للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mardi 14 juin 2016 - 7:36

عرض حول كتاب: « دادس، من التنظيم الاجتماعي التقليدي إلى السيطرة الكولونيالية » لمؤلفه ذ محمد المنور

عرض حول كتاب: « دادس، من التنظيم الاجتماعي التقليدي إلى السيطرة الكولونيالية (القرنان التاسع عشر والعشرون)1 لمؤلفه الأستاذ محمد المنور
الأستاذ محمد حمام – جامعة محمد الخامس – الرباط
بقلم سيال وبأسلوب بليغ، بديع، في لغة موليير، صدر عن منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية برسم سنة 2012، كتاب قيم للأستاذ الباحث محمد المنور موسوم ب  » دادس، من التنظيم الاجتماعي التقليدي إلى السيطرة الكولونيالية (القرنان التاسع عشر والعشرون). والكتاب هو في الأصل أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراة في التاريخ ناقشها المؤلف في رحاب كلية الآداب سايس – فاس يوم 24 دجنبر 2011.
يقع هذا الكتاب في 584 صفحة في جزئين منفصلين: الأول أفرده صاحبه لدراسة البنى الاجتماعية لوادي دادس خلال الحقبة التي حددها في القرنين التاسع عشر والعشرين للميلاد. أما الثاني فهو عبارة عن مجموعة من الوثائق المحلية المعتمدة في البحث تنشر لأول مرة مع ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، ويفوق عددها مائة وأربعين وثيقة.
ولتسهيل قراءة هذه الوثائق قراءة سليمة، قام المؤلف بتحقيق نصوصها العربية تارة بإضافة كلمات منقوصة ليستقيم معناها، وتارة أخرى بشرح بعض المصطلحات التي قد تبدو صعبة المنال والفهم خصوصا أن الصيغ والمعاني التي وردت فيها هي في العمق أمازيغية ولو أنها صيغت ظاهريا في تعابير عربية غير متينة وغير منسجمة. وهنا مكمن خطورة استغلالها لمن ليس له إلمام بلغة الزاي وقد أشار إلى الباحث هذا الأمر في مقدمة الكتاب، وتحديدا عند حديثه ونقده للوثائق المحلية. وسنأتي على ذلك في حينه لاحقا. ومما يعطي أهمية اخرى لهذه الوثائق هو إغناء العديد منها بتعاليق وافية تساعد من يريد التعمق فيها أكثر.
ولعل أقدم هذه الوثائق يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر الميلادي، بينما آخرها يرجع تاريخها إلى سنة1940 وإذا كان العديد منها بدون تاريخ، فإن الباحث بذل مجهودا كبيرا وفق ما يسمح به التحليل- ليضعها في سياقها الجغرافي والتاريخي، ومن ثمة التوصل إلى تاريخ تقريبي لها وأدى به احتكاكه الطويل بهذه الوثائق إلى تصنيفها- تعسفيا كما يقول – إلى المحاور التالية:
1-تعمير المجالات
2-اتفاقيات القصور.
اتفاقيات على مستوى نفس القصور.
اتفاقيات بين القصور المختلفة.
3-العلاقات مع الزوايا.
4-العلاقات مع المخزن.
-ظهائر التعيين.
-التعيينات الصادرة عن القائد.
5-الهياكل الجديدة للسلطة.
6-التكاليف المخزنية.
7-مجتمع متضامن ومنظم.
ورغم أهمية هذا التصنيف ووضوحه، فعديدة هي الوثائق المتداخلة فيما بينها لما تكتنزه من معلومات جديرة بأن تدرج في أكثر من محور واحد. ويكفي الباحث فخرا أنه وضعها رهن إشارة الباحثين لاستغلالها أكثر فيما يفيد أبحاثهم في التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والثقافة وفقه اللغة أو الفيولوجيا.

المقــدمة:

وإذا رجعنا إلى الجزء الأول من الكتاب نجد الأستاذ محمد المنور يؤكد في المقدمة أن موضوعه يتعلق بالغوص والسفر عبر تاريخ وادي دادس خلال القرين التاسع عشر والعشرين، محاولا الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالكيفية التي تم بها تعمير المنطقة وسيرورة ذلك من جهة ومن جهة أخرى ما هي الكيفية التي تم بها تنظيم نفس المجال سياسيا واجتماعيا قبل وإبان الفترة الاستعمارية؟، وما هو المسار الذي اتخذه تطور البنى والمؤسسات الاجتماعية والسياسية بعد هذا التاريخ؟ وما هي عناصر التغيير المتكررة ؟ وما هي طبيعتها؟ ويذهب الباحث إلى أنه بطرحه لهذه الأسئلة وغيرها يطمح إلى الكشف عن المقومات الأصيلة لمنطقة دادس التي شكل تنظيمها السياسي والاقتصادي والاجتماعي خير دليل على ذلك، لا سيما أن من سماته التجديد والبركماتية والتفاعل مع الواقع بشكل فعال وناجع.
ويرى -في هذا الصدد- أن منطقة دادس هي فعلا مجال كان يتوفر على العديد من المقومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية البارزة الشيء الذي أكسبها مكانة متميزة منذ القدم إلى اليوم. وعلى هذا الأساس، فتعمير المجال وتنظيمه بهذه المنطقة يكتسي أهمية بالغة، لذا فاختيار هذا المجال للدراسة له ما يبرره من الناحية العلمية نظرا لتنوع جوانبه واكتنازه لتراكمات بنيات قديمة خصوصا وأن الدراسات والأبحاث الأكاديمية حول نفس المجال لا تزال قليلة جدا. وإذا كان التاريخ يتشابك بالسياسة وبالمجتمع في دادس، فإن الباحث لم يدخر جهدا في التعمق في كل هذه العناصر وغيرها اعتمادا على المصادر المكتوبة والوثائق المحلية وفق ما تقتضيه المنهجية التاريخية الحديثة والرصينة.
وكثيرة هي الأسباب التي دفعته إلى إنجاز هذه الدراسة الرفيعة المستوى. فدادس منطقة إستراتيجية لوقوعها في السفح الجنوبي للأطلس الكبير الأوسط، ولإشرافها على منطقتين هامتين تاريخيا واقتصاديا هما درعة وتافيلالت. وهذا البعد الجغرافي الإستراتيجي البالغ الأهمية، جعلها دوما محط أطماع كثيرة . فتنافست عليها أقوى القبائل وأعتاها. وسكانها هم مزيج من بقايا تلك القبائل التي استقرت بها بدءا بالزنوج (الحراطين) وانتهاءا بأيت عطا ومرورا بصنهاجة القبلة (أهل دادس واورتكيين وإمكون الخ…)، واليهود ، وهسكورة القبلة (إمغران) وزناتة (آيت سدرات)، وبنو معقل (أسكورن أوسكورة)، أجل لقد حظيت الهندسة المعمارية لمنطقة دادس ببعض الدراسات المرجعية في هذا الباب كدراسات هنري تيراس (1938) و.د. ج مونيي (1962). لكن ما عدا ذلك، ظل تاريخ وحضارة دادس في انتظار من يدرسه، وأخذت تظهر من حين لآخر في الآونة الأخيرة دراسات جزئية قام بها بعض الباحثين من أبناء المنطقة من الرواد الذين يعد الأستاذ محمد المنور واحدا منهم. نتمنى أن يحذو حذوهم الجيل الصاعد. لكن ما يميز عمل الأستاذ الباحث محمد المنور، هو مجيئه ليعزز ما تم إنجازه ويوسع من آفاقه وينير الطريق لمن تغمره الرغبة من أبناء المنطقة وغيرهم لاقتحام مجال البحث التاريخي الشاق. كما ينفرد أيضا بنفضه الغبار عن حقبه حاسمة في تاريخ المغرب عامة وتاريخ دادس خاصة. وخلالها اشتد التنافس بين الدول الاستعمارية حول المغرب ومارست عليه ضغوطا كثيرة للاستيلاء عليه، وتم ذلك في النهاية لصالح فرنسا واسبانيا ومن تداعيات ذلك على منطقة دادس، كونها أصبحت شيئا فشيئا مسرحا لتنافس قوى سياسية، هدفها التحكم والتمركز والتسلط، وهناك وازع آخر – في نظري – لم يبح به الأستاذ محمد المنور جهرا، هو أن اهتمامه بتاريخ دادس هو عاطفي أراد من خلاله أن يرد الجميل لمنطقة مسقط رأسه التي ترعرع فيها وفي ذلك ما ينهض دليلا على حبه لها . ألا إن حب الأوطان من الايمان.
وقد فعل خيرا لأن دراسته إضافة علمية نوعية عمقت البحث في البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمنطقة دادس مبرزة أصالتها والتطورات التي طرأت عليها زمن استيلاء الفرنسيين على مناطق ما وراء الأطلس بصفة نهائية بعد معركة الكرامة الشهيرة ببوكافر يجبل صاغرو الشامخ ( فبراير – مارس 1933).
وهذا العمل هو ثمرة بحث مضن تطلب من صاحبه ما يزيد عن ربع قرن من الجهد المتواصل سبق له أن نشر جزءا منه سنة 2004 في كتاب باللغة الفرنسية تحت عنوان :  » الجنوب- الشرقي المغربي: تأمل حول تعمير وتنظيم المجالات الاجتماعية والسياسية: دادس نموذجا ». وهو في الحقيقة تكملة لبحث جامعي سابق ناقشه بجامعة شامباني – أردين– رانس بفرنسا سنة 1984 نال به شهادة دكتوراه السلك الثالث في التاريخ؛ وعنوانه « المسار التاريخي لأسرة من الجنوب المغربي من خلال دراسة أربع مخطوطات غير منشورة (الناصريون ما بين القرنين الخامس عشر والعشرين ».
أما المنهجية المتبعة في الدراسة، فتتلخص في سبر أغوار التاريخ القديم للمنطقة كلما كان ذلك ضروريا بالاعتماد على المصادر المكتوبة، وخاصة الوثائق المحلية المتنوعة التي تجمعت لديه غير أن تركيز نظره على دادس لم يمنعه بين الفينة والأخرى من الإطلالة على المناطق المصاقبة لها وخاصة درعة وتافيلالت اللتين يتداخل تاريخهما مع تاريخ وادي دادس.
وهناك ملاحظة أخرى، ألا وهي اعتماده أيضا على الرواية الشفوية، علما أن المصادر التوثيقية يشوبها قصور، ومعروفة بمحدوديتها. ولم يفت الباحث في هذا الصدد، التمييز بين الزمان الأسطوري والزمان التاريخي، ورغما عن أن مصادره التقليدية قليلة وغير متجانسة، وغير مستمرسلة تاريخيا، فإنه حاول -قدر المستطاع- ردم هذه الهوة بالجمع بين الكتابات المختلفة التي لها علاقة ما بموضوع الدراسة.
أما بخصوص دراسة البنى الاجتماعية، فقد أكد الباحث أنه اعتمد أساسا على الوثائق المحلية المختلفة العائلية منها والقبلية مما ساعده على تبيان عرافة تلك البنيات المنظمة لعلاقات الأفراد فيما بينهم. وبالمجموعات التي منها انتماؤهم من جهة، ومن جهة أخرى العلاقات التي كانت تربط المجموعات فيما بينها. وهنا وقف عند الكيانات القبلية الكبرى المنتشرة بدادس مبرزا تنظيماتها التي كثيرا ما توصف « بالديمقراطية »، كما أفاض القول في تفرعاتها التي تشكل إغرمان (القصور) ركائزها الأساسية لكونها تجسد استقرار واندماج تلك القبائل في الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت الزراعة المسقية عمودها الفقري،وحياة النجعية تكملة لها، وذلك إلى عهد قريب، وطالما تنافست القبائل على المراعي القريبة والبعيدة مما كان يؤدي من حين لآخر إلى خلافات واصطدامات عنيفة فيما بينها.
واهتم القسم الثاني من الدراسة بالسيطرة الكولونيالية وأساليبها والإمكانيات المسخرة للتمكن من المنطقة ذاكرا في هذا الصدد، استفزازات الكلاوي وحركاته وإكراهات المرحلة التي نتجت عن تقدم السيطرة الفرنسية أو ما اصطلح على تسميته « بالتهدئة » (la pacification)، وأن تلك السيطرة لم تتحقق بشكل نهائي إلا بعد معركتي بوكافر وبادو الشهيرتين سنة 1933.
وكل هذه القضايا والإشكاليات تمت دراستها بتفصيل في أربعة فصول متباينة الحجم والأهمية، رصد فيها الباحث التطور التاريخي للبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الدادسية معتمدا في ذلك على ما تزوده به الوثائق المحلية من إفادات قيمة قام بإغنائها بالتحري الميداني الذي ساعده على فهم العديد من الأحداث والظواهر التاريخية.

المصادر والوثائق المحلية:

وككل بحث أكاديمي جاد استعرض الباحث مصادره التي وصفها بالتقليدية وهي التي اعتمدت في إنجاز دراسات منوغرافية حول بعض المناطق المغربية والتي لها علاقة ما بالبحث في العلوم الاجتماعية، منها على الخصوص كتب الأدب الجغرافي، وكتب التاريخ والحوليات، وكتب الأنساب والكرامات، والأدب الكولونيالي، وتقارير بعض الأرشيف الدبلومسي والعسكري الفرنسي، وكتابات البحث التاريخي المعاصر سواء في المغرب أو خارجه. وقد وقف عند كل هذه الأصناف من المصادر على حدة مبنيا إفاداتها وثغراتها إن لم نقل تجاهلها التام لكل ما له علاقة بالبنى الاجتماعية والاقتصادية لدادس. وهنا تأتي الوثائق المحلية على اختلافها، لتملأ هذا الفراغ الهائل الذي يظهر جليا في المصادر التقليدية، فالوثائق المحلية مهمة جدا في معرفة المجتمع، لأنها تابعة من عمقه، إذ تعكس الواقع التاريخي المعاش لذلك لا مناص منها لاستجلاء الحقيقة التاريخية التي طالما جرى ويجري الباحثون وراءها. غير أن استغلال الوثائق المحلية في الدراسة التاريخية وغيرها، لا يخلو من مخاطر، إذا علمنا أن اللغة العربية التي كتبت بها تختلف عن بنية اللغة العربية المتينة لأن كتابها طلبة وفقهاء ونساخ ليس لهم إلمام واسع باللغة العربية وقواعدها وأسلوبها فجاءت كتاباتهم عامية، عربية في ظاهرها، لكنها في باطنها وبنيتها أمازيغية ذات صيغ ومفردات أفرغها الكاتب أو الناسخ في قالب وأسلوب غير متماسكين يصعب على من لا يملك نواصي اللغة الأمازيغية وقواعدها النفاذ إليها، واستغلال معلوماتها استغلالا جيدا. وهذه المخاطر سبق أن نبه إليها الأستاذ العربي مزين رحمة الله عليه، في دراسته القيمة حول تافيلالت خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادين.

المجال والإنسان:

وفي الفصل الثاني تطرقت الدراسة إلى وصف جغرافية وادي وخصائصها، مبرزة أن هذا الوادي الطويل الممتدة على مسافة مائتي كيلومتر تقريبا يضيق في العالية ويتسع تدريجيا نحو السافلة ليشكل مع رافده وادي امكون (جامو) الرافد الأعلى والأهم لوادي درعة. ورغما عن أن منطقة دادس محاطة بجبال الأطلس الكبير الأوسط شمالا وغربا، وبجبل صاغرو شرقا وجنوبا، فإن ذلك لم يجعل منها منطقة معزولة عن باقي المناطق، وخاصة القريبة منها فدادس بموقعه الاستراتيجي كان دوما منطقة عبور في جميع الاتجاهات شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، إذ كانت تخترقه الطريق الرابطة بين الأطلس الكبير ووادي درعة في اتجاه الأطلس الصغير، كما كانت تمر به الطريق المتجهة من تافيلالت نحو مراكش ومنطقة سوس.
ومناخ وادي دادس، هو مناخ شبه صحراوي وقاري، حار صيفا وقارس شتاءا، تقل في التساقطات المطرية والثلجية تدريجيا من العالية إلى السافلة، وهي غير منتظمة، مما ينعكس سلبا على صبيب الواد صيفا، وقد يجف جريانه في جزء كبير منه. وعلى خلافه، يظل جريان واد مكون متواصلا خلال نفس الفترة رغم تناقص مياهه. وبصورة عامة، فقد شكل الماء واستغلاله عنصرا حيويا، إذ بدونه لن تقوم قائمة للفلاحة في المنطقة. وشكلت التضاريس القاحلة بدورها عائقا أمام نمو الزراعة لأن الأراضي الفلاحية محصورة بجنبات الوادي، مما يعرضها باستمرار للانجرافات أثناء الفيضانات المهولة التي طالما شهدتها المنطقة، ناهيك عن التعرية بسبب الرياح القوية، وكذا قساوة المناخ. وهذه الاكراهات الطبيعية مجتمعة حدت وتحد من الإمكانيات الزراعية. وظل الفلاح الدادسي يصارع من أجل البقاء والاستمرار في تعهد فلاحته المعيشية بأساليب وأدوات تقليدية، معتمدا في ذلك على سواعده ايمانا منه أن أرض دادس لا تحرثها إلا ثيران دادس (أوردا إكرز أكال ن دادس خس ازكارن ن دادس). و إزكارن أو الثيران هنا كناية عن رجال دادس وأهله وهذا القول المأثور بالغ الدلالة، معناه أن الزراعة في دادس كانت تتطلب ولا تزال مجهودا كبيرا نظرا لطبيعة التربة المائلة إلى الصلابة. لهذا كان الدادسيون يعتقدون أنهم الذين وحدهم، كان بمقدورهم، القيام بحرث أرضهم والعناية بها ومهما يكن من أمر، فإن ذلك ينم عن تمسكهم بأرضهم رغم قساوة الظروف الطبيعية.
وإذا كان واد دادس ورافده أسيف امكون يتوفران على مياه جارية متفاوتة، حسب الفصول، فإن ذلك كان مدعاة لاستقطاب العديد من القبائل من أجل الاستقرار، الشيء الذي كان من نتائجه تناثر القصور على ضفافيهما. ومن المعلوم أن كل قبيلة كانت تراقب محاطا زراعيا خاصا بها كانت تقوم بايصال الماء إليه عن طريق حفر القنوات (تركين) في أماكن محددة تتفرع عنها سواقي صغيرة تسمى إغلان، وهي بمثابة شرايين ذلك المحاط، وكان توزيع الماء يتم وفق نظام محكم متوارث جيلا بعد جيل، غير أن قلة الماء خصوصا في فصل الحر، كانت تفضي أحيانا إلى نزاعات بين بعض قبائل السافلة وقبائل العالية فهذه الأخيرة طالما احتكرت مياه الواد خلال نفس الفصل وهو ما لا تقبله ساكنة قصور السافلة. وأثناء وقوع النزاعات بسبب ذلك، سرعان ما تتدخل بعض الأطراف الدينية (الزوايا) والسياسية (كبار وشيوخ القبائل) لوضع حد لها، وطالما كان ذلك مناسبة لتحيين الاتفاقيات الجماعية، وذلك بإلغاء أو إضافة بنود جديدة عليها تماشيا مع المستجدات الجديدة. ويبدو أن استصلاح أراض جديدة في فترات معينة كان يؤدي بدوره إلى مثل هذه النزاعات، لأن حاجة تلك الأراضي الجديدة للماء كانت تؤثر على التوازن القائم إلى ذلك الحين، علما أن هذا التوازن بإمكانه أن ينهار مرة أخرى، كلما جد حادث سياسي بالمنطقة. من أمثلة ذلك، استبدال شيخ العالية بشيخ من السافلة، فحينها كان يشعر سكان السافلة بالقوة السياسية التي قد تمكنهم مثلا من تغيير أماكن مرور السواقي على حساب جيرانهم في العالية. وما هو جدير بالملاحظة، أن سكان دادس عموما كلما شعروا أن استقرارهم كان مهددا بسبب ما، كانوا يبادرون إلى عقد اتفاقيات جماعية يلتزم بها الجميع لحماية ما هو حيوي بالنسبة إليهم كالقصر (إغرم) ومحاطه الزراعي (إكران)، وهو ما اصطلح عليه بالعافية التي يسري مفعولها لمدة معينة قد تصل إلى عشر سنوات . ومعنى العافية هنا التمتع بالسلام والطمأنينة وبتعبير آخر فخلال مدة العافية كان لا يسمح لأي كان أن يقوم -مهما كانت الظروف- بأي عمل من شأنه أن يمس بأمن وطمأنينة المستقرين.
وظل وادي دادس بحكم تضاريسه الوعرة ومناخه الشبه الصحراوي معرضا لتحديات عديدة تطلبت من سكانه الكثير من اليقظة لرفعها وإيجاد الحلول المناسبة لها، خاصة تلك المتعلقة بالماء الذي هو عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وهذه الاكراهات المختلفة حدت من الإمكانيات الزراعية ومردوديتها، فأدى ذلك بالسكان إلى ممارسة الرعي كنشاط تكميلي للتخفيف من محدودية فلاحتهم. وكان أفراد الأسر يتناوبون على الزراعة والرعي: قسم منهم يقوم بالزراعة قريبا من القصر (إغرم)، وقسم آخر يقوم بالرعي بعيدا عنه لمدة معينة في السنة، يعود بعدها للقيام بالعمل الفلاحي، في حين يلتحق الطرف الآخر بأماكن الانتجاع. لكن الوضعية اختلفت من أسرة إلى أخرى، إذ كان بعض الأفراد من نفس الأسرة يلتزمون الرعي طول حياتهم، وكانوا يزورون قصرهم بين الفينة والأخرى لمدة قصيرة. إلا أن التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة بعد استيلاء الفرنسيين عليها جعلت الرعي يتناقص ويفقد الأهمية التي كانت له في الماضي.
وقبل الخوض في موضوع الدراسة، قام المؤلف بجولة تاريخية في المنطقة انطلاقا من اسم دادس، مؤكدا على عراقته، وعلى صعوبة فك معنى هذا الاسم الأمازيغي لغويا مدليا بدلوه في الموضوع. لكن تأملاته وشروحه تظل اجتهادات أولية ليس إلا كما تساءل عن غياب هذا الاسم في المصادر التقليدية، وما معنى ايراده عرضيا ويشكل نادر في بعض منها؟ فبالنسبة إليه -وهو على صواب- فوادي دادس كان يعتبر دائما جزءا من إحدى المناطق المحيطة به خاصة درعة تافيلالت اللتين لعبتا الأدوار المعروفة في تاريخ المغرب. كما كان أيضا ملحقا بالمراكز الحضرية البارزة في هذه المناطق وغيرها كسجلماسة وقبلها مدينتي زيز وتودغة في بداية القرون الوسطى وما بعدها. أما في القرن التاسع عشر فقد أصبح تابعا لدمنات قبل ضمه إلى إيالة تلوات بزعامة المدني الكلاوي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وعلى اي فاسم دادس- يرى الباحث- هو اسم للمجال ولسكانه.
أما السكان فرسم عنهم الباحث صورة واضحة منذ أقوم العصور إلى بداية القرن العشرين، مشيرا إلى تنوعهم وتجددهم باستمرار، لما لدادس من أهمية وإستراتيجية كبرى كمنطقة عبور، ولذلك حاولت الاتحاديات القبلية الكبرى أن يكون لها بها وجود ضمانا لذلك العبور من جهة، ومن جهة أخرى مراقبة الطرق التجارية المارة بها. وتظهر الدراسة إفادات كبيرة بخصوص استقرار هذه القبائل بالمنطقة ومراحله والاشكالات التاريخية التي يثيرها، حيث يجهل تاريخ وصول بعضها إلى المنطقة بشكل دقيق. كما هو حال أيت سدرات الذين ما كان لهم وجود في المنطقة خلال القرن الثاني عشر الميلادي. ففي هذه الفترة كانوا يقيمون في الأطلس المتوسط وشرقي مدينة فاس. إن قدومهم إلى دادس حصل بعد ذلك التاريخ في ظروف غير معروفة. وليس مستبعدا أن يكون بنو عمومتهم المرينيون الزناتيون مثلهم هم الذين استقدموهم إلى المنطقة في إطار سياستهم الرامية إلى محاصرة عرب ببني معقل المكتسحين للمغرب الصحراوي كي لا يتسللوا إلى السهول الشمالية الخصبة عبر ممرات جبال الأطلس وقد تحالف المرينيون مع قبائل أخرى غير زناتية لنفس الغرض في مناطق أخرى من المغرب.
وللوقوف على أهمية وادي دادس كمجال لاستقطاب سكان جدد، أورد المؤلف نموذج أسرة من شبانات عرب بني معقل التي منها انحدرت الأسرة المعروفة فيما بعد بالناصريين. فالجد الأعلى لهذه الأسرة أثناء خروجه من سجلماسة في نهاية القرن الخامس الميلادي، قصد دادس، ونزل بقصر تيليت الذي كان مقرا للسلطة المخزنية بالمنطقة وقتئذ. ومن هناك نشأت النواة الأولى للجعفريين الناصريين قبل انتقالهم إلى وادي درعة وتحديدا إلى تمكروت التي رأت فيها النور إحدى أهم وأكبر الزوايا بالمغرب خلال القرن السابع عشر الميلادي وما بعده.
ويعتبر الزنوج أو من اصطلح على تسميتهم بالحراطين (إقبلين) من بقايا السكان القدامى بوادي دادس الذي تناثرت على ضفافه قصورهم. إلا أن سكان بعض القصور هي مزيج من الحراطين وغيرهم ويعتقد بعض الباحثين أن اسم الحراطين هو تصحيف لكلمة الحراثة أو الحرث لأنهم هم الذين كانوا يقومون بخدمة الأراضي وغيرها من الأعمال الشاقة لفائدة السكان الآخرين الذين كانوا يستغلونهم كما كان السيد يستغل عبده. غير أن فريقا آخر من المؤرخين يرى أن الحراطين سواء في دادس أو في غيره من المناطق المجاورة ينحدرون من الكوشيين (kouchites) الذين تحدثت عنهم بعض الكتابات في العصور القديمة. وهذا الأمر يدل على قدمهم بهذه المناطق.
ولعل العنصر اليهودي بدوره من أقدم العناصر المتساكنة بوادي دادس، إذ يرى بعض المؤرخين أن وجوده بواحات ما وراء الأطلس عموما، ودادس خصوصا، يعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد وقد لعب اليهود دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لهذه المناطق طيلة العصور الوسطى والحديثة ويبدو أن العديد منهم انضموا إلى قصور المسلمين وشيدوا داخلها منازلهم ضمن مجال مخصص لهم (أي الملاح). وشهد المكون اليهودي بدادس انتعاشا في بداية القرن السادس عشر بوصول بعض الأسر اليهودية القادمة من الأندلس بعد سقوط غرناطة سنة 1492. ومن جملة هذه الأسر أسرة جوزيف بيريس التي حطت الرحال بقصر تيليت الواقع بوسط دادس، والذي تملكته عن طريق الشراء من المخزن. ويبدو أن هذا الاستقرار تم خلال العقدين الأولين من القرن السادس عشر بالنظر إلى المدة الزمنية التي كانت قد استغرقتها تنقلاتها في شمال المغرب وعبر الأطلس الكبير قبل وصولها إلى دادس. وقد يتساءل سائل لماذا الاستقرار في دادس في هذه الفترة؟ ربما ذلك راجع إلى كون هذه المنطقة بعيدة عن القلاقل والأزمات الغذائية التي كان شمال المغرب عرضه لها طيلة نفس الحقبة. ومهما يكن من أمر، فإن عدد هؤلاء تزايد وانضمت إليهم عناصر يهودية أخرى من آفاق مختلفة واندمج الجميع في البيئة الدادسية التي أصبحوا جزءا منها فتعلموا لغة الزاي التي هي لسان الدادسيين وتبنوا تقاليدهم وأعرافهم وطريقتهم في البناء واللباس والغناء والزراعة والتجارة وبمرور الوقت، أصبح قصر تيليت بسبب نشاطه الاقتصادي، أهم قصور وادي دادس خلال القرون الثلاثة الأخيرة إلى أن هاجره سكانه اليهود في بداية العقد السابع من القرن الماضي.
وإجمالا عاش اليهود في دادس وفي قصر تيليت وفي قصور أخرى، حياة عادية في احترام متبادل، وكانت تجمعهم بالمسلمين علاقات كثيرة قوامها تبادل المصالح، سيما وأن اليهود كان لهم نشاط اقتصادي وتجاري وصناعي مهم. وبعد هجرتهم في الستينيات من القرن الماضي تدهورت الأنشطة التي كانوا يزاولونها وخاصة الصناعة التقليدية وإلى حدود اليوم لم تستطع صناعة الحلي الإقلاع من جديد رغم المجهودات المبذولة من طرف الصناع التقليديين لقصر أزلاك أحد قصور الضفة اليسرى لواد دادس.
ومن مظاهر التعمير أيضا بوادي دادس ما يسمى بإغريبن مفرد أغريب وهو تصحيف لكلمة الغريب وإغريبن هي عبارة عن بنايات مهجورة في بعض الأماكن وهي كما يدل عليها اسمها، مساكن للغرباء عن المنطقة ربماحاولوا الاستقرار في فترة من الفترات ولم يفلحوا في ذلك. وظلت تلك الآثار دالة على مرورهم من هناك.
ولتفردها بموقع استراتيجي كمنطقة عبور لا مناص منها وذات موارد متنوعة، شهدت منطقة دادس العديد من الهجرات استهدفتها إلى جانب القبائل السالفة الذكر. ويتعلق الأمر بقبائل آيت ازدك وأيت يفلمان وأيت إدارسن. إلا أن ضغط هذه الهجرات على دادس سيزداد حدة بظهور ونشأة اتحادية آيت عطا في جبل صاغرو (إغرم أمزدار) خلال القرن السادس عشر الميلادي وما بعده. فقد تمكن آيت عطا من أخذ مواقع هامة في عالية (دادس آيت بويكنفن بمسرير) لضمان مرور مواشيهم نحو المراعي العليا بالأطلس الكبير الأوسط. كما أن مجموعات أخرى منهم تمكنوا من التسلسل إلى دادس الأوسط وشيدوا هناك قصورا، منها على الخصوص ،آيت عمر أوعيسى، وآيت حقي، وأيت أوزين واعطاشن وأيت لحسن. واستطاعت فرق أخرى منهم الاستيطان في منطقة بومالن- دادس التي أقاموا بها قصورا أخرى مثل آيت بوولال وسليلو (أيت أونير) وغيرهما، علما أن بعض الأسر قد اندمجت في قصور أخرى كما هو الحال في قصري ترموشت، وآيت موتد على سبيل المثال لا الحصر. وهناك مجموعات عطاوية أخرى اندمجت في ظروف غامضة في قبائل مضادة لحلف آيت عطا: آيت سدرات مثلا.
وخلص الباحث إلى أن التعمير في منطقة دادس، كانت تتحكم فيه عوامل داخلية وأخرى خارجية، وأن طبقاته متنوعة ومعقدة ليس من السهل رصدها في الزمان والمكان لقلة المصادرة واندثار معالمها المادية في كثير من الأماكن، مما يجعل كثيرا من الجوانب يكتنفها الغموض وتحتاج إلى دراسات أخرى. وإذا كان التعمير في دادس يتجدد جزئيا من فترة إلى أخرى، فإن أيا من المجموعات القبيلة المتنافسة عليه، لم تستطع فرض سيطرتها على المنطقة برمتها، مما ساهم في خلق وإنشاء أحلاف تتصارع فيما بينها من حين لآخر. وربما شكلت الخرائب والأطلال المسماة بإغريبن وإكرمان أو أبراج الحراسة إحدى تجليات الحروب والصراعات التي كانت دائرة بين تلك الأحلاف في فترات معينة، وهي دالة أيضا على أن المنطقة كانت دائما في حالة دفاعية استعدادا لصد هجمات المغيرين من الرحل وغيرهم.

المؤسسات الاجتماعية التقليدية بدادس:

وفي محور ثالث تناولت الدراسة موضوع التنظيم الاجتماعي المعروف بالتقليدي السائد في دادس قبل التدخل الكولونيالي، مبنية المبادئ العامة المتحكمة في تنظيم المجتمع سياسيا واجتماعيا، والتعرف على الآليات التي مكنت التجمعات السكينة (القصور) من تدبير شؤونها الداخلية والخارجية بعيدا عن هيمنة السلطة المركزية.
وفي البداية، أكد الباحث على أنه من الضروري إزالة اللبس حول وصف هذا التنظيم الاجتماعي بالتقليدي من طرف العديد من المؤرخين والباحثين الذين يعتبرونه سلبيا ومنحطا، وهو أمر غير صحيح، إذ على العكس من ذلك، هو تنظيم ناجع وفعال منبثق عن واقع معاش تضبطه قوانين أو إزرفان لاحتواء ومعالجة مشاكل السكان درءا للمخاطر والأزمات التي قد تنتج عنها، مما يستدعي التكيف مع كل ما هو مستجد في مجتمعات الواحات المتسمة بالحيوية إن مجتمعات الواحات ليست جامدة إذ كانت تتأثر بالمحيط وتتفاعل معه فيؤثر عليها وتؤثر فيه.
وتعمقت الدراسة بشكل دقيق في المكونات الأساسية للتنظيم الاجتماعي الدادسي، مبرزة العناصر البنيوية المشكلة له، كالأسرة والعظم (اغص)، والمجال الترابي الذي يمثله القصر في أبعاده الهندسية والتاريخية والتدبيرية وكذا علائقه الخارجية في شتى المجلات مع القصور الأخرى.
وطبعا، شكلت الأسرة واسطة العقد في التنظيم الاجتماعي الدادسي، وتنعت محليا باسم تكات أوأالمسي، ورغم أنها أصغر خلية اجتماعية، فهي المعبرة عن هذا التنظيم الاجتماعي بشكل واسع لأن تركيبتها البشرية (أب وأم وأطفال وأقارب الخ…) هي عماد الهيكل الاجتماعي الذي تنبني عليه كل العلاقات الداخلية والخارجية.
والأسرة الدادسية أبوية، يختلف حجمها من قصر إلى آخر، فقد تكبر أو تصغر، أو يتم إدماجها في أسرة أو أخرى لعدة أسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية حسب الظروف التاريخية ويشكل إغص أو العظم المكون من عدة عائلات تدعي أنها تنحدر من جد حقيقي أو مزعوم، الدعامة القوية للأسرة الدادسية في التنظيم الاجتماعي السائد. وعموما فالفرد في المجتمع الأمازيغي لا تكون له الأهمية إلا في إطار جماعي الذي تجسده أولا أسرته وعظمه وقصره وقبيلته. لذلك كان عليه الانصياع لكل ما يصدر عن هذه المؤسسات الاجتماعية والسياسة والثقافية المحددة لهويته التي كان يمثلها إغرم (القصر) الذي كان ينتمي إليه. وإغرم هو مجال استقرار مجموعة من العظام، وكان خاضعا لهندسة معينة حسب الموقع، وحسب أهمية عظامه. وعادة ما كان يحاط بسور يتخلله باب أو بابان أو ثلاثة، وعليه ابراج الحراسة. وإذا كان بناء القصور يتم بالتراب المدكوك والمواد المحلية فإن مواقعها وبنيتها الداخلية تختلف من قصر إلى آخر. وإلى حدود اليوم، لا تتوفر على دراسة دقيقة حول هذا الموضوع بيد أن القصور في منطقة دادس وغيرها كانت تتوفر على بنية هندسية وحضرية متميزة جدا.
ولإغرم في دادس معنى آخر هو تقبيلت أو القبيلة التي كانت تمثل مستوى أعلى من إغص (العظم). وكانت القبيلة تتألف من مجموعات من إغرمان منتشرين في مجال جغرافي محدد ينتمون إلى جد واحد معروف أو مفترض. والقبيلة لها عدة أفخاذ مكونين من مجموعة من إيغرمان، تجمعهم ارتباطات اجتماعية واقتصادية وسياسية في إطار جغرافي يتطورون داخله ويدافعونه عنه. ومجموع هذه القبائل والأفخاذ، يكونون اتحادية قبلية كبرى. وكما سبق الذكر، فقد استقرت في دادس منذ العصور الوسطى على الأقل، اتحاديات كبرى كصنهاحة القبلة وهسكورة القبلة، وآيت سدرات (زناتة)، وآيت عطا في العصر الحديث.
وظل إغرم هو الركن الأساسي في التنظيم الاجتماعي ليس في منطقة دادس وحدها فقط، بل في مناطق الواحات كلها، لما له من أبعاد متعددة ففيه كان يتجسد الإطار الجغرافي والاستقرار والانتماء والتجانس بين الفرد وجماعته. وهو القلب النابض للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي البعيد الغور. وقدمت الدراسة في هذا الصدد، قصر أمدناغ كنموذج لما كانت عليه بعض القصور في نشأتها، ومراحلها، وعناصرها، وعلاقاتها الداخلية والخارجية كما برهنت عن مظاهر التضامن بين القاطنين في القصر سواء من أجل بناء المنازل والبيوت أو بناء المرافق والأجزاء المشتركة الأخرى، من سور وأبواب وأبراج وغير ذلك.
والقصر ككيان اجتماعي وسياسي كانت تقوم بتسيير شؤونه مجموعة من الأشخاص كان يطلق عليهم اسم لجماعت المؤلفة من ممثلي العائلات والعظام القاطنة بالقصر. وكان تعيينهم يتم في غيابهم، حسب كفاءتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية، وكذا معرفتهم بعرف القبيلة الذي هو إلى حد ما القانون الأسمى (الدستور) الذي يحتكم اليه عند الحاجة. وهؤلاء النواب إن صح التعبير-كانوا يسهرون على كل المؤسسات الاجتماعية للقصر، وكانوا يتخذون كل القرارات اللازمة في شانها وحريصين على تنفيذها. وشكلت مؤسسة أمغار إحدى أهم هذه المؤسسات لما كان لأمغار من دور أساسي في قيادة القبيلة والقصر الذي كان ينتمي إليه. أما تعيينه، فكان أول الأمر لفترة محددة (عام واحد) تجنبا للتحكم والطغيان. وبمرور الوقت، أصبح متوارثا في بعض الأسر. وقد كان المخزن يزكي الشيخ الذي كانت القبائل ملتفة حوله. وكان شيخ القبيلة يصدر الأحكام وينفذها، كما كان ينفذ كل ما يصدر عن الجماعة.
وكانت الجماعة تتدخل في تدبير كل مجالات الحياة بالقصر الزراعية منها والرعوية وغيرها. فالجماعة هي التي تعين مثلا المشرف على تعهد الساقية (أعلام ن تركا أوأمغار ن تركا) أو الراعي (أمكسا). كما كانت تشرف على أمور المسجد، وذلك بالعناية بمرافقة « وتوظيف » فقيه القبيلة وفق ما يحفظ كرامته وتسمع به موارد القبيلة. وكانت أجرته محددة سنويا في قدر معين من المحصول الزراعي، ومبلغ آخر من المال كان يساهم في تأديته قاطنو القصر، كل حسب وضعيته كما كان الفقيه (الطالب) يحظى باالضيافة اليومية تناوبا بينهم. والجماعة هي التي كانت تقوم أيضا بتنظيم ضيافة الزوار الطارئين مثل الشرفاء وإمديازين (الشعراء) الذين كانوا يتجولون في المنطقة في أوقات معينة.
وخلاصة القول، فحكامة من هذا النوع، تنم عن أصالة ونجاعة كبيرتين لانخراط جميع الفاعلين فيها، وهي سابقة لما ما اصطلح على تسميته في الوقت الحاضر، بحكامة القرب، وبمفهوم اللاتمركز، وهي مفاهيم تم تبنيها منذ زمن بعيد من طرف الأمازيغ ليس فقط في دادس، بل في بلاد تامزغا كلها (الشمال الافريقي) كله. وهكذا، فإن تعمير مجال معين، كان يتطلب بالضرورة تنظيمه وضبطه وفق قوانين وأعراف كانت تقوم بإصدارها لجماعت بشكل ناجع وفعال ضمانا للتوازن والاستقرار المتواصل لساكنة ذلك المجال (القصر أو القبيلة).

الزوايـــا:

وظلت منطقة دادس مؤطرة من الناحية الدينية بالعديد من الزوايا المتفاوتة الأهمية والتي بقي تاريخها يكتنفه الغموض، حيث إن أغلبها لم تتم معرفة ظروف ظهورها في المنطقة. وإلى جانب دورها الديني، فإنها على المستوى السياسي، كان يحتكم إليها لوضع حد لبعض النزاعات وإصلاح ذات البين. وبعد السيطرة الفرنسية، انفردت إحداها بخطة القضاء، ويتعلق الأمر، بزاوية مولاي عبد المالك التي تنامى نفوذها وسط قبائل آيت دادس، وآيت سدرات، وإمكون وغيرهم) خلال نفس الفترة. وكان مولاي عبد السلام بن مولاي عبد المالك زعيمها، قاضيا بعد أن زكاه الكلاوي والفرنسيون، وإثر ذلك، لعبت زاويته دور الوسيط بين قبائل المنطقة والإدارة الاستعمارية. وقد راكم قاضيها ثروة هامة على شكل أراض وعقارات متنوعة كبيرة استفاد منها نجله محمد المختار بعد وفاته سنة 1956.
ومن المعلوم أن الزوايا في دادس حظيت بالاحترام والتوقير، فكانت القبائل تقدم لها « الزيارات » في مناسبات محددة على شكل تبرعات وهبات عينية تساعدها على الضيافة وإطعام الطعام للزائرين وعابري السبيل. وكان الناس يسدون لها العديد من الخدمات وخاصة منها تلك التي لها ارتباط بالفلاحة.
وتبين المعطيات المتوفرة إلى حدود منتصف القرن العشرين على الأقل، أن الطريقتين الصوفيتين التيجانية والدرقاوية هما الأكثر انتشارا في أوساط زوايا دادس ثم تأتي بعدهما تباعا الطريقتان الناصرية والقادرية.

المساجد:

وإلى جانب الزوايا التي كانت تنشط في المجال الديني، هناك المساجد التي انتشرت بين قرى وقصور المنطقة. وبعض هذه المساجد كانت مدارس لتحفيظ القرآن وإشاعته بين أبناء دادس. وسبقت الإشارة إلى أن أئمة المساجد كانوا يحظون بالتقدير والاحترام والعناية من قبل الساكنة الدادسية، التي كانت تحفظ لهم كرامتهم من خلال التكفل بمعيشهم اليومي.

العرف (أزرف أو تيعقيدين):

وبدوره وعلى مر العصور، أطر العرف أو أزرف المجتمع الدادسي فأزرق (جمع إزفان) معناه القانون أو مجموع القواعد التي كانت تضبط العلاقات بين الناس الذين يعيشون في مكان معين،وكانت تلك القواعد والقوانين من إفراز نفس المجتمع وتفرضها إكراهات اجتماعية على الفرد والجماعة على حد سواء.
وأعراف منطقة دادس كغيرها من أعراف القبائل الأمازيغية، شملت جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكان مشروعوها توخون من ورائها الحفاظ على التوازن داخل القبائل، والتركيز على قيم التضامن، مما يعطي للجماعة المناعة والقوة ويجنبها التفرقة التي قد تؤدي إلى الانحلال والزوال. إن تيعقيدين – ن – دادس تعبر عن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشها الدادسيون خاصة خلال القرون الثلاثة الأخيرة. وهي خزان لمعلومات تاريخية مهمة لا توجد في غيرها من المصادر الأخرى.

-العلاقات مع المخزن:

وكانت العلاقات التي كانت قائمة بين منطقة دادس والمخزن أو الدولة المغربية آخر نقطة في هذا المحور. وحاول الباحث رصد تلك العلاقات وأوجهها منذ العصور الوسطى إلى التغلغل الفرنسي بعد سنة 1933. والملاحظ أن تلك العلاقات لا تبدو واضحة لأن المنطقة -كما سبق الذكر- كانت تابعة لدرعة تارة، ولتافيلالت تارة أخرى. لكن الأمر أخذ يتغير شيئا فشيئا، بظهور الأشراف العلويين الذين أخذ وجودهم يتزايد بمضي الوقت، إما بواسطة بعض القياد أو بعض الشيوخ. وتظهر بعض الوثائق العائلية وخاصة الظهائر السلطانية، أن المخزن العلوي أثبت وجوده بشكل دائم في المنطقة منذ منتصف القرن الماضي، وذلك بتعيينه لبعض الشيوخ، واستمرار إقرارهم بنفس الصفة بعد هذا التاريخ. مما كرس الشياخة لمدة طويلة في بعض العائلات خلافا لما جرى عليه العرف الذي جعل تعيين الأشياخ موكولا إلى الجماعة التي تمثل القبيلة.
وإذا كانت ظهائر التعيين لا تحدد مهام الشيوخ، فإنها كانت تجيز لهم جمع الجبايات والضرائب باسم المخزن: جزء منها تقره لهم سلطة التعيين « إعانة لهم » كما جاء في بعض الظهائر. وليس الشيوخ وحدهم هم الذين كانوا يستفيدون من مثل هذه الامتيازات الضريبية، بل الزوايا أيضا، كمثال على ذلك مضمن ظهير السلطان مولاي عبد الحفيظ المجدد لظهير والده السلطان الحسن الأول المتعلق بالامتياز الممنوح لزواية مولاي عبد المالك بآيت إحيا. ونفس الامتيازات منحها قبل ذلك ظهير سيدي محمد بن عبد الرحمان وبعدها ظهير مولاي الحسن لشرفاء زاوية آيت باعمران في دادس وإمغران وسكورة ودرعة. وحدد نفس الظهير طريقة صرف تلك الإتاوات:ثلث يوزع على شرفاء الزاوية وثلث آخر لطلبة الزاوية، أما الثلث الباقي فهو مولاي أحمد بن مسهول المشرف على أمور الزاوية حينئذ.
واهتمام المخزن بهاتين الزاويتين على الخصوص، مرده إلى التأثير الذي كان لهما على قبائل المنطقة، علما أن ولاية وصلاح البومسهولي مولاي عبد المالك طبقت الآفاق في تلك الربوع. ومما ينهض دليلا على ذلك، انزعاج الكلاوي منه. وحينما توجه سنة 1919 إلى تودغة للتصدي للتآثر النوزونيني المعروف بالفتان، مر بدادس وأخذ معه مولاي عبد المالك وسجنه بتلوات ثم بمراكش بدعوى غطرسته ورفضه استقباله في زاويته.
وهكذا ولتمثيله، كان المخزن يختار بعض الشخصيات والعائلات التي كان لها وزن اجتماعي كبير في المجتمع. وكان ذلك الاختيار ضروريا لأنه ما كانت لديه الإمكانيات المادية والبشرية الكافية التي بإمكانه الاعتماد عليها لإدارة هذه المناطق النائية. ويبدو أن منطقة دادس بقدر ما كان بها شيوخ يمثلون المخزن منذ المنتصف القرن التاسع عشر – على الأقل- بقدر ما استمر وجود شيوخ آخرين ممن كانت بعض القبائل تعينهم وفق أعرافها. وقد استمر العمل بهذين النظامين « الإداريين » -إن صح هذا التعبير- إلى أن أحكم الكلاوي ومعه الفرنسيون السيطرة على المنطقة، وأحلوا محل الشياخة القديمة (تيموغرا) شياخة جديدة جعلت من أمغار أو شيخ القبيلة عونا تابعا للقائد الكلاوي وخليفته وللضابط الفرنسي المشرف على مكتب الشؤون الأهلية بالمنطقة. وأصبح الشيوخ الجدد والقدامى كالأيتام في مأدبة اللئام.
واستخلص الباحث من المعطيات السالفة الذكر، أن العلاقات بين المخزن وقبائل دادس ظلت متواصلة رغم ما كان يعتريها من ضعف من حين لآخر. وان نفس القبائل بالتالي لم تكن قبائل سائبة وفوضوية، وأن المخزن كان ممثلا بواسطة الشيوخ وبعض الزوايا التي كانت تتعامل معه. وعلى هذا الأساس، أكد الأستاذ محمد المنور، أنه لا يصح أن نتحدث هنا عن السيبة التي هي مفهوم ينطوي على مغالطة تاريخية (anachronisme) ، طالما أن القبائل كانت تنظم أمورها فيما بينها وفق ما كانت تمليها عليها مصالحها. وكانت لا تقبل التعسفات الممارسة عليها من قبل ممثلي المخزن وأعوانه الذين بفعل تلك الممارسات المجحفة كانوا يدفعونها-من حيث كانوا يشعرون أولا يشعرون- إلى الانتفاضة والتمرد.
أنهى الباحث الفصل الثالث من دراسته برسم صورة واضحة عن الوضعية السياسية في منطقة دادس قبيل السيطرة الاستعمارية مشيرا إلى أنها كانت منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي تابعة لإيالة علي وحدو قائد دمنات، ومن بعده لأبنه القائد الجيلالي لكن الأمر تغير بعد سنة 1893 سنة مرور محلة السلطان مولاي الحسن بتيزي تتلوات. وأثناء مرورها من هناك اعترضتها بعض الصعوبات بسبب تغير الأحوال الجوية وسقوط الثلوج. فسارع المدني الكلاوي إلى تقديم كل ما يلزم، ويليق بمقام السلطان الحسن الأول وحاشيته. وتعبيرا عن رضاه له عينه نفس السلطان خليفة على تافيلالت والمناطق المجاورة بما فيها مناطق درعة ودادس وتودغة وغيرها. وقد شكل ذلك حدثا سياسيا بارزا في المنطقة كلها بالنظر إلى قوة الكلاوي وطموحاته الكبيرة.
وشهدت سنة 1908 تحولا سياسيا وعسكريا كبيرا في منطقة الجنوب الشرقي، تمثل في دخول الفرنسيين واحتلالهم لبلدة بوذنيب. وكان ذلك إيذانا لانطلاق عملياتهم العسكرية نحو تافيلالت والمناطق المجاورة. ومن هناك تمكنوا من التسلل إلى تافيلالت والوصول إلى قصر تيغمرت الذي أقاموا به إدارتهم بقيادة اليوتنان نويل (Noel). وكان من تداعيات ذلك الاحتلال أن المنطقة كلها دخلت في دوامة من الاضطرابات والقلاقل التي لم تنته إلا بعد السيطرة النهائية على المنطقة كلها بعد معركتي بوكافر وبادو سنة 1933.
وعقب ذلك، ظهر فاعلون سياسيون وعسكريون بالمنطقة كان رد فعلهم قويا في توجيه الأحداث. وهكذا قدم إلى الفائجة رجل من سوس يسمى مبارك بن الحسين التوزونيني(من توزونين اسم قرية بإقليم طاطا الحالي)، رافعا لواء المقاومة ضد الوجود الفرنسي بتافيلالت. كان أول ظهور له بالمنطقة يعود إلى سنة 1915 بزاوية مولاي عبد المالك بدادس (أيت إحيا)، ومن هناك انتقل إلى تينغير التي لم يمكث بها طويلا. والتحقق بجبل صاغرو إلى مكان « لا أنيس به ولا حسيس » قريبا من ضريح سيدي محمد إفروتنت داعيا إلى المقاومة. ولما تجمع لديه أنصار عديدون خاصة أيت إعزا (أيت عطا) وإملوان، أرسل كتائبه إلى تافيلالت وتمكنت من النيل من الفرنسيين وأتباعهم بقتل أوستري (oustry) ترجمان الحاكم الفرنسي. وأبان ذلك العمل الجريء عن القدرات العالية للمقاومين مما اضطر معه اليوطي لإعادة خطته العسكرية، وانتقل إلى بودنيب لتدبير العمليات العسكرية بنفسه من هناك، لأن الهزائم التي منيت بها القوات الفرنسية كانت فادحة وكادت أن تعصف به وبمهمته في المغرب.
وفي هذا السياق المضطرب، انطلقت من جهة الغرب حَرْكةْ الكلاوي الذي آل إليه حكم منطقة تافيلالت وما إليها منذ سنة 1893. وقبل الخوض في تفاصيل سياسة الكلاوي ذكر الأستاذ محمد المنور بالبدايات الأولى لأسرة الكلاوي التي كان جدها الأول أمغارا على تلوات، مستغلا منجما للملح أيام السلطان مولاي عبد الرحمان. وقد خلفه بعد ذلك في الشياخة على قبيلة إكلوا (كلاوة) ابنه المعروف بمحمد إبيبط الذي تمكن من توسيع نفوذه في الجنوب. وتحديدا في ورززات التي رسخ وجوده بها ببنائه لقصبة تاوريرت في مكان استراتيجي يتحكم في الطريق المتجهة إلى درعة والطريق الذاهبة نحو دادس. وتم اتخاذ هذه القصبة فيما بعد، قاعدة لتنظيم التدخل العسكري الفرنسي في مناطق الفائجة كلها. وبعد وفاة محمد إيبيبط سنة 1886 خلفه ابنه المدني الذي رقاه السلطان الحسن الأول -كما أسلفنا- إلى قيادة مناطق الفائجة، مما سمح بالاندماج أكثر مع المخزن. وسرعان ما تقوى كعبه ونما ناموسه، فقلده السلطان مولاي عبد الحفيظ الصدارة العظمى (الوزارة الأولى). ولما توفي المدني الكلاوي سنة 1918 آل حكم القبائل الواقعة بين تلوات وتافيلالت إلى محمد بن محمد المزواري المعروف بسي حمو الذي هو ابن الأخ الأكبر للمدني الكلاوي. وكان سي حمو مشهورا بقساوته وفضاضته. وقد رافق عمه القائد التهامي سنة 1918-1919 في حركته التي نظمها لمواجهة أتباع التوزونيني الذين بثوا الرعب في دادس وتودغة والمناطق القريبة. وجدير بالملاحظة، أن الحركة كانت مدعومة من قبل الفرنسيين بقيادة الجنيرال دولاموط(DE LAMOTHE). وبعد اختراقها ورزازات ودادس، حطت الحركة الرحال بتنغير أواخر شهر يناير 1919، بعد أن تمكنت من تدمير المتاريس وكافة الحواجز (إشبورا) التي كان قد أقامها المنتزون بالمكان المعروف ب إمي –ن- القوس (فم القوس ) على مشارف مدينة تنغير الحالية. وتمكنت الحركة من صد هجوم الثائرين وملاحقتهم، ودك القصور المساندة لهم. ونتجت عن ذلك خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات. فتم قتل العديد من صناديد الرجال، وهدمت البيوت، ونهبت الأموال والممتلكات، واقتلعت الأشجار، وارتفعت الأسعار، واستولى الخوف على الناس. ومكث الكلاوي بتودغة مدة لا تقل عن ثلاثة أسابيع لتهدئة النفوس وترتيب الأمور، آمرا ببناء قصبة تنغير، وعين خليفته على المنطقة في شخص سعيد أولعيد أوتفنوت وعضده بكتيبة من المخازنية. وللتخفيف من معاناة الناس وزع بعض الأموال عليهم. كما استعمل المال لاستمالة شيوخ بعض قبائل آيت عطا من الذين اصطفوا وراء أتباع التوزنيني، الشيء الذي مكنه من إحداث شرخ في أوساطهم، ولو إلى حين.
ولم تهدأ أحوال المنطقة بعد رجوع الكلاوي معية الجنرال دولاموط إلى مراكش. فاضطر ثانية إلى إرسال حركة أخرى إلى تودغة بقيادة سي حمو ابن أخيه الذي انهزمت أمامه فلول بَّاعلي التزاريني المساند لبلقاسم الانكادي الذي أخذ مكان ولي نعمته التوزونيني بعد مقلته بتافيلالت. وامتد التوتر إلى وادي درعة، فاضطر القائد سي حمو من جديد إلى تنظيم حركة كبرى سنة 1923 -1924، توجه بها إلى امزكيطن (مزكيطة) وآيت سدرات الممتد ترابهم جنوبي مركز أكدز الحالي. وأثناء رجوعه قصد سكورة وإمغران الذين دمر بعض قصورهم ولا سيما قصر تركا نعضا.
ورغم ذلك، فقد استمر التوتر في المنطقة واضطر القائد سي حمو إلى القيام بجولة أخرى في دادس سنة 1927. ولما انطلق موكبه من ورزازات صوب دادس، رافقه بعض شيوخ أيت عطا أمثال موحداش ابن الحاج فاسكا البوكنيفني، خليفة الكلاوي على آيت سدرات العليا، ونبارك أولفضايل شيخ أيت ولال بدادس. وواصل الجميع السير مارين بإماسين وايت إحيا. ولما وصلوا إلى قصر الكومت مقر الخليفة في وسط دادس، خرج لاستقبالهم حمو أورحو الذي كان وقتها خليفته هناك، وحضر إلى جانبه شيوخ دادس وآيت سدرات أيت أربعمائة. وفي اليوم الموالي أي يوم 27 نونبر 1927، أقام مبارك أو لفضايل شيخ آيت ولال السالف الذكر، وليمة على شرف القائد سي حمو تعبيرا عن طاعته واصطفافه إلى جانب المخزن. لكن لم يمض إلا وقت قصير، حتى تم اغتيال هذا الشيخ من طرف عائلة إزكزاون بقصر آيت بولمان أثناء حضوره إلى وليمة عندها. وقد أثار اغتياله ضجة كبرى في دادس، ولدى عموم قبائل آيت عطا. ويتساءل المرء لماذا تم اغتياله ولصالح من؟. وهل لذلك علاقة ما بالتنافس الذي كان بينه وبين موحداش ابن الحاج فاسكا البوكنيفني الذي أقره الكلاوي على آيت سدرات الواقع ترابهم في عالية وادي دادس؟ ليس مستبعدا ذلك، علما أن إزكزاون الذين دبروا قتله هم أيضا من آيت بوكنيفن مثل موحداش غريم الشيخ المختار. ومن الممكن أيضا أن يكون ذلك الاغتيال مرتبطا بحيثيات محلية أخرى تجهل طبيعتها. وقد تكون يد الكلاوي، وراء ذلك الاغتيال لما كان يساوره من شك في إخلاص آيت ولال وشيخهم له. وخلال نفس الفترة سطع نجم باسو أو ميمون بقصر سليلو ببومالن-داس. كان أبوه خى ميمون شيخا على آيت أونير بتازارين ويبدو أن خلافا ما وقع بين الأب والابن، وانتقل هذا الأخير إلى دادس، واستماله الكلاوي إلى جانبه جاعلا منه وسيطا بينه وبين آيت أونير المناوئين له بتازارين آنذاك، علما أن أباه خى ميمون هو الذي كان يتزعمهم. هذا وكان بتازارين زعماء معاصرون لخى ميمون أمثال بن مرغي وأومعرير وغيرهما. وبدهائه وقوته تمكن الكلاوي ومعه الفرنسيون من تثبيت سلطته ليس فقط على دادس، بل أيضا على تودغة وتازارين.
وللوصول إلى أهدافه كان الكلاوي يستعمل أسلوب الترهيب والترغيب، وكان لا يتورع في سجن مناوئيه من الشيوخ والأعيان. ومن لم يستطع فداء نفسه بالمال يبقيه هناك إلى أن يلقي حتفه (حالة إشو نو تعطا سنة 1925 ). كما كان يقوم بالهجوم على منازلهم والاستيلاء على ما بها من أموال وآثاث وأنعام. وهذا ما فعله خاصة مع الشيخ حمو نايت داود من قصر الحيان بأيت عبو (أيت إحيا) الذي صودرت محتويات داره مرتين مع إيداعه السجن. وكان سراحه في كل مرة يتم مقابل دفع قدر من المال ليس باليسير. ومن أمثلة ذلك أيضا زجه في السجن بشيخ آيت أربعمائة سي ابراهيم نايت محمد أو علي من قصر أيت أودينار بامعياش ( أيت سدرات نواسيف) الذي لم يطلق سراحه إلا بعد أن دفعت أسرته المال. ومن طبيعة الحال، عوض كل هؤلاء الشيوخ وغيرهم من الرافضين لسلطته بشيوخ آخرين وفرضهم على القبائل.
وتعزيزا لحكمه في المنطقة، قام الكلاوي بتشييد بعض القصبات الضخمة في أماكن معينة لتكون مقرات لخلفائه (الكومت في وسط دادس) وتوغا في العالية، وقصبة تنغير المشرفة على وادي تودغة. كما أنشأ مجموعة من المخازنية – الخيالة بزي عسكري خاص، مجهزين بالبنادق، وكانوا تحت إمرة خلفائه في هذه المناطق.

مبادئ السياسة الفرنسية في المغرب:

أشار الباحث إلى أن فرنسا منذ البداية وتنفيذا لما ورد في وثيقة الحماية كانت تدعي احترام سلطة المخزن، وأنها شريك له في تسيير شؤون البلاد، إلا أن الواقع غير ذلك بما أن الجنرال اليوطي المقيم العام الفرنسي كان يمارس السلطة المباشرة على المغاربة، مكرسا بذلك ثنائية غير متكافئة في الحكم. وهذه الثنائية جسدها في منطقة دادس كل من رئيس مكتب الشؤون الأهلية بقلعة امكونة وخليفة القائد الكلاوي، بقصر الكومت السالف الذكر.
وبدا واضحا أن فرنسا طبقت على المغاربة مبدأ فرق تسد، وكانت تعمل على خلق النعرات بين القبائل وتضرب بعضها بالبعض الآخر. وكان يحلو لها استخدام القبائل الخاضعة ضد القبائل التي لم تستسلم بعد. وكانت تشدد الخناق بضرب الحصار الاقتصادي على القبائل التي أبدت مقاومتها.
كان الجنرال هوبيرت اليوطي المقيم العام الفرنسي الأول بالمغرب هو الذي تبلورت لديه مبادئ تلك السياسة انطلاقا من قناعاته الشخصية الداعية إلى احترام العادات والتقاليد المغربية، وعدم المساس بأركان الدولة المغربية وثوابتها، معتبرا نفسه « خادما لسيدنا »، وأن الدولة الفرنسية ما هي إلا شريك للمغرب في تدبير شؤونه. لكن ذلك لم يتحقق لأن فرنسا -كما رأينا- مارست السلطة بشكل مباشر، وظلت سلطة المؤسسات المغربية صورية فقط.

سياسة القياد الكبار:

وانتهى التحليل بالمؤلف إلى أن المعلومات التي دونها الفيكومط شارل دوفوكو عن المغرب هي التي جعلت ليوطي يبلور الخطوط الكبرى للسياسة التي قادت عمله. ولذلك اعتبر أن إخضاع مناطق ما وراء الأطلس، لا يمكن أن يتم إلا بالاعتماد على القياد الكبار أو بتعبير آخر « أسياد الأطلس »  ( les seigneurs de l’Atlas). وقد تبنى الفرنسيون سياسة « القياد الكبار » منذ دخولهم إلى مراكش سنة 1912. وبما أن أولئك القياد قبلوا أن يكونوا خدام الحماية الفرنسية، فإنهم واصلوا بسط نفوذهم على القبائل التي كانوا لا يتورعون في استنزافها بتواطئ مع الفرنسيين.
وتتلخص رؤية اليوطي بالنسبة لمناطق ما وراء الأطلس في أن يتم احتلالها بأقل التكاليف، لاسيما وأن ظروف الحرب العالمية الأولى، فرضت عليه تقليص الإمكانيات بشكل كبير أمام مقاومة عنيدة. ولذلك كان ضروريا إتباع خطة جديدة، أساسها الاحتلال بواسطة القياد الكبار، دونما حاجة إلى جنود، أو القيام بأي عمل عسكري. ومعنى ذلك سياسيا، أن ينال الجنبرال اليوطي الاعتراف بسلطة فرنسا من طرف جزء كبير من القبائل التي كانت تعيش في أماكن هامشية وذات تضاريس صعبة، وتتطلب تعبئة موارد هامة، وهو ما لم يكن في استطاعة المستعمر في تلك الفترة. ولذلك اختار أن يدفع بالقياد الكبار للقيام بهذه المهمة القذرة بدلا عنه، خاصة وأن التوتر عم مناطق ما وراء الأطلس. وقد رأينا سابقا، كيف أن مبارك بن الحسين التوزيونيني (المدعو خطأ من طرف الفرنسيين بسيدي امحمد إفروتن) قد دعا إلى الثورة قبل استقراره بتافيلالت سنة 1918 بعد مروره بدادس وتودغة.

وبما أن فرنسا كانت مستغلة لأولئك القياد الكبار، فإنها سمحت لهم بإطلاق أيديهم على الناس دون قيد أو شرط، ومارسوا أرذل التعسفات وارتبكوا أبشع الجرائم في حق من وفق في وجههم أو شكوا في نيته.
ولتثبيت أركان سلطتها، أرست فرنسا هياكل إدارية جديدة كان اشتغالها أداة من أدوات السيطرة والتحكم في البلاد والعباد. وبإدخالها لهذا النظام الإداري الجديد، غيرت فرنسا ملامح هياكل المجتمع المغربي، وتمكنت تدريجيا من إدماج القبائل في الإطار المرسوم لها، وتم تحييدها.

الإدارة الكولونيالية:

وهكذا، يلاحظ الباحث محمد المنور ظهور نظامين إداريين: نظام رسمي غير معترف به من قبل السكان، ونظام آخر سري وشعبي غير معترف به من طرف المؤسسات الرسمية. وكان اليوطي يرى أن على القياد والباشوات الذين كان السلطان يعينهم الاستعانة بالموظفين الفرنسيين كمستشارين لهم، والذين هم في الحقيقة مراقبون مدنيون. لكن العكس هو الذي حدث. وسرعان ما أصبح دور القائد والباشا منحصرا في تزكية قرارات المراقب المدني. ونظريا، كانت مهمة إدارة الحماية محددة في المراقبة، لكنها تحولت بسرعة إلى مؤسسة تتخذ القرارات وتراقب تنفيذها. وامتدت صلاحياتها إلى جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وتميزت الإدارة الاستعمارية على الصعيد المحلي باستقلالية ممثليها عن المركز نظرا لبعدهم عنه، وضعف وسائل الاتصال، وغياب سلطة مضادة كفيلة بتفعيل آليات احترام التراتبية الإدارية، والضوابط القانونية للمؤسسات. كما تميزت بانغلاقها، ورفضها للمجتمع المدني، سواء في البادية أو الحاضرة.
هذا، وكانت الإدارة الاستعمارية تحت مسؤولية موظفي المخزن سواء التقليديين أو الجدد، وكذا المؤسسات السياسية والقضائية المحدثة من قبل الحماية، إضافة إلى موظفي الإدارات الثنائية الشريفية. لكنه طبقا للقانون الوزاري الصادر في يوليوز 1918، لا يحق للمغاربة ممارسة كل الوظائف الإدارية، ما عدا تلك التي حددها نفس المرسوم، وتتعلق برجال الشرطة، وأعوان الإدارات،وحراس السجون، والمخازنية، وحراس الأوراش، والممرضين، وعمال البلديات، وغيرهم. وأكد نفس المرسوم أن هذه المهام ينبغي أن تسند إلى المحاربين القدامى من الأهالي الذين تم إعفاؤهم بسبب إصاباتهم في الحرب أو بسبب المرض أثناء مزاولة عملهم.
وكانت لتلك الإدارة أهداف ثلاثة: مراقبة المجتمع، وتأطير المجال، وضبطه، وخلق ظروف مواتية لاستغلال اقتصادي عقلاني وفعال. وسرعان ما أرست فرنسا نظاما إداريا مركزيا في المغرب على شاكلة هرم تتربع في أعلاه مديرية الشؤون السياسية التي همشت الإدارة المغربية التقليدية. كما أنها لم تترك المجال للفاعلين المحليين في اتخاذ أي قرار فكان كل شيء يفرض من الإدارة المركزية. وتم الاعتماد أيضا على بعض القوى الاجتماعية كالبورجوازية وبعض الزوايا.
وكان من آليات ضبط المجال، العمل الاستخباراتي والسياسي. ويبدو وان فرنسا استفادت من أعمال المخبرين والمستكشفين الذين زاروا المغرب، ووضعوا له الخرائط قبل الحماية. وموازاة ومع توغل الفرنسيين في المغرب، أسندت التحقيقات وتقصي المعلومات إلى ضباط الشؤون الأهلية، وبعض المعاهد لتحليلها. ومكنهم العمل الميداني من الاتصال المباشر مع البلد ومع سكانه. وأدى ذلك إلى انجاز دراسات كولونيالية للاهتداء بها في السياسة المتبعة. وبتعبير آخر كان البحث العلمي والباحثون في خدمة السياسة الاستعمارية. وهكذا تم رصد الحساسيات المحلية والإقليمية سواء في التقاليد أو التحالفات، والتعرف أيضا على بعض العناصر والشخصيات التي كانت لها مصداقيةما، أو بمقدورها التأثير في المجتمع. ومن المعلوم أن كل هذه المعطيات ثم استغلالها في المفاوضات أثناء الاحتلال.
وتبلور التنظيم الترابي للمنطقة وفق إستراتيجية أخذت بعين الاعتبار اكراهات المرحلة والإمكانيات المتوفرة. وشهد هذا التنظيم عدة مراحل تم تقنينها بمرسومين وزاريين سنتي 1931 و 1934. مكن التنظيم الإداري لسنة 1931 من إحداث مكتب للشؤون الأهلية بورزازات معزز بالكوم المغربي المختلط (الخامس والثلاثين). وبمقتضى نفس التنظيم تم تجميع قوات دادس وتودغة في فيلق واحد من المحاربين وصل عددهم إلى 224 فردا. وبقلعة امكونة أحدث فيلق آخر مكون من مائة من المخازنية المساعدين. أما فيلق ورزازات فكان يتألف من سبعين عنصرا، في حين ضم فيلق آيت ساون هو الآخر مائة من المخازنية.
وما يهما هنا هو أن مكتب الشؤون الأهلية لقلعة مكونة كان من بين المراكز السبعة الأخرى التابعة لدائرة ورزازات. وبعدما تمت السيطرة نهائيا على أودية دادس وامكون وأوسيكيس (عالية دادس) ودرعة وتودغة في نهاية سنة 1932، تم إحداث دائرة جديدة ببومالن – دادس تندرج ضمنها واحة تودغة.
ورسخت فرنسا وجودها في المنطقة أيضا بوجود عسكري، جسدته الفيالق العسكرية المرابطة هناك والمسماة بكوم دادس مكون من أربعة فرق هي: الكوم 32 بآيت وارتان بتودغة، والكوم 36 بتنغير – تودغة، (علما بأن هذا الكوم هو الذي قام بتشييد مركز قلعة مكونة)، والكوم 39 الذي أقيم ببومالن- دادس، ثم الكوم 14 المرابط بايميضر. وهذه الفرق كان يقودها ضباط فرنسيون.
وكان تأسيس مراكز الحكم في غاية الأهمية، نظرا لدورها الكبير في ترسيخ الوجود الفرنسي، ولكونها همزة وصل مباشرة بين السلطات الفرنسية والسكان الذين أصبح بوسعهم الاستفادة من بعض الخدمات الاجتماعية التي أخذت تلك السلطات في تقديمها لهم. ولم يقتصر عملها على تقديم الخدمات للسكان، بل اتخذت كذلك أماكن لتحضير العمليات العسكرية وانطلاقها نحو الأماكن التي لم تكن بعد تحت السيطرة.
وهكذا، سارعت القوات الفرنسية منذ وصولها إلى ورزازات إلى القيام بحملات في اتجاه وادي دادس، لأن تأمين هذا المحور الاستراتيجي سيمكنها من الربط بين المغرب والحدود الجزائرية.
هذا، وسارت عملية إقامة المراكز الإدارية والعسكرية في المنطقة بتواز مع تقدم القوات العسكرية في تافيلالت ودرعة. وكان الغرض منها ضبط السكان ومحاصرة فصائل قبائل آيت عطا التي واصلت المقاومة وتجمعت بجبل صاغرو.
ولما أقام الفرنسيون هذه الشبكة من المراكز وكان آخرها مركز زاكورة سنة 1932، أصبح في استطاعتهم شق الطرق والمسالك الجديدة التي حلت محل الطرق القديمة. وتمكن أهمية هذه الطرق في كونها ساهمت في تقدم القوات الفرنسية وتأمين وجودها. وكانت ضرورية لتعبئة الجنود، ونقل المعدات العسكرية واللوجستيكية. وكانت حركة تشييد الطرق وبنائها في المنطقة حدثا سياسيا واجتماعيا كبيرا لم يسبق له مثيل وصار بناؤها حثيثا، ووصلت الطريق لأول مرة إلى ممر تيزي نتيشكا في شهر نونبر 1928. وسنة بعد ذلك تم ربط مراكش بورزازات. وكان ذلك الانجاز تاريخيا. وإثر ذلك قام المقيم العام الجنرال ستيك(Steeg) بزيارة إلى تلوات التي استقبله بها التهامي الكلاوي بحفاوة كبيرة. وفي يوم 16 نونبر 1931 وصل السلطان سيدي محمد بن يوسف بدوره إلى تلوات قادما إليها من مراكش مستقلا السيارة. ولقيه الكلاوي في احتفال رائع لم تعهد المنطقة مثله قبل ذلك. وبحلول سنة 1933 غطى الفرنسيون المنطقة بشبكة من الطرق الحديثة مكنتهم من التحرك بسرعة وفعالية. ولإنهاء السيطرة على ما تبقى من المناطق الخارجة عن سيطرتهم في الأطلس الكبير، حددوا العمليات العسكرية التي كان من المفروض القيام بها سنة 1933. وكان منتظرا أن تبدأ تلك العمليات كما خطط لها الجنبرال هوري (Huré) ابتداء من 15 ماي إلى بداية أكتوبر من نفس السنة، إلا أن الضربات الموجعة التي سددها المقاومون العطاويون للفرنسيين في عدة أماكن بتافيلالت، جعله يقرر التركيز على جبل صاغرو. وإذا اعترف ضباط فرنسا ببسالة وشجاعة آيت عطا (بورنازيل في رسائله مثلا)، فإن الأدب الكولونيالي لم يستسغ ذلك واصفا مقاومي آيت عطا بمجموعة من العصابات، واللصوص، وقطاع الطرق، والناهبين، والمشاغبين المعادين لفرنسا.
ولما تم استنفاذ جميع السبل لثني المقاومين العطاويين عن القتال قرر الجنرال هوري اكتساح جبل صاغرو الذي انطلقت العمليات العسكرية به يوم 13 فبراير 1933.

معركة بوكافر (فبراير_ مارس 1933):

ووقفت الدراسة مطولا عند معركة بوكافر بجبل صاغرو بقيادة عسو أوباسلام مبينة أنه إذا كانت السيطرة الاستعمارية تتم بأقل الخسائر، فإنها هنا أمام مواجهة حقيقية تكبد فيها العدو خسائر فادحة. وقد خاضها المستعمر مضطرا في ظروف صعبة لعدة اعتبارات لعل أهمها أولا، وعورة تضاريس جبل صاغرو، والذي هو سلسلة نتوءات صخرية حادة . ثانيا، برهنة قبائل آيت عطا عن بسالتها ضد المستعمر الفرنسي في معركة أخرى سابقة منذ نهاية القرن التاسع عشر(1899) سواء في الجنوب الغربي للجزائر أو في معركة بوذنيب سنة 1908. ثالثا، الخوف والريبة التي انتابت الفرنسيين من انتقال المقاومة إلى المناطق التي تم إخضاعها منذ وقت قريب، لذلك عملوا أمنيا، على تطويق المناطق المحيطة بصاغرو (تودغة –دادس- تازارين ).
وما أن أنهت الكتائب العسكرية استعداداتها سواء القادمة من جهة الغرب بقيادة الجنرال كاترو(Catroux)،أو الآتية من جهة الشرق بقيادة الجنرال جيرو(Giroud)، حتى أعطى الجنرال هوري المقيم بدائرة بومالن – دادس الأمر للهجوم على جبل صاغرو ليلة 12-13 من شهر فبراير سنة 1933. وأسفر ذلك الهجوم البري والجوي الكاسح عن خسائر فادحة في صفوف القوات الفرنسية، فاضطر الجنيرال هوري إلى تقوية الوسائل اللوجيتسكية آمرا بتكثيف الضربات الجوية بدون توقف يومي 24 و 25 فبراير لكن دون جدوى إذ أن الكوم الذين حاولوا التسلق إلى قمة بوكافر لقوا حتفهم على يد المقاومين المتربصين بهم هناك. وهكذا، وخلال عشرة أيام من القتال المستمر ما بين 18 و28 فبراير من نفس السنة تم قتل 88 عسكريا فرنسيا بينهم ضباط وضباط صف، وعدة عناصر من اللفيف الأجنبي وغيرهم، إضافة إلى 48 جريحا دون الحديث عن الكوم ومسانديهم.
وأظهر المقاومون العطاويون بسالتهم القوية في المعركة القتالية، معركة الكرامة والذود عن الأرض بمشاركة نسائهم اللواتي ابلين البلاء الحسن، إلى جانبهم، وقد انبهر الفرنسيون لذلك، ودونوه في تقاريرهم وشهاداتهم عن ماجريات هذه المعركة التي أربكت كل توقعاتهم وحساباتهم. مما جعلهم يقتنعون بأن تفوقهم العسكري لن يجديهم نفعا. لذلك نهجوا خطة أخرى أفضت إلى إرغام المقاومين على الاستسلام. وقضت تلك الخطة بإقامة حصار شديد أحاط بجبل بوكافر إحاطة السوار بالمعصم ، وتركيز الضربات الجوية ليل نهار عليه وعلى نقط الماء (العيون) التي منها كان يرتوي المقاومون. واستمر هذا الحصار الخانق أربعة وعشرين يوما من شهر مارس 1933. وكان طبيعيا أن لا يبقى المحاصرون في هذه الوضعية الصعبة جدا إلى ما لا نهاية، فاضطروا إلى التفاوض وتقدم عسو أوبسلام باسمه ونيابة عن أتباعه يوم 24 مارس من نفس السنة باقتراح إخلاء بوكافر من المقاومين. واعتبر الأستاذ محمد المنور -وهو على صواب- أن ذلك الاقتراح لم يكن استسلاما بقدر ما هو نتيجة مفاوضات شاقة بين الطرفين،وأن المقاومة الشرسة ضد المستعمر ما هي إلا تعبير عن تمسك المقاومين العطاويين بشرفهم وتقاليدهم وأعرافهم وقوانينهم التي دأب عليها آباؤهم. وفي هذا الصدد، أشار أحد الجنرلات الفرنسيين إلى أن آيت عطا كانوا يتوجسون خيفة من إقامة جهاز مركزي لديهم لا يساير أعرافهم ولا يحترم مؤسساتهم.
وأمام هذه الوضعية غير المتوقعة، ما كان بوسع السلطة الاستعمارية إلا أن تمنح لآيت عطا القاطنين بجبل صاغرو جهازا مؤسساتيا خاصا بهم. وهذا دليل يؤكد على أن المفاوضات بين الجانبين كانت حادة وصعبة. ويقول الجنيرال هوري في هذا الصدد، أنه « اعتبارا للمقاومة المشرفة التي أبداها أمامنا مقاتلو عسو أوبسلام، جاءت الشروط سخية: « الإستسلام للمخزن »، و »إحصاء سلاح المقاتلين »، و »عدم فرض غرامة الحرب »، و »العفو الشامل » و »عدم فرض المخزن لأية سخرة خارج الجبايات العادية ». وقد شبه نفس الجنرال تلك الشروط بشروط الشرف التي كانت تضع حدا للحرب في أوروبا، مضيفا أن محاربي عسو أوباسلام كانوا يستحقون ذلك الشرف.
وعرفت الدراسة بعسو أو باسلام الشخصية البارزة التي كانت في قلب تلك الأحداث. فالرجل وقتها كان في عقده الخامس، وكان أبوه علي شيخا على إلمشان. ولما توفي انتقلت إليه الشياخة. وفي سنة 1932 أصبح الشيخ الأعلى (أمغار نوفلا) على قبائل أيضا عطا، وأصبح أيضا القاضي الأعلى الذي كان يترأس المحكمة العليا بإيغرم أمزدار. وبعد « الاستسلام » أقرته السلطة الاستعمارية في شياخته وتقديرا لمكانته في المقاومة المغربية عينه الملك الراحل محمد الخامس بعد الاستقلال، قائدا على مركز إكنيون القريب من جبل بوكافر. ولما توفي سنة 1960 خلفه ابنه علي في ذات المنصب بنفس المركز إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1974، وخلفه أحد أبنائه.
وتطرقت الدراسة لشهادات بعض الضباط الفرنسيين الذين أكدوا جميعا على شهامة رجال آيت عطا وشراستهم في القتال رغم قلة عددهم، وضعف أسلحتهم. وحسب بعضهم فمعركة بوكافر، كانت أعنف معركة خاضها الفرنسيون في احتلالهم للمغرب. وبالتالي لم يكن لها مثيل لما تكبدوه فيها من خسائر جسيمة. ورأى البعض الآخر « أنه لا توجد في أي بلد، حملة عسكرية استعمارية قادرة على التغلب على الإنسان والميدان في مقاومة من هذا النوع، لذلك كان لابد من اللجوء إلى الاعتماد على إمكانيات أخرى قمينة بإضعاف عدو باسل في معقله الرهيب: قصفه بدون توقف ليل نهار، ومنعه من الوصول إلى نقط الماء، وإجباره على الانزواء في جحره والمكوث فيه مع قطيعه الهالك وسط أشلاء الموتى… ».
إن هذه الشاهدات وغيرها تعترف ببطولات وشهامة رجال ونساء آيت عطا الذين صمدوا جميعا في وجه المستعمر اثنين وأربعين يوما، وهي المدة التي استغرقتها المعركة الغير المتكافئة بين الجانبين، عددا وعدة. لقد لقنوا جنرالات فرنسا دروسا في الشجاعة ونكران الذات مسترخصين أنفسهم من أجل عزتهم وعزة وطنهم.
ولاحظ ضباط فرنسا أيضا، أن هؤلاء المقاومين كانوا من صناديد الرجال ذوي ثقة عالية في أنفسهم. ورغم قبولهم ترك أسلحتهم، فإن ذلك لم ينل من معنوياتهم، وقد نزل عسوا اوباسلام قائدهم من عرينه كالأسد يوم 25 مارس 1933، مرفوع الرأس كأن شيئا لم يقع، وسلم على الجنيرال هوري سلام الند للند، بعد أن قبل كل الشروط حفظا لشرف المقاتلين، والقبيلة. وبمقتضى تلك الشروط احتفظت قبائل آيت عطا بجبل صاغرو على مؤسساتها وتدبير أمورها خارج قيادة الكلاوي. كما أكد الاتفاق على أن النساء لا يشاركن في الاحتفالات الرسمية.
وبعد تبادل التحية بين الطرفين تعرض عسو أوبسلام للانتقاد والسخرية من طرف نساء آيت عطا اللواتي أعبن عليه مصافحته لجنرلات فرنسا، فلم يستسغن ذلك، وجادت قرائحهن بأشعار في الموضوع، تناولن فيها معاتبته. ولم يتورعن عن وصفه بالمتخاذل، وأن ما قام به يعتبر رذيلة وخزيا لا يغتفر، إذ كان عليه وعلى رجاله الاستمرار في ساحة الوغي حتى النصر أو الموت.
وإذا كان موقف المرأة العطاوية متحفظا بالنسبة إلى ما آلت إليه الحرب، فإن ذلك برهن على شجاعتها وأكد على مشاركتها الفعلية في صد المحتل. وكما سبق الذكر، فقد قدمت النساء المشاركات في المعركة، المساندة المعنوية والمادية للمقاومين. وكان منهن من قاتلن إلى جانبهم. ولا تزال ذاكرة الطاعنين في السن تحتفظ بأسماء بعضهن. وكانت المرأة العطاوية من طينة خاصة في الشجاعة والصبر. فقليلة هي النساء اللواتي يشاركن مثلهن في الصراع المسلح ضد المستعمر. وقد كشفت أشعارهن (تيمناضين) عن صدق سريرتهن في هذه المعركة، وعاتبن المقاومين على مفاوضاتهم للمستعمر الغاشم.
لا نتوفر على معلومات دقيقة حول الخسائر المادية والبشرية التي لحقت الجانبين. وكما سبقت الإشارة، فقد سدد آيت عطا بشراسة، ضربات مؤلمة للقوات الفرنسية، سقط على إثرها العديد من الضباط وضباط الصف والجنود إضافة إلى العديد من الجرحى. وبدورهم تكبد آيت عطا خسائر في الأرواح والماشية بسبب القصف المدفعي والجوي. وحسب بعض الإحصائيات، فإن عدد آيت عطا الذين سقطوا في ساحة الوغى ربما وصل إلى ألفي رجل بينهم خمسمائة مقاوم. وهذا العدد المرتفع نسبيا يبين أن قبيلة آيت عطا بجبل صاغرو أصابها نزيف ديمغرافي مهم لم تعرفه من قبل. كما أصابت أضرار كبيرة الماشية، وفقدان ما يزيد عن عشرين ألف رأس من الشياه والماعز. وبتعبير آخر فإن قطعان الماشية أبيدت عن آخرها تقريبا، حيث لم يبق منها إلى غاية يوم 24 مارس سنة 1933 سوى ألفان وخمسمائة رأس. وساهمت إبادة القطعان في تراجع حياة الترحال والنجعة في المنطقة.
ولما وضعت معركة بوكافر أوزارها أخذت عيون الفرنسيين ترنوا إلى جبل بادو في الأطلس الكبير الشرقي آخر معقل للمقاومة.
وقبل ستة أشهر من اقتحام هذا الجبل الوعر الذي يصل ارتفاعه إلى 2900 م،أعد الفرنسيون خططهم آخذين بعين الاعتبار تجربتهم المريرة في بوكافر. فالمنطقة هي أيضا معروفة بوعورة مسالكها وتضاريسها والمقاومون المتحصنون فيها هم أيضا على شاكلة مقاتلي بوكافر، ومدعومين أيضا بنسائهم، ورغم تشابه الحالتين فإن معركة بادو لم يشارك فيها إلا عدد قليل من المقاومين بسبب التوغل التدريجي للقوات الاستعمارية في المنطقة منذ احتلال بوذنيب سنة 1908.
وكان على رأس المقاومة في هذه المعركة التي شاركت فيها قبائل آيت حديدو وآيت مرغاد وآيت إزدك وآيت عطا مجموعة من الزعماء، لعل أبرزهم هو زايد أوسكونتي من فرقة آيت عيسى إزم، وعلي أوطرمون من آيت مرغاد، اللذين تمكنا بفضل جهودهما من تعبئة المقاتلين. ويبدو أن أوسكونتي شارك في معظم المعارك التي شهدتها المنطقة ضد المستعمر منذ 1908 إلى 1933.
وحينما أنهت القوات الاستعمارية استعداداتها، انطلق هجومها على جبل بادو وما حوله يوم 4 غشت 1933. لكن المقاومين تصدوا له بشجاعة نادرة، وتراجعت القوات الفرنسية القهقرى. وإلى جانب التعبئة العسكرية، ركز الفرنسيون عملهم على الجانب السياسي، محاولين استمالة القبائل التي لم تستلم بعد. ونجحوا في ذلك، حيث توالت الاستسلامات، مما أضعف المقاومين الذين تحصنوا في جبل بادو، وتقلص عددهم إلى 150 عائلة فقط.
وفي اليوم السادس والعشرين من نفس الشهر، تمكنت، فجأة، وحدتان عسكريتان تابعتان لقوات مراكش، من تسلق جبل أوكسرسو الواقع في السفح الشمالي لجبل بادو. وسرعان ما تم تدعيهما بقوات أخرى من الكوم، أحكمت الحصار على المقاومين الذين لم يكن بوسعهم الاستمرار في الصمود طويلا، بالنظر إلى قلة عددهم، وضعف أسلحتهم، ونفاذ قوتهم. هذا، إضافة إلى أن الطائرات الفرنسية ظلت تقصف جبل بادو، ليل نهار، محدثة المئات من القتلى والجرحى في صفوف المقاومين. وعلى غرار معركة بوكافر، لعبت المرأة دورا كبيرا في بادو بمساندتها المادية والمعنوية للمقاومين.
وباستسلام زايد أوسكونتي ورجاله في أكتوبر سنة 1933، انتهى احتلال السفح الجنوبي للأطلس الكبير الأوسط والأطلس الكبير الشرقي، وكان ذلك بداية صفحة جديدة في تاريخ هذه المناطق، التي شهدت منذ ذلك الحين، تغيرات سياسية واجتماعية، طبعت ملامح المنطقة مدة ثلاث وعشرين سنة تحت إشراف إدارة ثنائية.

التنظيم الكولونيالي الجديد:

بعد الانتهاء من « تهدئة » مناطق السفح الجنوبي للأطلس الكبير الأوسط والأطلس الكبير الشرقي التي تأثرت بمعركتي بوكافر وبادو، سارعت سلطات الحماية الفرنسية إلى إرساء تنظيم إداري جديد يختلف تماما عما كان مألوفا في هذه الربوع إلى ذلك التاريخ. وفي سنة 1934 أعيد النظر في التنظيم الترابي والإداري للمنطقة العسكرية لمراكش التابعة لها منطقة ورزازات. وبمقتضى مرسوم المقيم العام الصادر في فاتح ماي من نفس السنة أصبحت منطقة ورزازات مقسمة إلى الدوائر الترابية التالية:
1- المكتب الترابي للشؤون الأهلية بورزازات مهمته الإشراف على الشؤون السياسية والإدارية الترابية لدوائر:
2-دائرة بومالن – دادس – تودغة. مقرها ببومالن دادس وتشرف على مكاتب الشؤون الأهلية لكل من تنغير وأوسيكيس (مسمرير وإمدغاس) وقلعة امكونة.
3- دائرة تازناخت مقرها تزناخت وتشرف على مكاتب الشؤون الأهلية لتازناخت، وتازرين، وأكدز، وزاكورة وتالوين.
4-المكتب الملحق للشؤون الأهلية لورزازات المشرف على المراقبة السياسية والإدارية لقبائل آيت بودلال، ورزازات، آيت واوزكيت الشرقية، وآيت زينب وغيرها من القبائل الأخرى.
5- المكتب الملحق للشؤون الأهلية لسكورة المشرف على قبائل سكورة وإمغران.
وللتذكير، فإن كل هذه المكاتب كانت تسير من قبل ضباط عسكريين فرنسيين من مختلف الرتب العسكرية الذين كان من مهامهم أيضا مراقبة السكان وتحركاتهم وتحركات الطارئين على المنطقة، ربما خوفا من أن تتسرب إليها أخبار ما كان يجري في مختلف مناطق المغرب وحواضره. وتبين الوثائق المتوفرة، تنبيه السلطات الاستعمارية للقبائل بواسطة الشيوخ على اليقظة وعدم السماح لكل أجنبي طارئ على القبيلة المكوث بين ظهرانيها، بل يجب إبلاغ مكتب الشؤون الأهلية بذلك. وكانت السلطات ترمي من وراء ذلك أيضا، التعرف على حركات الأشخاص الذين كانوا يتنقلون من قبيلة إلى أخرى.

التكاليف والسخرات:

وأنهكت السخرات والتكاليف المفروضة على السكان قدراتهم الاقتصادية والاجتماعية الهشة. وقد حددها ظهير 10 يوليوز 1924 في القيام سنويا بخدمات إجبارية لمدة أربعة أيام لفائدة المخزن وللسلطات الاستعمارية. ويمكن للمعني بها الإعفاء منها مقابل مواد عينية أو المساهمة بالدواب الضرورية (بغال وحمير) أثناء إنجاز بعض الأشغال. وقد يطلب من القبائل أيضا إحضار بعض العمال أثناء إنجاز بعض الأوراش أو القيام بأعمال الحراسة. وجريا على التقاليد المعهودة، فقد تواصل العمل باستثناء الزوايا والأعيان من تلك السخرات والتكاليف المجحفة.
كانت منطقة دادس والمناطق المحيطة بها تحت حراسة مستمرة ليل نهار. وهذه الحراسة كان يقوم بها السكان أنفسهم دون أدنى مقابل، بل كانوا مجبرين عليها -كما سبق الذكر-. ويظهر أن هذه الحراسة كانت تفرضها تداعيات خارجة عن المنطقة، كما وقع سنة 1943 بعد نزول بعض القوات الألمانية بسواحل سيدي افني. وعقب ذلك طلب من السكان مراقبة أراضيهم وقصورهم بالتناوب كما كانوا يفعلون وفقا لأعرافهم تحت إشراف شيوخهم.
وهكذا يتضح أن السلطة الاستعمارية كانت تستعمل بدون مقابل، الإمكانيات البشرية المحلية في كل ما كانت تقوم به من مبادرات، همها الوحيد في ذلك إضعاف القبائل حتى لا يكون في استطاعتها القيام بأي شيء من شانه أن ينال من فرنسا ومن وجودها. وتجلى ذلك أيضا في العديد من المظاهر، منها على سبيل المثال، تعيين الشيوخ (إمغارن) الذين كانوا قبل الحماية، تختارهم القبائل بعد تزكيتهم من طرف جماعاتها، فأصبحوا بعد ذلك يعينون من طرف خليفة الكلاوي المقيم بقصر الكومت بعد تزكيتهم من طرف الضابط الفرنسي، رئيس مكتب الشؤون الأهلية لقلعة امكونة، المحدث منذ سنة 1929. إن الظروف تغيرت، فأمغار أو الشيخ لم يعد ذلك العنصر الذي كان يدافع عن مصالح قبيلته بل كان عليه إرغام أهلها على احترام كل ما تصدره السلطة الجديدة من قرارات. لذلك فالتعيين في هذه المهمة لا يحظى به إلا من برهن عن إخلاصه وقدرته على خدمة مصالح المستعمر. وكان يساعد الشيخ في أداء مهمته أعوان يسمون محليا إجراين التي هي كلمة مشتقة من الجري. وكما يدل عليهم أسمهم، لا يتوقفون عن الجري والعمل، كما أن تعيينهم لا يكون إلا باقترح من الشيخ الذي يكونون تحت إمرته، وإلى إجراين أو المكلفين كان يعهد بمراقبة مجموعة من القبائل – القصور. ويختلف عددهم من مشيخة إلى أخرى، حسب أهمية القبيلة. وإليهم يرجع إيصال التعليمات والقرارات الإدارية إلى السكان التابعين لنفوذهم. وفي الدراسة تفاصيل أوفى عن هذا الموضوع.
وشكل نزع سلاح القبائل مظهرا آخر من مظاهر إضعافها وإذلالها. وسرعان ما أصدرت التعليمات إلى الشيوخ لحث رجال القبائل الذين لديهم سلاح ناري للتخلي عنه وإيداعه لدى مصالح مكتب الشؤون الأهلية لقلعة مكونة. وبديهي أن الهدف من ذلك، هو إرغام السكان بقبول الأمر الواقع والتكيف مع الإدارة الجديدة.

فرض الضرائب المالية:

وكانت سلطات الحماية تفرض على السكان ضرائب مالية أخرى باسم « المخزن »، كان لها أبلغ الأثر على الموارد الضعيفة المتوفرة، مما كان يزيد من هشاشة الوضعية الاجتماعية في المنطقة. وكان رئيس مكتب الشؤون الأهلية يشرف بنفسه على كيفية تقدير مبلغها بعد القيام بتعبئة الناس بواسطة الشيوخ وأعوانهم. وليس من الغرابة في شيء أن يشرف الضابط الفرنسي بنفسه على مراقبة تحصيل الضرائب المالية، لأنها كانت المورد المالي الوحيد والضروري لعمل الإدارة الاستعمارية.
وإلى جانب دفع الضرائب المالية التي كان يؤديها الدادسيون للمستعمر الفرنسي فإنهم من حين لآخر يؤدون مبالغ مالية أخرى لخليفة الكلاوي المقيم بقصر الكونت. وللتذكير، فقد كان الكلاوي يستغل مروره بالمنطقة (الحركة) لجمع الأموال قسرا من الناس. وكان خليفته يلجأ إلى أساليب أخرى للابتزاز كإرساله المخازنية إلى القصور (إغرمان) ليقوموا بضيافتهم ما لم يتوصل بالأموال والهدايا من الأعيان. وهناك طرق أخرى للابتزاز والضغط، كحجز بنادق قصر من القصور إلى أن يتم أداء الضريبة المفروضة. وكمثال على ذلك ما قع في قصر تانصغرت سنة 1925 إذ حجزت به بندقية ذات تسع ضربات (تسعيا) إلى أن تم تأدية الضرائب المفروضة.

التجنيد والتعبئة:

وغداة إنهاء « تهدئة » دادس في الثلاثينيات من القرن الماضي، انشغل المستعمر بتقوية وجوده وذلك بتجنيد أشخاص من المنطقة وفق شروط معينة وإضافتهم للكوم. وقبل مرور أو حضور وفد عسكري في المنطقة، كان رئيس مكتب الشؤون الأهلية بمساعدة الخليفة يقوم بتعبئة الناس وإرغامهم للاصطفاف أمام ذلك الوفد الزائر والترحيب به في أبهى صورة بالزي التقليدي اللائق (تصريد).

-السلطة القضائية الجديدة:

أقام المستعمر الفرنسي نظاما قضائيا جديدا في المنطقة تم تقسيمه إلى قسمين: قسم متعلق بما هو جنائي ومدني، وقسم آخر مختص في الأحوال الشخصية والشؤون العقارية. فالقسم الأول كان البت فيه من اختصاص خليفة لكلاوي الذي كان يترأس مجلسا كل خمسة عشر يوما في قلعة امكونة صباح يوم الثلاثاء. وكانت جلسات الاستماع إلى المتقاضين تتم بحضور الضابط الفرنسي، رئيس مكتب الشؤون الأهلية، الذي كان يقوم بإنجاز محاضر تلك الجلسات، وكان في واقع الأمر، يؤثر في الأحكام والقرارات التي كانت تصدر في شأن القضايا المعروضة.
أما القسم الثاني، فكان يشرف عليه القاضي مولاي عبد السلام بن مولاي عبد المالك البومسهولي، من زاوية آيت إحيا، الذي أسندت له هذه المهمة، علما أن قبائل دادس وإمكون صنفت ضمن ما كان يسمى بقبائل الشرع. وكان إلى جانب هذا القاضي، عدلان يساعدانه في أداء مهمته، وفي كل يوم ثلاثاء من كل خمسة عشر يوما في الشهر، كان القاضي يعقد جلساته بمحكمة قلعة امكونة لتلقي الدعاوي والاستماع إلى المتقاضين.
وتميز النظام القضائي الذي تم إرساؤه في المنطقة بالتحكم، على اعتبار أن رئيس مكتب الشؤون الأهلية، هو من كان وراء تزكية وتعيين القاضي. وهذا الأخير ليست له السلطة التنفيذية. فسلطة الردع هذه، كانت في يد الضابط الفرنسي ولدى خليفة الكلاوي. وكانت بعض الأحكام الصادرة عن القاضي تأخذ بعين الاعتبار ضوابط قوانين العرف المحلي (أزرف أو تيعقيدين).
وقامت السلطات الاستعمارية سنة 1940 بإصلاح إداري توخت في ورائه توسيع صلاحيات رؤساء الجهات المحدثة في المغرب. وبموجب ذلك الإصلاح أصبح رؤساء الجهات يمثلون المقيم العام، كما كانت الإدارات المخزنية ممثلة لديه من طرف موظف تعينه الإدارة المعنية.

الوضعية العامة:

عاشت منطقة دادس في سنوات الأربعين من القرن الماضي فترة صعبة بسبب تدهور الأحوال المعيشية للسكان. ساهم فيها الفرنسيون والكلاوي، واختل التوازن الاقتصادي، فاضطر العديد من السكان إلى الهجرة إلى المدن وخاصة مراكش لكسب قوتهم.وساهم الجفاف الذي ضرب المنطقة بضع سنوات في تفاقم الأزمة التي اصطلح على تسميتها « بعام الروز »، وكان قد زادتها حدة مختلف الإتاوات والتكاليف الشيء ما فتىء لدادسيون يؤدونها سواء لخلفية الكلاوي أو لرئيس مكتب الشؤون الأهلية. غير أن السلطات الاستعمارية كانت تقوم أثناء المسغبة بمنح بعض القروض للمحتاجين تمكنهم من العيش، وضمان محصولهم الزراعي. وكانت خلية التعاون التي يترأسها الخليفة ثلاث مرات سنويا بحضور رئيس مكتب الشؤون الأهلية، تقوم عند الحاجة بمنح بعض القروض المالية لبعض الأشخاص، أو على شكل بذور للقبائل.
وبهذه الإجراءات وغيرها أدخلت الإدارة الاستعمارية أسلوبا جديدا في الحكامة إلى المنطقة ركز أساسا على الجانب الأمني، والحرص على إبقاء السكان تحت سيطرة السلطات الجديدة. ومعلوم أن التعامل بهذه الكيفية لم يكن معهودا من قبل، وأثر بالتالي على التطورات والتغيرات التي شهدتها المنطقة بعد ذلك ولمدة طويلة.

النتائج الرئيسية للتدخل الأجنبي:

فهم الطرفان (الكلاوي والفرنسيون) المشاركان في إخضاع منطقة دادس، أن ترسيخ إدارتهم وتقويتها لن يتحقق إلا بتدمير البنى والمؤسسات الاجتماعية التقليدية التي كانت حجر عثرة في طريقهم لتحقيق أهدافهم وانشغالاتهم، ولذلك عينوا شيوخا جددا في المنطقة، وحلوا مجالس الجماعات التي كانت العمود الفقري للتنظيم القبلي التقليدي. ورغم ذلك، فقد ظلت تلك الجماعات تتدخل في تدبير العديد من مجالات الحياة بالقصور ككنس السواقي وكل ما له علاقة بالمسجد والحصاد والدراس وغيرها من الأشغال الجماعية.
وإذا تراجع دور تلك الجماعات شيئا فشيئا، فإن لذلك أسبابا أخرى منها « انفتاح » القصر على الخارج، بمعنى أن الناس أخذوا يعبرون عن رغبتهم في ذلك، بدءا بفتح الأبواب في السور الجماعي الخارجي للقصر. وهذه الظاهرة بدأت بشكل محتشم في بعض قصور دادس ابتداءا من سنة 1935. وإلى غاية هذا التاريخ كانت أغلب قصور منطقة دادس ليس إلا باب جماعي واحد. وبعد ذلك تنامى هذا التوجه وتملكت الرغبة بعض العائلات للخروج من القصر، وبناء منازل فردية أكثر اتساعا من التي كانوا يعيشون فيها. وهذه الإرهاصات تدل على أن المنطقة كانت مقبلة على تطور جديد في ميدان الهندسة المعمارية، وهي أيضا انعكاس لميزان القوى الذي ظهر مع إرساء سلطة الكلاوي والفرنسيين بالمنطقة. وكنتيجة لذلك انفجار القصر -إن صح التعبير- والنزوع إلى السكن الفردي، وتفكك البنى الاجتماعية القديمة. وثمة عامل آخر تمثل في التزايد الديمغرافي وتراجع نسبة الوفيات بفضل الإجراءات المواكبة التي اتخذتها السلطات الاستعمارية على المستوى الصحي، وأيضا بفضل الإمكانيات الإضافية الناجمة مباشرة عن الهجرة إلى المدن.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن السلطات الاستعمارية قامت بتكثيف وجودها الإداري والسياسي والعسكري والقضائي، أصبحت قادرة على التحكم في ميزان القوى، وفي النزاعات القائمة بين السكان. واعتبر الناس ذلك دليلا على الاستقرار والأمن. وبمرور الوقت، أخذ هذا الشعور يتزايد في أوساطهم وتنامت معه بالتالي الرغبة في الاستقرار خارج أسوار القصر. وأخذت روابط التضامن في التلاشي، تدريجيا، بين قاطني القصر.والمعروف أن الحياة الجماعية داخل القصر تحتم على الجميع التضامن والتآزر.
وفي خضم تلك التحولات، اتخذت السلطات الاستعمارية عدة تدابير لها طابع ايجابي في ميداني الصحة والتعليم، فنظمت حملات للتلقيح (تكزايت) والمراقبة الطبية، مما كان له وقع إيجابي على الميدان الاجتماعي والديمغرافي والاقتصادي.
وحظيت التربية والتعليم باهتمام السلطات الجديدة، وذلك بتشجيع التمدرس، رغم المقاومة التي أبداها السكان، حاثة إياهم وخاصة الأعيان منهم على تمدرس أبنائهم. إلا أن هذا النداء لم يلق الاستجابة المطلوبة من طرف السكان مخافة أن يتنصر أبناؤهم، كما كانوا يتخيلون أو يعتقدون. وعدم الإقبال على التمدرس يعبر، أيضا عن نوع من المقاومة. وكان السكان لا يترددون في دفع مقابل مالي للكلاوي كي لا يذهب أبناؤهم إلى المدرسة. وهكذا، ظهرت المدارس الأولى العصرية بالمنطقة محتشمة، حيث كان عددها قليلا لا يتعدى خمسة مدارس. وعلى النقيض من ذلك، شهدت مدارس المساجد إقبالا كبيرا.
وكانت الأنشطة التجارية بدورها موضوع مراقبة إدارية من قبل السلطات الاستعمارية التي سنت ضرائب وإتاوات على التجار. وعملت أيضا على خلق مراكز إدارية وتجارية صغيرة في محيط مكتب الشؤون الأهلية. وشملت المراقبة الأسواق والأسعار والمواد الضرورية القادمة من المدن، وخاصة السكر والشاي، اللذين كانا يؤتى بهما من مدينة مراكش ويباعان بالتقسيط بثمن محدد من قبل نفس السلطات.
وبخصوص الموضوع الاقتصادي، وردت في الدراسة بيانات وجداول عن أثمان العقارات والأراضي الفلاحية والمنازل والحيوانات والموارد الفلاحية تبين تطور أسعارها وتقلباتها التي كانت تتحكم فيها الجودة والظرفية الاقتصادية والسياسية السائدة في المنطقة خلال فترة معينة.
ولا يمكن الحديث عن الأسعار دون الحديث عن السكة الرائجة والأوزان والمكاييل المستعملة. ومنذ القرن التاسع عشر، على الأقل، شهدت منطقة دادس رواج نقود مختلفة كالمثقال، والدرهم والريال والأوقية والموزونة. أما المكاييل والأوزان المعروفة في دادس فهي على الخصوص في الميدان الفلاحي العِشْر الذي هو وحدة لقياس الأرض وتقدر مساحته ب 250 م2 ، وهناك أيضا المد والصحفة وتزكا والصاع وأموجو (سبع عبرات من الحبوب)، والعبرة، وكلها أدوات لقياس الحبوب.

الخاتـــمة:

خلصت الدراسة إلى نتائج هامة يمكن تلخيصها باقتضاب شديد، فيما يلي:
أن منطقة دادس بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي كمنطقة عبور نحو جميع الاتجاهات، وتوفرها على إمكانيات اقتصادية هامة (زراعة، ومياه، وثروات معدنية)، جعلها دوما محط أطماع الاتحاديات القبلية الكبرى التي لم تتمكن أية واحدة السيطرة عليها كليا. واستقرارها بالمنطقة نتج عنه نظام اجتماعي متميز في ضبط المجال واستغلاله.
وإذا كانت الأسباب الاستراتيجية والاقتصادية هي التي دفعت قبائل آيت عطا للنزوح إلى دادس كمنطقة عبور في اتجاه الشمال، فإن الحركة التي قادها السلطان مولاي اسماعيل إلى دادس سنة 1678 ربما كان الهدف منها الحد من تدافع هذه القبائل إلى الشمال.
أن المصادر المتعلقة بتاريخ المغرب لا تشفي الغليل في معرفة تاريخ البادية عموما، وتاريخ منطقة دادس خصوصا، لذلك تم التركيز أساسا على الوثائق المحلية المختلفة لتعويض شح المصادر التقليدية. ومفيدة هي أيضا الرواية الشفوية المتداولة في المنطقة بخصوص البحث عن شرعية لاستقرار بعض القبائل: مثال ذلك آيت سدرات الذين ربطوا استقرارهم بالمنطقة بالأدارسة في شخص مولاي بوعمران الذي له زاوية لا تزال تحمل اسمه إلى اليوم في دادس.
قدم وعراقة اسم دادس العصية دلالته. فتارة يظهر في المصادر، وتارة أخرى يغيب فيها. وهذا الأمر، ربما له علاقة بكون المنطقة كانت تابعة في حقب معينة لمناطق درعة وتافيلالت ولدمنات في القرن التاسع عشر الميلادي.
أن الوجود المخزني في دادس ظل مستمرا عن طريق الحركات والشيوخ المعينين بالظهائر السلطانية. غير أن ذلك لم يؤثر كثيرا على أهمية الجماعات في تدبير أمورها بنفسها.
أن مناطق ما وراء الأطلس لها خصوصيات معينة أثرت على مسارها التاريخي في كل ماله علاقة بتعمير المجال، وباستقرار السكان وبالمؤسسات الاجتماعية المتفاعلة مع ما كان يقع خارج هذه المناطق. وهذا، ما جعل سيرورة تنظيم هذا المجال الواسع معقدة سيما وأنه كان مسرحا لقوى متعددة ذات مصالح متناقضة (المستقرون والرحل).
أن منطقة دادس هي مختبر لتعايش العديد من القبائل ذات الأنساب والأعراق والآفاق الجغرافية المختلفة، التي يصعب ضبط استقرارها بدقة، انتشر بعضها على شكل مجموعات في أماكن محددة، كما هو حال آيت سدرات الذين ربما، في فترة ما، شكلوا دروعا بشرية للوقوف أمام اندفاع قبائل بني معقل نحو المنطقة.
أن الاكراهات الجغرافية من مناخ ومياه وأراضي زراعية ورعوية هي التي تفسر طبيعة الاستقرار البشري في هذا المجال، وتفسر أيضا تضارب أنماط العيش وما كان ينتج عن ذلك من تباين في ميزان القوة بين القبائل المتنافسة. فيضطر بعضها إلى الرحيل مضطرة بسبب اكتساح قبائل قوية للمجال، أو بسبب الجفاف المستمر إلى غير ذلك من الأسباب المختلفة. ومن الصعب جدا في حدود وما نعرفه اليوم، معرفة الطبقات السكانية المتعاقبة على منطقة دادس، معرفة دقيقة. لكن الإفادات العلمية المتوفرة، مكنت من رسم صورة عامة عن السكان، تبين منها التجديد المستمر لجزء منهم، واختلاط بعضهم البعض الآخر. ومن سماتهم أيضا التعددية وعدم الانسجام.
أن التنظيم السياسي والاجتماعي السائد في المنطقة قبل مرحلة الاستعمار، هو سليل تعاقب موجات بشرية مختلفة الأصول، ومتعددة الآفاق، يعود استقرارها إلى حقب تاريخية قديمة، وأخرى متأخرة. وسمحت دراسة هذا التنظيم الاجتماعي التقليدي بإظهار خصائصه في تدبير وضبط المجال وتأطير الفرد والجماعة؛ وذلك في تفاعل مع الواقع والمستجدات بشكل بركماتي وناجع.
أن القصر ومحاطه الزراعي هو البوتقة الاجتماعية والسياسية لإنصهار السكان وإحساسهم بالانتماء إليه. والقصر بهذا المفهوم هو الضامن لانسجام وتماسك قاطنيه. لذلك كان السور ومختلف المرافق المشتركة تحظى من لدنهم باستمرار، بتشريع دقيق وملزم، ضمانا لاستقرارهم وحمايتهم.
أن هياكل التدبير والحكامة كانت خاضعة لنفس المبادئ التي كانت وراء خلقها. فكل جماعة كانت متمسكة باستقلالها وكرامتها، وكانت تقوم ببلورة آليات تماسكها خاصة عندما تكون عرضة لأزمة غذائية أو لتهديد ما، بإمكانه أن ينال من وحدتها. لذا، فإن نظام الحكامة أو التدبير هو نظام جماعي يجسد إرادة الجميع ويسمو فوقهم.
أن القوة الاجتماعية لمناطق ما وراء الأطلس، بقدر ما كانت لها مؤهلات مهمة، بقدر ما كانت تشكو من عدة نقائص، بفعل تشتتها في مجموعات مستقلة، الشيء الذي ساعد الكلاوي على التسلل إلى المنطقة. وكان ذلك مقدمة للتوغل الاستعماري تحت لواء المخزن. وقد ركز الفرنسيون منذ البداية على العمل السياسي والاستراتيجي، وعلى ما سمي بسياسة القياد الكبار في السيطرة على المنطقة بأقل التكاليف، وأردفوا ذلك مباشرة بإقامة مكاتب الشؤون الأهلية، وشق الطرق والمسالك وغير ذلك من التدابير التي كان لها تأثير إيجابي على السكان.
أن رد فعل السكان كان عنيفا، وخاصة من طرف قبائل آيت عطا وأيت يفلمان، الذين رفعوا السلاح ضد الأجنبي، وقاوموه بكل ما أوتوا من قوة وجهد في معركتي بوكافر بجبل صاغرو وبادو في الأطلس الكبير الشرقي سنة 1933. ففي كلتا المعركتين أبان المقاومون عن شجاعتهم التي لا تلين وعن قدراتهم العالية في القتال والمواجهة رغم عتادهم الضعيف، وقلة عددهم. فلولا الحصار الذي ضربه الفرنسيون لمدة 42 يوما حول جبل بوكافر، لما تمكنت قواتهم من السيطرة على الوضع وإرغام مقاومي آيت عطا على التخلي عن بنادقهم. وهذا الأمر لم يكن سهلا، وكان نتيجة مفاوضات عسيرة بين الطرفين بما حفظ لأيت عطا شرفهم وكبريائهم. ألم يعترف أحد كبار جنيرالات فرنسا بأحقية أيت عطا بما فروضه من شروط على المستعمر؟ أيت ومن دروس هاتين المعركتين أيضا، أهمية مشاركة العنصر النسوي فيهما، فقد برهنت نسوة هاتين القبيلتين عن إقدامهن وجرأتهن في التصدي للمستعمر بتقديم الدعم المادي والمعنوي للمقاومين دون خوف من القصف البري والجوي لقوات المستعمر. وسيظل عملهن البطولي منقوشا في ذاكرة المقاومة لمناطق ما وراء الأطلس.
إن نتائج السيطرة الاستعمارية على المنطقة كانت وخيمة، فالبنى الاجتماعية القديمة تم حلها وظلت شبه مشلولة. وعمد المستعمر إلى خلق مؤسسات بديلة. وكما سبق الذكر، فلضبط المجال لجأ المستعمر إلى تنحية النخب القديمة، وخلق أخرى عوضا عنها أكثر طوعا في يده، وكذا إحداث إدارة جديدة لم تكن معروفة إلى ذلك الحين، جسدها مكتب الشؤون الأهلية الذي أصبح يراقب كل شيء إن لم نقل كان يحصي أنفاس الناس. كما كان الجهاز القضائي المحدث في المنطقة أحد أعمدة الإدارة الجديدة. وهكذا أفرغت المؤسسات التقليدية من محتواها، وتدهورت وتراجع دورها في الحياة الاجتماعية والسياسية في المنطقة التي أصبحت وكأنها تعيش بين طرفي كماشة وإدارة برأسين: رأس مثله خليفة الكلاوي، ورأس آخر جسده الضابط مدير مكتب الشؤون الأهلية. وهاتان الإدارتان كانتا متواطئتين في ممارسة التعسف، وفرض الضرائب، والتكاليف المجحفة على السكان بغرض إبقائهم تحت السيطرة. وقد رفع من حدتها إدراج منطقة دادس داخل مجال ترابي واسع وفق مقاربة إستراتيجية وأمنية واسعة وبصورة عامة تشكل منطقة دادس نموذجا لما أحدثه المستعمر في تغييرات مختلفة في المناطق المجاورة.
وختاما، أعتبر أننا حقا أمام منوغرافية تاريخية من المستوى الرفيع شكلا ومضمونا. نفضت الغبار عن جوانب مهمة من تاريخ منطقة دادس وحضارتها، وذلك بتسليطها الضوء على مؤسساتها وبنياتها السياسية والاجتماعية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ولم يتأت ذلك إلا بفضل المجهود الجبار والمتواصل المبذول لعدة سنوات من طرف الأستاذ محمد المنور، في جمع الوثائق المحلية والتحري الميداني. وجاءت دراسته مؤكدة مرة أخرى، إن كان الأمر يحتاج إلى دليل، أن الاهتمام بالتاريخ الاجتماعي يستند حتما على الوثائق المحلية التي بدونها تصعب دراسة البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبوادي المغربية. وبإفاداتها وإضافاتها العلمية الكثيرة أغنت دراسة الأستاذ محمد المنور المعرفة التاريخية لمنطقة دادس وأصبحت بالتالي مرجعا أساسيا لا محيد عنه لكل مهتم بتاريخ وحضارة هذه المنطقة الزاخرة بتراثها المادي واللامادي. وقد حاولت – قدر المستطاع- في هذا العرض المتواضع، إبراز محتوى الكتاب للفت الانتباه إلى أهميته. ومما يزيده أهمية أن صاحبه أثراه بالعديد من الصور الجميلة والخرائط والبيانات الإحصائية التوضيحية. إن أسلوبه السلس الممتع زاده وضوحا ويحفز الإطلاع عليه. وأخيرا، لابد من الإشارة إلى أن الوثائق المذيلة للكتاب، هي خزان للعديد من المعلومات المتنوعة التي قد تفيد أكثر في حقول معرفية مختلفة كالتاريخ والسياسية والاقتصاد والثقافة واللسانيات وغير ذلك. فهنيئا لنا ولصاحبه وللدادسيين جميعا على هذا الإنجاز العلمي الرصين.

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.