجسم الحي والنشيط، هو مكتب الشؤون الأهلية (.B.A.I)، المشيد في قدم هذا البرج، على الطريق، أمام قصر القلعة10، الذي هو قصر غريب جدا، وسط الوادي (امكون) على صخرة جاثمة. وهذا المكتب ليس جميلا جدا، شيد بإعتمادات هزيلة. بعض بناياته تتساقط الآن، وبعضها الآخر لم يكتمل بناؤها. وتربط المركز بالقصبة ممرات مغبرة تصعد إلى الصخرة عبر شبكة من الأسلاك الشائكة. ودون شك، كان ذالك مؤقتا . وحاليا يشكل مرصدا لملتقى الطرق الذي يعبر منه الرحل القادمون من إمكون ( أمكونة ) إلى جبل صاغرو .
 » وادي أمكون ووادي دادس الأعلى  »
ها أنا وسط خفارتي المكونة من عشرين فردا (أمازيغيا)،على ارتفاع ثلاثة آلاف متر. لكن السلسلة الكبيرة المهيمنة أو إيغيل كما يقول الأهالي (إيغيل بالأمازيغية هو الدراع و يستعمل مجازا للدلالة على الجبل الممتد )، يصل علوها إلى أربعة آلاف متر. اعتقد أنني الأوربي الأول الذي وطأت قدماه هذه المنحدرات.
غادرت قلعة أمكونة صباح يوم أمس.
توقفت بزاوية عيفر11 : وما كاد زيتونها يبهرني، حتى أصبح الطريق يصعب شيئا فشيئا، وأخذ يتمدد في مشهد عظيم ووعر موحش. وكانت الشمس حارة في المنحدرات المتقابلة، بنفس القوة التي كانت لها في السهل. و فجأة إبتلعتنا تاغيا أسيف أمكون ( مضيق واد أمكون ) على امتداد ممر ظليل، طويل.
وتاغيا12 ( أسيف أمكون )هذه، هي من أجمل المضايق التي أعرفها في الجبال المغربية. جداران عموديان على علو مآت الأمتار، في بعض الأماكن، يشدان الخناق على المجرى المنهمر. نتقدم في السير عبر ممرات عملاقة متعرجة، وحينها تملكنا الشعور بأننا سندخل إلى قلب الصخر الذي ينسد من الخلف. وتوجد في مجرى النهر، الحصى والرمل المقتلعة من أعلى الجبل، منها ما هو أملس وخالص، وما هو مصقول وذو ألوان مختلفة.
أقيمت خيمتي الصغيرة أعلى عين صغيرة جدا، محاطة بالعشب، ومنها تورد بغالي الستة. نوجد في من منحدر أمكون الذي هو عبارة عن ركام ضخم من الأحجار الداكنة الخفيفة الانحدار، يخترقها الصخر هنا وهناك. تغطيه طبقات كبيرة من الثلج، على شكل صفائح، يزداد سمكها بين الثنايا. غربت الشمس وأسدل الليل سدوله على الجبل المنخفض وعلى الأودية. وانتشر ضباب بنفسجي كثيف، وحجب الأفق جنوبا، مانعا رؤية جبل تيفرنين وجبل صاغرو. السماء هنا داكنة، ولكنها لا تزال لامعة، ويظهر الثلج مومضا، ناشرا ضوءا خياليا غير واقعي، وهو يناسب هذا الهدوء المطلق، وهذا السكون الخالص جدا، المثقل بوزن الأشياء السرمدية. سكون رهيب، تكسره العديد من الأصوات المحتشمة : رنات لجام البغل، وفي بعض الأحيان، هدير الريح القادمة من قمة الجبل، والتي ترتطم بالصخور. ساعة هادئة يتوقف فيها كل جهد، يتحول فيها التعب إلى استرخاء لذيذ، وتنمو الانطباعات والمشاعر الدفينة في هذا الجو القوي البارد، المفعم بتناغم الأشياء البسيطة والكبيرة، مما يؤثر على الناظر، ويثير في داخله إحساسا حثيثا.
غادرت هذا المكان وسط الليل. ووصلت فجرا إلى قمة جبل أمكون، رفقة ثلاثة من مرافقي الأشداء. صعود بلا مشاكل، دام ثلاث ساعات، على امتداد منحدر مكسو بالثلج. كانت تهب ريح قاسية، غير قوية. وكان القمر تقريبا كاملا، وأصبح قريبا من الأفق، وسرعان ما أخفاه الجبل. ولما كانت الرؤية غير واضحة، وخشية أن نتيه، كان ضروريا، أن ينادي بعضنا البعض. وأثناء وصولنا إلى الحافة الشمالية التي هي خط الذروة، صفت السماء، وبدت في الظل، الأشياء المعروفة لجبال أيت بوكماز، وأزورقي، وجميع أشكال جبال منطقة دمنات.
لم يعد يفصلنا عن القمة، سوى منحدر أخير وعر ومنزلق. انتابني شعور بأنني وسط ضوء فاقع. وهو ما لم أكن أنتظره. أدرت وجهي إلى الوراء، فإذا بالشمس تبزغ في أفق مغطى بضباب تظهر من خلاله الشمس حمراء اللون(كالدم) مشوهة الشكل. ازدادت الريح قوة، وتدحرجت نحونا سحب ضخمة غطت شمالا الجبال البعيدة. ربما سيضطرب الجو، مما قد يعرقل المعاينات الميدانية التي أود القيام بها. حقا، كان المشهد رائعا. وآليت على نفسي ألا يثنيني التلهف غير المجدي، عن الاستمتاع بهذا المنظر الأخاذ. ومن الشمال، تتدرج سلسلة من الجبال إلى هذه المنطقة التي تجولت فيها لمدة شهر. طلعت الشمس، وأضاءت هذه السلسلة بنور فضي خافت. ورغم انتشارها الواسع، ظلت الأخاديد مظلمة. كما أن الريح ساقت إليها في بعض الأماكن، البخار ليلا. وهكذا، انغمست جنبات السلسلة في بخار أحمر اللون. وشيئا فشيئا، تكونت سحب صغيرة كأنها تخرج من الأرض، مقدمة للسحب المضطربة التي تجري بعيدا فوق مرتفعات بلد انتيفة. أجزاء متقطعة منها تسلقت منحدرات جبل أمكون. جذبتها الريح وأسرعت من وتيرتها مشوهة شكلها، ومددتها، ومرت مصفرة، فوق الجانب المسنن للقمة، ثم اختفت. غير أنها، تكونت من جديد، بشكل عفوي في مكان محدد، يبدو أنه غريب. أخذ الضوء يؤثر على هذا المنظر المتغير البهاء، سواء على السحب نفسها، أو على المنحدرات المخضرة منها، أو الصخرية ذات الشحوب الداكنة، الهيكل. وما أن تدير وجهك إلى الوراء، حتى يدفعك الريح إلى الجري، مما يعرض الجانب الآخر من الوجه للسعته، ليتبين أن كل شيء تغير من الشمال إلى الجنوب. وانغمست جنبات السلسلة في بخار أحمر اللون. ومن هناك، يترآى بعيدا، بلد دادس بأجمعه. بخار وغبار حار، ترتجف خلاله الأشياء غير الدقيقة. اختفى الظل وعم الضوء المكان بوشاحات طويلة، خبازية، وبنفسجية حمراء، ترفرف متوازية. أحيانا يتصل بعضها بالبعض الآخر، وتختلط. تهب الريح القوية، وتنحت المساحات الواسعة العارية، محدثة بذلك أعمدة من الغبار في السماء. وكانت تلفني في كثير من الأحيان نفاثات، تارة حارة، وتارة أخرى قارسة. ولمقاومة الريح، وقفت مثبت القدمين، على صخر القمة، البارد، ووجهي محفوظ بقطعة من صوف غليظ. وحينها كنت أمعن النظر في الأفق متشوقا مرة أخرى، إلى اكتشاف العمود الفقري للمنطقة الواسعة التي أنا مشرف عليها (من القمة طبعا). لكن دون جدوى، لأن السحب الكثيفة التي كانت على شكل أكوام متسارعة، غمرت الأخاديد بشكل طافح، وغطت قبل ذلك القمم العالية، التي بدت داكنة ومفجعة، كما أناخت بكلكلها على المنحدرات الخفيفة، المضيئة.
يشكل قصر ايت عربي، أحد القصور الأولى لوادي دادس الأعلى. وتوجد هذه القصور في المكان الذي يصطدم فيه الواد – الذي يحمل اسم أسيف – ن – إمدغاس، انطلاقا من المرتفعات التي هي امتداد لجبل أزورقي شرقا – بالحاجز الصخري المنتصب على شكل جرف على مشارف بومالن دادس وإميضر. وبعد أيت عربي، تحول الواد إلى عقفتين(coudes) مباغتتين. يجري كالسيل فوق سرير صخري، ليخرج بعد ذلك من الجبل.
وصلت إلى هذه القرية (القصر أو إغرم) في آخر النهار، رفقة ضابط من أصدقائي. وهناك انتظرنا إلى الغد وصول ڭوم بومالن بأكمله، وهو المكلف بحراستنا في بلد أيت سدرات (الجبل) الذي لم يتم بعد التجوال فيه. وتوخيا للحذر، لم نقم بنصب خيامنا خارج القصر، بل استضافنا أمغار (الشيخ).
وكان حلول المساء، يعد بليل لطيف هادئ، وفضلنا أن نقيم مع أمتعتنا، فوق سطح أحد الأبراج الضيقة (لقصبة الشيخ).
وفي انتظار أن يؤتى لنا بالشاي والعشاء، جلسنا نتحدث، ممددين فوق زرابي أمازيغية مبسوطة فوق السطح. كانت رؤوسنا متساوية مع شرفات السطح المستطيلة. وإذا لامست ظهورنا الجدران، فإن تلك الجدران تتفتت (لأنها من التراب). كانت تترآى أمامنا إلى الجنوب، نتوءات الحث الأحمر لجبل – إمليل ذي اللون البنفسجي الرائع في ضوء الغروب. وقريبا، إلى اليسار، يوجد الجدار العمودي الجاثم على قصر أيت أوڭليف الموالي الذي يبدو حقا متوهجا (بفعل ضوء الغروب طبعا). لكن المنحدرات الطويلة المنتصبة غربا، في اتجاه جنبات جبل أمكون، الموازية تقريبا لأشعة الشمس الأخيرة، كانت لها انعكاسات أردوازية، اتخذت في المساء آفاقا وأبعادا خيالية. وتعلو كل هذا (المشهد)، قبة السماء ذات لون الحشت (améthyste) في جهة الشرق، لون اليشب الأخضر (vert jade)، الذهبي القديم في جهة الغرب، ناشرة ضوءا عجيبا، ناعما وقويا، يتيه فيه النظر بلذة كبيرة. وإذا ألقينا النظر من شرفات القصبة، تترآى لنا الأجزاء العليا من القصر الذي نحن فيه. أبراج منازله (القصبات) ضيقة، شكلها هرمي، تجمعت على شكل رزمات اختلطت بضوء المساء، تم تقطيع جبهات زواياها بدقة. بعضها مدور بفعل القدور القديمة التي تعلوها13. بعضها الآخر، يوجد على منحدر غير بعيد، لا يزال مخضرا. وهذا التجمع (من البنايات) الذي تحده مرتفعات حادة، يلفه ضوء داكن، تبدو واجهاته الغربية منقوشة، عليها مستطيلات ومربعات منحرفة، ومثلثات ذات لون برتقالي، حار ومكثف، يبهر الناظرين. ومن أعلى السطح الغير المرتفع الذي نحن فيه، كنا نسمع الضجيج الخافت الذي تحدثه تحركات الأهالي المكلفين بتحضير وجبة عشائنا. ومن الحظائر السحيقة كان يتعالى صراخ وثغاء الماشية المتزاحمة التي أتخمتها الشمس والهواء أكثر مما أتخمها مأكلها الضعيف. وكان الرعاة يحاولون تهدئتها. وترتفع أصوات النساء، كما أصوات الأغصان المكسرة لرزمات الخشب الذي حطبنه وحملنه على ظهورهن، ويرمينه على الأرض. ويمر أمامنا سرب من الجراد على شكل سحاب وردي في سماء لامعة. ويشتد الظلام شيئا فشيئا، ويختفي الأفق. وتوقفت المحادثة التي كانت بيني وبين صديقي، على وقع نقيق ضفدع، شكل نشازا في ذلك السكون. وتعالت الأصداء في أرجاء الوادي، كأنها جواب لأصداء مختلفة أخرى بعيدة. وسرعان ما عم تناغم ضفتي الوادي، بفضل نسيم المساء البارد والرخو شيئا ما، والثقيل في آن واحد. انتابنا صمت ونحن نستمع إلى تلك الإيقاعات التي تصل إلينا، وتملأ الفضاء مرتفعة من عمق الوادي المظلم، معانقة النجوم. وهذا الغناء المألوف والمسموع في كل مكان، أرجعنا إلى هذا القصر المتقدم في منطقة مريبة، وكأنه إلى حد ما ألفة هادئة. غناء ضعيف، انسجم مع كآبة وسحر الليل. تعرفنا عليه وتتبعنا أجزاءه. وكانت تساهم فيه كل حشرة بملامتها الموسيقية. وسرعان ما سكتت العديد منها، الواحدة تلو الأخرى، ولم تعد تغني سوى المولعة منها بالغناء. حينئذ غاب القمر، ولا وجود لكوخ في الجبال، ولا وجود لشرير، هنا، كي يعلم الغناء للضفادع، وأخذ صديقي يقول قصيدة « الشرير العجوز » لريشوبان14. استمعت إلى أبياتها الغنائية ذات اللحن السهل والمؤثر دائما. كما استمعت إلى موسيقى صوت متحكم فيه، دافئ ومرن، منح تلك الأبيات حياة نابضة بالرأفة « .
 » ويرغب بحقد
أن تترك له الراحة
أنشودة في صفو القمر
كان يلقنها للضفادع « .

1 : Jacques Felze, Au Maroc inconnu dans le Haut – Atlas et le Sud Marocain. Illustrations de Th. – J. Delaye, B. Arthaud, Editeur, Grenoble, 1935.
 2 : يبدو أن قصبة قلعة أمكونة المعروفة محليا بالقشلة، لم يكتمل بعد بناؤها أثناء مروره من هناك وأن ما بني منها هو برج واحد.

3: لم يتأكد بعد، ما إذا كان علو قمة أمسوض هو 4071م أم 4088م أم، أي رقم آخر. فعلى الجغرافيين المغاربة أن يدلوهم في الموضوع لتبيان العلو الصحيح.

4: تسمى محليا تيكيتين، مفرده تكيت.
5: لأنها من الطابية، وهي بمثابة سياج يسمى بالأمازيغية أفراك.
6: أي تيركين وإغلان المتفرعة عنها.
7: أي إفريقيا الغربية جنوب الصحراء.
8: ربما وصف هذا الطريق بالمدارية تمييزا له عن الطريق التقليدية التي كانت تربط تافيلالت (سجلماسة) بمدينة مراكش عبر وادي درعة.
9: أي في اتجاه إحيا.
10: المقصود قصر القلعة القديم (إغرم – ن – لقلعا).
11:سكانها من الشرفاء، وتقع على الضفة اليمنى لواد امكون جنوب قصر إبرغوسن الذي كان به بعض اليهود .
12:تاغيا باللغة الامازيغية تعني المضيق .
13: درءا لعين المارة والناظرين، كما كان يعتقد .
14: هو يوحنا ريشوبان ( Jean Richepin)، شاعر وروائي فرنسي ولد سنة 1849، وتوفي سنة 1926. تمرد على الأعراف والتقاليد السائدة. من أعماله الشعرية (أنشودة المتسولين (la chanson des gueux)، له أعمال أخرى في الرواية و الدراما.وهي كلها يطبعها العنف والسخرية.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 1 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

  • 1
    dadsaise says:

    George Spilmman avait étudié et compté les tribus de maroc pendant les années 30,il avait séjourné a boumalne dades en 1936 en étudiant les tribus des ait dades;ait ouallal;ait ounir et les ait ouahlim de saghro.Il avait classé les habitants de la façon suivant:les confédrations-les tribus-sous tribu-les fractions-les sous fractions puis les agglomérations(ighrmanes).