للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : dimanche 18 septembre 2016 - 4:54

تحقيق مثير :كيف تحولت مدارس المغرب العميق إلى مستنقع للأمراض النفسية؟

موقع دادس أنفو – خاص –




إعداد كريم اسكلا


حالات انتحار وجنون، اكتئاب وأمراض نفسية متفاوتة الخطورة والدرجة، إدمان على الحشيش والمخدرات والخمور، تحرش واغتصاب وبيدوفيليا… لحظة !! إننا لسنا في مصحة للأمراض العصبية والنفسية، إننا بصدد معايشة واقع مجموعة من أساتذة التعليم الابتدائي بالمغرب!


ليس هناك، في حقيقة الأمر، أي إحصاءات رسمية أو حتى حديث علني عن ظاهرة إصابة العديد من رجال ونساء التعليم بأمراض نفسية وجسمية متفاوتة الخطورة ناتجة عن ظروفهم السوسيومهنية، فالواضح أن هناك صمتا رسميا حول هذه الظاهرة، وتبقى طي النقاشات المحتشمة، لكن المؤكد أن عدد الأساتذة المرضى قد يفوق عددهم المئات كي لا نقول الآلاف•
بعض التقديرات النقابية تقول أن أكثر من 40% من رجال ونساء التعليم يعانون مرضا مثل السكري وارتفاع الضغط والربو والحساسية إلى جانب أمراض نفسية أكثر خطورة ناتجة عن ظروف العمل• لكن لا أرقام ولا تقارير رسمية أو حتى أبحاث ودراسات تتناول الموضوع، بل إن حتى النقابات نادرا ما تشير إلى هذه القضية في تقاريرها وبياناتها.


في هذا التحقيق، سنثير السؤال عن سر انتشار حالات الجنون والانهيارات العصبية والأمراض النفسية وحالات الانتحار بين الأساتذة؟ هل يمكن إدخال تلك الأمراض ضمن أخطار وأمراض المهنة؟ ألا تعتبر ظاهرة استغلال بعض المدرسين لتلاميذهم جنسيا أو حالات العنف الجسدي واللفظي تجاههم مؤشرات على الوضع النفسي المتأزم لبعض المدرسين؟ لما تتكرر حالات الانتحار والجنون وسط العاملين بقطاع التعليم بشكل مطرد؟ كم تكلف أمراض موظفي قطاع التعليم من ميزانية الدولة؟ في المقابل هناك من يقول أن انتشار هذه الامراض في الوسط التعليمي لا يرقى لأن يعتبر ظاهرة، وهناك من يعتبر أن رجال التعليم يبالغون في الامر لرفع سقف مطالبهم النقابية.

سنحاول أن نلامس جزء من دواليب هذه الظاهرة من خلال شهادات حية وتجارب معيشة وتقارير ونقاشات ومقابلات أجريناها وعملنا على تجميعها وتحليلها منذ نحو سنتين، وننشر أهم ما توصلنا إليه لعلنا نسهم في إعطاء صورة مقربة عن الحياة النفسية والاجتماعية للممارسين في قطاع التدريس بصفة عامة وبالمناطق الصعبة بصفة خاصة، الأهمية اللازمة في أي تشخيص وتحليل لواقع المنظومة التربوية وفي أي محاولة لوضع استراتيجية للإصلاح والتغيير.
يعتبر كشف بعض المستور والمسكوت عنه في المنظومة التعليمية بالمغرب بصفة عامة، وواقع مهنة التدريس بالمناطق النائية بصفة خاصة المحرك الأساس الذي حفز فينا إعداد هذا التحقيق الميداني، وهو حسب علمنا يعد الأول من نوعه على المستوى الوطني.


تعليم لا تملك أمريكا مثيلا له:

لقد رفع العديد من رجال التعليم نعش وزارة التربية والتعليم مرات عديدة في مظاهراتهم، كما رددوا شعارات مثل ‘ كي المغرب كي جيبوتي ‘ و ‘ مخطط استعجالي هذا التخريب بالعلالي..’ إذ نتساءل ماذا يقع في مجال التربية و التعليم مما يجعلنا بعد عقود من جلاء الاستعمار المباشر نظل نسمع مطالب من قبيل ‘ باراكا = كفى من البوليس ابنيو للشعب المدارس’ ؟ هل وصل الأمر إلى هذا المستوى ؟ … مؤشرات عدة تخفي بالتأكيد خبايا تنخر قطاعا من المفروض أن يكون استراتيجيا بما أنه يستثمر في العنصر البشري.
لكن الاشكال يزداد تعقيدا اذا غصنا في معيش المدرسين العاملين بالمناطق النائية بشكل خاص، فقد تناسل تأسيس العديد من التنسيقيات المطالبة بإنصاف هذه الفئة، وخلق نقاش كبير حول تعويضهم وتحسين مستواهم المعيشي، نقاش حول معايير تحديد تلك المناطق، وآخر حول قيمة التعويض… لكن التحقيق الذي قمنا به على مدى سنة تقريبا حول الحياة النفسية لهؤلاء الموظفين الذين “كادوا أن يكونوا رسلا” كشف لنا أن الأمر أكثر مأساوية من مجرد ضخ بضع دراهم في الأجرة.
يبلغ مجموع رجال ونساء التعليم العاملين بالعالم القروي حوالي 76 ألفا من بينهم أكثر من 23 ألفا امرأة، وتستقطب جهة سوس ماسة درعة أكبر عدد من المدرسين يصل إلى 13 ألفا ضمنهم حوالي 4 آلافا امرأة، وتأتي جهة مراكش الحوز في المرتبة الثانية بـنحو 11 ألفا مدرس في المجال القروي وفي المرتبة الثالثة تأتي جهة تازة الحسيمة، تاونات، حسب النشرة الإحصائية السنوية للمندوبية السامية للتخطيط لسنة 2007.


فما هو واقع المدرس المغربي العامل بالمناطق النائية ؟ كيف يحاول التكيف مع محيطه الجديد؟ و ما هو تأثير العمل هناك في المناطق النائية على حياته النفسية و الاجتماعية ؟ … هل بلغت معاناته حقا إلى درجة الإصابة بأزمات نفسية و محاولة الانتحار كما يقول البعض ؟

يستحيل عمليا أن يغطي بحثنا الميداني كل المناطق النائية، لما يتطلب ذلك من وقت وجهد و تفرغ، لذا فقد اقتصرنا في تحليلنا هذا على شهادات بعض أساتذة التعليم الابتدائي العاملين بإقاليم زاكورة و تنغير وأزيلال على سبيل المثال، وعلى شهادات توصلنا بها عبر الشبكات الاجتماعية على الانترنت. بالتالي فلا يعتبر هذا المقال سوى دعوة إلى إجراء أبحاث سسوسيولوجية وسيكولوجية متفرغة حول الحياة الاجتماعية و النفسية لممارسي مهنة التدريس بصفة عامة وفي المغرب العميق بصفة عامة.






حلم التوظيف:

‘الآن فهمت لماذا يطلب منا التوقيع على الالتزام بالعمل لمدة ثمان سنوات على الأقل في أي مكان تم تعيننا فيه … فهذه هي المهنة الوحيدة التي يلزمك المشغل بالعمل لديه أكبر مدة ممكنة ( يضحك ) في المهن الأخرى يلتزم العامل بعدم تشتغيلك أكثر من سنتين أو ثلاث، ثم بعد ذلك يمكنه تجديد العقد … أما في التعليم العمومي فيتم توريطك … لأنهم يعرفون جيدا إلى أين سيرسلونك ‘ هكذا يشرح لنا أحد الأساتذة المعينين حديثا بإحدى مناطق النقوب تفاصيل ما يسميه مأزق التعيين، مبرزا درجة الإحباط و الإحساس بالدونية و الغبن الذي يستشعره الأساتذة الجدد الذين يتم إرسالهم إلى هذه المناطق.
في كل سنة يسعى العديد من الشباب إلى الدخول إلى مراكز تكوين أساتذة التعليم الابتدائي هربا من شبح البطالة و أملا في وظيفة تحقق لهم الأمن الاجتماعي و الاقتصادي، بما أن سوق الشغل بالمغرب يعرف تذبذبات و عدم استقرار، بالتالي لا يتق المرء عادة في القطاع الخاص الذي يخضع للتقلبات حسب قوانين الرأسمال. فمن الناحية السوسيولوجية عدم اتجاه الشباب إلى الاعتماد على الذات و تكوين مشاريع شخصية لا يمكن إرجاعه فقط إلى غياب قيم المبادرة و فكر المقاولة، بل يرجع أيضا و أساسا إلى عدم شفافية سوق الشغل و غياب المنافسة الحرة و الشريفة، و هيمنة اقتصاد الريع و المحسوبية… لذا يشكل القطاع العام المنفذ الآمن والمضمون.
لقد حاولت الدولة معالجة إشكال بطالة حملة الشواهد، أولا بإعادة التفكير في المنظومة التعليمية التربوية عن طريق وضع ميثاق وطني لإصلاح التعليم تشكل ملاءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق الشغل إحدى ركائزه. وثانيا بإعادة تأهيل حاملي الشواهد لإدماجهم فيما بعد، لكن الأرقام والواقع الملموس يثبت فشل كلا المنحيين، ففي المقام الأول انتهت عشرية الإصلاح دون تحقيق الجودة المأمولة، ليسارع المسؤولون إلى وضع مخطط استعجالي لتدارك ما يمكن تداركه. و في المقام الثاني لم يتمكن القطاع الخاص من امتصاص جزء كبير من المعطلين، كما فشلت العديد من برامج تشجيع الشباب على خلق مقاولات و مشاريع ذاتية ( مقاولتي، افلوسي ,..). أمام هذا الواقع إذن يصبح الاشتغال بالوظيفة العمومية حلما لدى العديد من الشباب، إذ يصبح كل همهم ليس التحصيل العلمي بل الاستفادة من أول فرصة اشتغال في القطاع العام. والتعليم الابتدائي من بين هذه الفرص، فبمجرد التمكن من الدخول إلى مركز التكوين ينسج الشاب المغربي/ الطالب الذي أصبح “رجلا” قلاعا من الأحلام، انطلاقا من إكرام والديه ورد الدين، مرورا ببدء التفكير في تكوين أسرة …لا يصبح هذا الشاب الموظف الجديد مسؤولا عن ذاته ومستقبله فحسب، بل يشكل هو ذاته أحلاما لمجموعة من الانتظارات من أسرته وأحيانا كثيرة من عائلته الكبيرة. ففي المجتمع المغربي لازالت العائلات تعتبر أبناءها ” صندوق ضمان اجتماعي”، تنتظر العائلة متى سيتمكن أحد الأبناء من الحصول على وظيفة ليتحمل أعباء العائلة بعد أن يكون المشيب قد أدرك الأب أو الجد.

المكتب المحلي للجامعة الوطنية لموظفي التعليم فرع بومالن دادس: بيان استنكاري وتضامني مع اطر م/م بودجان بتيلمي

الطريق إلى المجهول:

بعد التخرج من مراكز التكوين، تأتي صدمة التعيين، يقول أحد الأساتذة ‘إنه أشبه بإرسال مجموعة من الجنود – مخزنية – إلى معركة في مكان يجهلونه …’ و يستطرد آخر و هو يحكي لنا حكاية سفره الأول إلى المكان الذي عيين فيه “… كل ذلك الحماس و الرغبة في العمل و الاجتهاد… يذوب في الطريق … أنا من أقصى شمال المغرب … وأرسلت إلى أقصى الجنوب الشرقي … في نفس الوقت هناك من هو من الجنوب وأرسل إلى الشمال … تقطع أكثر من 900 كيلومتر لتصل إلى مكان تجهل عنه كل شيء … لا بأس … هذه رسالة عظيمة تحملنا مسؤوليتها … وصلت إلى مدينة وارزازات … لكن هذه مجرد بداية الرحلة … يجب أن أستقل سيارة أجرة كبيرة إلى أكدز … طريق وعرة وشمس حارقة …مناطق لا زالت تنتظر التنمية المستدامة الموعودة …انتظارية قاتلة … لا بأس …كاد المعلم أن يكون رسولا … مررنا إذا بالعديد من القرى المترامية والتي يقاوم أهلها من اجل البقاء … – فيما بعد أدركت أن تلك القرى التي مررت بها بجنبات الطرق بمثابة الجنة مقارنة بأماكن أخرى – … وصلت إلى أكدز، وقد علمت من السائق أن المنطقة معروفة بأحد أشهر معتقلات عصر الرصاص … وهل هناك بؤس أكبر من هذا ؟ … على كل حال … على أن أستقل سيارة أخرى، عادة لا يحترم العدد القانوني للركاب ولا تحترم التسعيرة … ثم شاحنة … الشاحنة هي وسيلة النقل الوحيدة إلى الدوار حيث المؤسسة التي سأعمل بها، شاحنة تقل كل شيء متجه إلى الدوار … شباب وشيوخ ونساء وأطفال … سلع ومعز وأغنام و قنينات الغاز … و أنا كنت من بين تلك ” الأشياء ” بعد 20 كيلومتر من الطريق غير المعبدة … وصلت إلى الدوار … بضع عشرات من المنازل المترامية هنا وهناك ، بعض الآبار، … معز، أغنام بعض الحقول وكثير من الجبال القاحلة …أين المدرسة – الفرعية – ؟ هناك على إحدى الهضاب … قاعة للدرس وبيت للسكن …إذا احتجت الماء أرسل أحد المتعلمين ليجلبه من البئر، أما الإنارة فهناك الطاقة الشمسية التي زودت بها منظمة أجنبية المؤسسة منذ زمن …توفر نحو ثلاث ساعات من الإضاءة في اليوم …لذا عليك الاستعانة بالشمع أو قنينة الغاز … أما شبكة الهاتف فعليك أن تبحث عنها …” هكذا ومن خلال العديد من الشهادات غالبا ما يرسل الأساتذة الجدد إلى مناطق بعيدة عن أماكن سكنهم أو بعيدا عن الأماكن التي كانوا يأملون … وغالبا ما تكون تلك المناطق معزولة ونائية تغيب فيها أبسط شروط العيش الكريم، فقد ترددت في الكثير من الشهادات كلمات من قبيل المنفى والمعتقل والسجن … للدلالة على المناطق التي يعمل بها هؤلاء الأساتذة.



مغتربون في وطنهم:

تشكل المناطق الممتدة من زاكورة إلى الراشيدية مرورا بأكدز وتزارين والريصاني ما يمكن أن نسميه عاصمة الثمر والحناء، لكن أيضا عواصم للبؤس والحرمان بامتياز، مساحات شاسعة من الصحاري والجبال تحتضن الآلاف من المغاربة المغتربين في وطنهم، بعيدون كل البعد عن مغرب المؤسسات، بعيدون جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا ومبعدون سياسيا وإعلاميا عن اهتمامات المغرب الرسمي. إذ لا تحضر الدولة هنا إلا كجهاز أمني صرف.

إذا كانت لعنة التاريخ دفعت بمجموعات من الساكنة لترك مغرب السهول والهضاب واختاروا قسرا مغرب الصحاري والكهوف، فان لعنة السياسة حرمتهم كل مقومات العيش الكريم، في جولات بين ثنايا هذا المغرب، نكتشف أنه في الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن المسابح الفخمة في الفيلات و العمارات … والصبيب العالي للأنترنت وعن المدونات والفايسبوك… لا يزال العديد من المغاربة في المغرب الآخر محرومين من تغطية شبكة الماء والكهرباء والهاتف… وفي نفس ذلك الزمن الذي تنهال المياه لري هكتارات من ‘ أراضي الغولف ‘ … يقطع عشرات الآلاف من الأطفال كيلومترات من الطرق الوعرة وأحيانا بأقدام حافية، لجلب المياه أو لرعي بعض الأغنام والمعز. مواطنون بسطاء يسكنون ما يشبه مساكن من الطين والحجارة أو الخيم والكهوف. يبدأ اليوم عادة مع مطلع الفجر، يتم تفقد الماشية التي عمليا لا يقع تسمينها بقدر ما يقع تجويعها خصوصا مع صعوبة الخصائص الجغرافية والظروف المناخية. حيث يعتمد فقط على ما تجود به الأرض من الكلأ، يكلف الأطفال بالرعي، وتنخرط النساء في إعداد الطعام وجلب الحطب… والرجال يسهرون على العمل في الحقول أو البناء والتسوق…إن لم يهاجروا إما إلى المدن أو خارج المغرب. مجتمعات أجبرت جبرا على الرضى بشظف وضنك العيش، ففي بيئة تكثر فيها الحشرات والمخاطر الصحية لا تفترض الدولة من هؤلاء أن يمرضوا فقد وضعت على بعد عشرات الكيلومترات منهم بنايات سميت مستوصفات وإضافة إلى البعد تكون تلك البنايات بدون أطباء وبدون تجهيزات. كما لا تفترض منهم أن يدرسوا لهذا اكتفت بنثر بضع حجرات بين الجبال بدون مقومات ولا وسائل ولا دعامات بيداغوجية وسميت مدارس. ماذا قدمت الدولة لهؤلاء ؟ البطاقة الوطنية وبطاقة الانتخاب؟ حتى هذه للحصول عليها لا بد مما هي وما لونها.




المدرسة-599x404

مهنة المآسي:

أغلب المناطق النائية بزاكورة تبعد عن الأسواق الأسبوعية نحو70 كيلو متر من المسالك الصعبة غير المعبدة، فمثلا ينظم سوق أسبوعي كل يوم أحد بقيادة النقوب، وكما أكد لنا أحد الأساتذة الذي يشتغل بفرعية تملالت على بعد 50 كيلومتر من المكان الذي ينظم فيه السوق والذي يعتبر المتنفس الوحيد لالتقاء مع زملاء العمل والتسوق والاتصال بالأهل، ف “للتوجه إلى السوق يجب أن تستيقظ على الساعة الرابعة صباحا لعلك تجد مكانا بين السلع والماشية والساكنة المتجهة إلى السوق. ونظرا لصعوبة الطريق لا نصل عادة إلا قبيل الساعة السابعة” لقد أكد لنا العديد من الأساتذة صعوبة معيشهم اليومي بقولهم “إذا كانت الصحافة مهنة المتاعب فالتعليم مهنة المآسي” … هناك من الأساتذة من لم يتحمل …منذ بضع سنوات، أحد الأساتذة العاملين بمنطقة أمييرد جنوب زاكورة أصيب بالجنون … فجأة خرج ليلا عاريا وهو يصرخ و أخر حاول الانتحار … آخرون أصيبوا بأزمات نفسية ناهيك عن مجموعة من الأمراض العضوية كالقصور الكلوي الذي ينتشر بشكل كبير بين القاطنين بهذه المناطق خاصة بسبب مياه الآبار والتي تكون عادة غير صالحة للشرب إما لملوحتها أو لارتفاع نسبة الحديد و الكلس بها” … تصريحات وروايات عديدة تبرز معاناة مجموعة من هؤلاء الأساتذة من العديد من المشاكل كالعزلة وغياب الأفق وفقدان الأمل في المستقبل … مما يؤثر لا محالة على حياتهم النفسية والوجدانية بالتالي يؤثر أيضا على مردودهم المهني.


نفسي
“المتلاشيات” للأساتذة مساكن:

يقول لنا أحد المدرسين عن حكايته حين كان يعمل بمنطقة زاكورة إلى غاية سنة 2012: “منذ زمن راهنت وزارة التربية والتعليم على مجموعة من الإجراءات لإصلاح الاختلالات التي لازالت المنظومة التعليمية ترزح فيها رغم انتهاء عشرية الإصلاح، فوضعت ما سمي بالمخطط الاستعجالي الرامي إلى الرفع من جودة التعليم وتحسين ظروف العمل وذلك ببرمجة مجموعة من المشاريع بميزانيات مهمة، لكن واقع مجموعة من المؤسسات التربوية خاصة المتواجد بالمناطق النائية يبرز أن هذا كله لا يعد أن يكون سوى حبرا على ورق.”
هذا المدرس الذي كان يشتغل بمجموعة مدارس تنومريت (المركزية) المتواجدة على بعد 45 كلم من قيادة النقوب بإقليم زاكورة، يقول إن ما يزيد من عزلة هذه المنطقة أن ثلث هذه الطريق وعرة تخترقها مجموعة من الأودية والمسيلات، لذا تنعدم وسائل النقل باستثناء يوم السوق الأسبوعي.
عند الوصول إلى دوار تنومريت كل شيء يظهر نمطيا يعكس نفس صورة المغرب العميق المنسي، ساكنة تقاوم قسوة الطبيعة وتتشبث بالأرض رغم الحرمان، وسط الدوار بنيت مدرسة مركزية محاطة بسور، مزودة بالكهرباء بالإضافة إلى الربط بشبكة محلية لتوزيع ماء أقل ما يمكن القول عنه أنه غير صالح للشرب، بحيث أنه في أغلب الأحيان يكون ملوثا بالأتربة والعوالق …

بمجرد ما نلج المؤسسة تبدأ قصة معاناة الأساتذة العاملين بها، فكما يؤكدون فهم يعانون من أزمة السكن، فهذه المؤسسة التي يعمل بها ست أساتذة تتوفر على سكن وظيفي واحد يستفيد منه أحد الأساتذة وأسرته، ومسكن متلاشي من نوع السكن المفكك مهدد بالانهيار في أية لحظة يقطن به أستاذ وأفراد أسرته رغم الخطر الذي يشكله ذلك على حياتهم، وقد سبق أن وقعت بعض أجزاء سقفه القصديري كما أكد لنا الأستاذ الذي يقيم به ذاته. أما الأساتذة الأربعة الباقون فحسب تعبيرهم هم يحتمون في أحد الأقسام المتلاشية من النوع المفكك، بسقف مهترئ ونوافذ مكسرة… وبما أن القسم من النوع المفكك فهم يعانون أشد المعاناة من ارتفاع درجة الحرارة داخله خاصة ابتداء من شهر ماي، إضافة إلى معاناتهم من العواصف الرملية الدائمة التي تملأ داخل القسم ( المنزل ) بالرمال بل تكاد أحيانا تقتلع سقفه المترهل أصلا. وجدير بالذكر أن استقرارهم بهذا القسم كان بعد أن استنفذوا كل الإمكانيات للكراء في الدوار أو بإحدى الدواوير القريبة، بل انهم أكدوا أنهم فكروا في إصلاح القسم وتزويده بباب ونوافذ جديدة من مالهم الخاص إلا أن هذا غير ممكن بالنظر إلى عدم إمكانية إحداث أي تعديلات في بنايات المؤسسات التعليمية دون إذن من النيابة، وتظل هذه الوضعية قائمة ومستمرة للسنة الثالثة على التوالي.

ecole

معلم تطواني تحرش به سوسي .. اعتقده “مثليا”.

“معلم في بلاد السندباد وبين جبال وتلال حي بن يقظان” هكذا يبدأ مدرس من الشمال عين في منطقة بسوس، ويستطرد “أود أن أبدا رحلة المعاناة من نقطة البداية أي من الخروج الأول من وسط حظري له كل مقومات الحياة الكريمة إلى سفر يمتد يومان كاملان وتمتطي إبانه جميع أنواع المواصلات بلا استثناء من الحافلة والقطار والسيارات بجميع اشكالها ثم الدواب من الحمير خاصة وينتهي السفر بالمشي الماراطوني القسري لساعات وساعات وعندما تصل الى غياهب كندهار بجسم هده الجوع والتعب تفاجأ بأنك مطالب أيضا بتنظيف سكنى الفرعية التي اتخذها الهوام والزواحف ملاذا لها في عطلة الصيف” …يكمل حديثه عن حكاية العمل في منطقة كل اهلها لا يتكلمون إلا السوسية وهو التطواني الذي لا يعرف إلى الأمازيغية سبيلا، يقول “إذا ما شرعت بالتنظيف تكتشف أن الماء منعدم ويلزمك أن تسقيه من مطفية عفنة بعيدة .. والطامة الكبرى هو أن ماء المطفية المكدر بجميع انواع العوالق الحية والميتة وبشتى الرسوبيات …أنت ملزم بشربه أيضا” أما عن مشكل التواصل فقد قالك “كدت أجن ويمسسني جان لكوني من أقصى الشمال، فعندما كنت أتحدث مع أحدهم بالتطوانية كان ينظر إلي مليا ويتحرش بي وكأنني أنثى” ويضيف “كنت أدرس الفرنسية لتلاميذ لا يفقهون إلا السوسية التي لا أعرف منها حرفا واحدا …تلاميذ يأتون حفاة قد شقق البرد القارس أياديهم الطفولية فاستحالت إلى أخاديد تسيل منها دماءهم بين الفينة والأخرى فيدهنونها بزيتهم الاركان…”



عزلة… حشيش…وقرقوبي:

“تمر التواني كالأيام…انتظارية سوداء… هناك يوم واحد يتكرر دائما … يأتي التلاميذ، تدرسهم ثم ينصرفون…فتبقى وحيدا، يأتي التلاميذ، تدرسهم ثم ينصرفون…فتبقى وحيدا…وهكذا …ملل، لا شيء غير حجر على مرمى البصر،…أنت الذي كنت تحلم بأن يكون لك شأن في البلد، تجد نفسك منفيا في هذه البراري ككلب مسعور، ولا رفيق غير الحشيش والنبيذ والقرقوبي…عندما أنزل إلى المدينة أحمل ما يكفي من مؤونة المأكل والمشرب والحشيش والمحيا…”يضيف بعد قهقهة عالية”… في العطلة تكتشف أنك خرجت للتو من كهف أفلاطون…وتسأل نفسك كم لبتنا؟ عاما أم أعوام؟…تجد أن الحياة تغيرت كأنك كنت غائبا لعقود، تعود إلى بلدتك فتجد رفاقك الذين خرجوا من المدرسة مبكرا مطرودين، قد تزوجوا وولدوا، واقتنوا منازل وسيارات، وأنت الذي كنت من بين المجدين في الدراسة لازلت تعد السلاليم والسنوات لعلك تنتقل إلى مكان أقرب، تكتشف أضواء المدينة من جديد، فتحاول أن تفرغ كل ما جمعته من مكبوتات المنفى خلال أيام العطلة قبل أن تعاود الرحيل إليه مرة أخرى”
في المناطق الشمالية والغربية بشكل خاص تنتشر ظاهرة أخرى هي متاجرة بعض المدرسين في المخدرات والتهريب، وسط تواطؤ وصمت الجميع أمام الظاهرة. حيث يستغل المدرسون تعينهم بتلك المناطق لجمع بعض الأموال من تجارة التهريب.


ecole
هرمنا هرمنا من أجل الانتقال

يقول السيد م .ب في رسالته الموجهة الى رئيس الحكومة بتاريخ 19 يونيو 2012 مما يسميه قمم جبال السفح الجنوبي للأطلس الكبير : ” منذ 10 سنوات تم قبولي بمركز تكوين المعلمين و المعلمات بكلميم . فرحت كثيرا بذلك بعد تحقيق حلم الطفولة بأن أصبح معلما. سنة 2004 تخرجت بعد سنتين من التكوين بالمركز وكنت أتمنى تعييني بالجهة التي تم التعاقد فيها { جهة كلميم السمارة} لكن حظي كان منصبا بجهة سوس ماسة درعة بعدما أخلت الحكومة بالعقد، قلت لا بأس ربما ذلك من المصلحة العامة للدولة … كنا ثلاثة أساتذة جدد، اكترينا بغالا من أجل حمل أمتعتنا في حين قطعنا المسافة على أرجلنا عبر منعرجات فوق الجبال الشاهقة لنصل إلى الفرعية المشؤومة بعد مضي 3 ساعات تحت حر الشمس الساطعة. تفاجأنا بمشكلة أكبر، فلم يكن هناك سكن وظيفي ولا مسكن للكراء، سكنا القسم لمدة أسبوعين قبل أن نجد منزلا طينيا صغيرا يقطنه جيش من الفئران ولا وجود بتاتا للمرحاض! … وبعد أن وصلت أقدميتي العامة 4 سنوات استبشرت خيرا، …لكن المفاجأة كانت قوية جدا بعد صدور تعيينات الجدد للموسم 2008/2009، فقد تم تعيين العديد منهم بالجهة المذكورة! كيف تم خلق تلك المناصب الشاغرة؟ صدمت كثيرا، أين الديموقراطية في إسناد المناصب الشاغرة؟… كنت هذه المرة جد متأكد من انتقالي خصوصا بعد إصدار الوزارة لوثيقة توضح وضعية الفائض والخصاص في المغرب تفيد أن نيابة بوجدور تعاني من خصاص 10 أساتذة ونيابة طرفاية تعاني من خصاص 10 أساتذة ولا يوجد بهما فائض. ظهرت النتائج وكانت الصدمة بمثابة صاعقة أزمتني نفسيا! أين حقي بعد 8 سنوات من العذاب؟ كيف يمكن لزوجتي أن تتحمل الصعاب بالجبال؟ كيف لي أن أستقر أسريا في ظل هذا الحيف؟؟؟ لا أريد تعويضا عن المناطق النائية، أريد حقي في الانتقال، أريد لإبني محيطا صالحا للعيش، لقد هرمت هرمت يا سيدي!” هكذا يكتب مدرس اخر في رسالة مطولة ومفتوحة إلى وزير التربية الوطنية يشرح فيه معاناته مع مطلب الانتقال.



منسيات في الفرعيات: “ما مزوجة ما مطلقة”

“ما هذه الحياة؟” هكذا تلخص عائشة معاناتها في العمل التعليم، تقول “فكرت مرارا في الاستقالة لكن الظروف العائلية صعبة وقاسية، زوجي يعمل أيضا مدرسا وكنا نعمل في منطقة نائية بنواحي ورزازات، وهو الان لازال هناك، بعد زواجنا إنتقلت إلى منطقة سكورة هنا على الأقل الظروف ملائمة، فقد قررنا أن أنتقل أنا أولا ليتبعني بعد ذلك، لكن لحدود الان أكثر من خمس سنوات لم يتمكن زوجي من الانتقال على الأقل إلى منطقة أقرب”
تحرش.. ومحاولة اختطاف.
“س.ك” أستاذة حديث التخرج عينت باحدى المناطق النائية بمنطقة ألنيف، حكت لنا كيف أنها إضطرت قصرا للزواج من أحد زملائها فقط كي تامن تحرشات أبناء الدوار، إذ أنها كما تقول ما أن تغرب الشمس حتى تبدأ طرقات الباب والكلمات الخادشة تنهمر عليها من خلف الخدران والنوافذ إذ انها كانت تكتري منزلا لوحدها وسط الدوار، وتبدأ رسائل رجال وأبناء الدوار تتسرب من تحت الباب تضمن كلمات غزل وأرقام هواتف وسب وشتم…”
أستاذات كثيرات تعرضن لمحاولات اغتصاب واعتداءات جسدية، فاحدى المدرسات تعرضت لهجوم من احد أبناء المنطقة فع عليها باب منزلها وحاول إغتصابها لولا أن تدخل رجال القبيلة بعد أن سمعوا صراخها، فتمكنوا من التدخل وإلقاء القبض على الجاني، لكن المدرسة تراجعت عن متابعته قضائيا بعد تدخل أهل الدوار والمدير والمدرسين الذين استعطفوها وأقنعوها بعدم متابعته قضائيا كي لا تسوء العلاقة بين المدرسة وأبناء الدوار.

ecole2016

فقد كل شيء حتى عقله

أخبرنا مجموعة من الأساتذة أن مدرسا أصيب باختلال نفسي كان يعمل معهم لمدة، كان يعاقب تلاميذته بأن يحملهم إلى ساقية كانت قرب قسمه، هناك كان يجردهم من ملابسهم ويغطسهم في الماء البارد، ويبرر فعلته تلك بأنهم في حكم الأموات بالتالي فإكرام الميت غسله. وكعقاب لهم أيضا كما حكى لنا أطفال عايشوا ذلك أنه أحيانا كان يغلق عليهم الفصل وينصرف إلى حال سبيله، وأحيانا كان يرغمهم على وضع رؤوسهم في أكياس بلاستيكية إلى أن يكادوا يختنقون. وقد استمر هذا المدرس في العمل داخل القسم مدة إلى أن احتج اباء وأولياء أمور التلاميذ، كما أن هناك حالات عديدة لمدرسين اصيبوا بالجنون وأمسوا بين ليلة واخرى يرمون ملابسهم ودفاترهم في الشارع، فقد تفاجئ العاملون باحدى مدارس تاغبالت بزاكورة ذات ليلة بزميل لهم خرج ليلا عاريا وهو يصيح ويركض نحو المجهول. و”مخافة الاصابة بالخرف والعته” كان أحد المدرسين الذي كان يعمل وحيدا في إحدى الفرعيات، بدون شبكة للهاتف وبدون ماء صالح للشرب وبدون كهرباء…وبدون انيس لوحدته، كان يعمد إلى تسمية مرافق قسمه والبيت الذي يسكنه وما يملك من أواني…بأسماء بشرية لكي يتحدث معهم ويخاطبهم بأسماء أناس يعرفهم.




انتحار


عندما تفقد الحياة مذاقها:

لا أخفيكم أني دائما أحس بالقلق وأحس أني فقدت سعادة الحياة بعدما عشت سنوات كثيرة تائها في الجبال . نعم تائها ، وحيدا . كنت أفكر في أن تكون لي زوجة وأولاد وبيت وسيارة ، لكن كيف ؟ وأين ؟ وبم ؟
سرعان ما أرجع عن هذا الحق، معتبرا إياه نوعا من الحماقة، فكان لابد لي أن أعود إلى الصواب. من هي المرأة التي ستقبل بي كزوج، وتستطيع هي الأخرى انتعال حذاء مطاطي طويل، ولها القدرة على مطاردة الجرذان الصغيرة، وبعض الهوام المخيفة؟ وتعيش تحت سقف كوخ متواضع تنعدم فيه أدنى شروط العيش البسيط، ولا أقول الكريم، فلا مرحاض، ولا حمام، ولا مطبخ، ولا، ولا…”

“إضافة الى الزواحف والعقارب كنا نخاف من الخنزير البري الدي يختبئ نهارا وسط الحشائش الخضراء خوفا من البشر، لكن حينما يصطدم بأي إنسان، فإنه يأخذ في العدو السريع بأي اتجاه، ولو صادف إنسانا أمامه شطره بأنيابه خصوصا لوكانت خنزيرة برية ولها صغار خائفة عليهم …” و “كم من أستاذ عاش في الفرعيات دون ماء، وحتى لو وجد هدا الماء يكون ماء المطافيات أو غير صالح للشرب بتاتا، ناهيك عن بعد مناطق التسوق، وعدم وجود سكن لائق، وانعدام الخدمات الصحية، فأغلبية الأساتذة بالابتدائي الذين رماهم منجنيق التعيين في غيابات الجبال والصحاري خرجوا بأمراض نفسية دفينة، وأمراض جسدية أبسطها مرض الأمعاء والكلي والضغط الدموي” هذه ليست مقاطع من رواية أدبية خيالية بل هي من مذكرات مدرس خبر دواليب العمل في إحدى المناطق النائية بتارودانت.



بارقة أمل: معلمون وكلاء للتنمية.

يؤكد العديد من الأساتذة العاملين بالمناطق النائية على أنه بالرغم من مأساوية واقع معيشهم … فإنهم يعملون جاهدين على القيام بمهامهم على أحسن وجه، باعتباره واجبا أخلاقيا قبل أن يكون واجبا مهنيا بالانفتاح على الساكنة وبتنشيط العمل الجمعوي هناكـ ، كما أن البعض قد يصبح ما يشبه إماما أو مستشارا أو مرشدا اجتماعيا أو وكيل تنمية… خاصة مع طول سنوات انتظار الحركة الانتقالية.
في هذه الظروف يمسي المدرس أكثر من موظف في التعليم، إذ يحمل على عاتقه هم محاولة تحسين ظروف هذه المناطق والمساهمة في توعية أهلها وتحسيسهم. وعيا منه أن الوضعية الاجتماعية والثقافية للأسر تؤثر سلبا على المستوى التعليمي للمتعلمين، ‘ يأتي التلاميذ عادة بملابس مهترئة، وبدون وجبة الفطور مما يفسر حالات الإغماء المتكررة وحالات التقيأ،… خاصة وأنهم غالبا ما يأتون إلى القسم بعد أن يكونوا قد اشتغلوا في الحقول أو الرعي أو البناء … أو جلب المياه … يتكدسون على بعض المقاعد المتلاشية…، عن أي مساواة يتحدثون وهناك أطفال تخصص لهم سيارات تنقلهم إلى مدارسهم المزودة بأحدث التكنولوجيات ؟ ‘
يؤكد أحد الأساتذة على أن الإشكال ليس في الزيادة في الأجرة أو الحركة الانتقالية … بل في تحقيق العدالة الاجتماعية لضمان حقوق هؤلاء المواطنين أولا … بالتالي ضرورة توفير أبسط شروط الحياة. ثم وإضافة إلى ذلك إنصاف الموظفين العاملين بتلك المناطق. وفي سياق الحديث عن التعويض عن العمل بالمناطق النائية رد أحد الأساتذة ‘ لا معنى لأن يضاف إلى راتبي حتى 1000 درهم لأرسل إلى منفى لأدرس أطفالا محرومون من كل شيء حتى من طفولتهم، ولا معنى لهذه الزيادات إذا انعدمت فرص الولوج إلى الخدمات الأساسية كالصحة والماء والكهرباء والنقل …”

 

 

لا يجادل أحد في الأهمية الكبيرة للتعليم في بناء المجتمعات، لكن وضعية المنظومة التعليمية بالمغرب بشكل عام تعبر عن عمق أزمة الرؤية التي نعاني منها، نعبر علانية عن رهاننا على التعليم وعلى جودته، لكن عمليا نزكي عوامل عجزه وإفلاسه، تلجئ الدولة عادة إلى لعبة الإحصائيات والأرقام لتجميل صورته في التقارير الدولية، بالرفع من نسبة النجاح وكذا الرفع من نسب الاحتفاظ بالتلاميذ في الأقسام …ولا أحد يتدارس ما وراء تلك الأرقام. هل يمكن إصلاح منظومة التربية والتعليم دون توفير بيئة تربوية تعليمية تعلمية تحفظ كرامة المدرسين والمتعلمين على السواء؟ لا بد أن الإجابة العملية على هذا السؤال سهلة وبسيطة متى توفرت الإرادة السياسية.


إذا كان سكان المناطق المعزولة والنائية يعيشون حياة الإقصاء والتهميش والحرمان، باعتبار عدم توفرهم على مورد رزق قار. فإن فئة الموظفين في قطاع التعليم الذين يعينون في تلك المناطق يعيشون معاناة لا تقل سوداوية، إن لم تكن أشد وطأة، من جهة بالنظر إلى المهام المنتظرة منهم باعتبارهم مربو الأجيال القادمة، ومن جهة أخرى بالنظر إلى هول الفارق بين طموحاتهم والواقع الذي يفرض عليهم من جهة أخرى، حيث أن الوظيفة التي كانوا يعتقدون أنها ستحسن مستواهم الاجتماعي والاقتصادي، ترجعهم إلى الوراء بل وتصبح مجرد عبئ اجتماعي وسيكولوجي.

وتتمثل الأمراض التي تم تسجيل إصابة الأساتذة والمعلمين بها في أمراض نفسية وعصبية، على غرار الانهيار العصبي والصداع والوسواس والتعب والإرهاق والأرق والهذيان وفقدان الذاكرة والجنون والفوبيا وازدواج الشخصية، إضافة إلى أمراض جسمانية أخرى مثل أمراض القلب والضغط الدموي والحبال الصوتية والحساسية بمختلف أنواعها والسكري وأمراض الكلي… لنطرح سؤالا بسيطا: لماذا لا تقوم الجهات المعنية ببحوث وتحقيقات حول ظاهرة انتشار مجموعة من الأمراض النفسية والجسمانية وسط العاملين بقطاع التعليم خاصة هيئة التدريس بالمستويات الابتدائية؟
هل يمكن بناء أي إصلاح في منظومة التعليم دون التفكير في تشخيص وتحليل واقع الصحة النفسية للعاملين في القطاع؟

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.