للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : dimanche 18 janvier 2015 - 1:31

التصالح مع « إيفيس » من أجل « يطوعفاف »

 

 

التصالح مع « إيفيس » من أجل « يطوعفاف »

– قراءة في رواية « واد دادس…الأمس القريب » –

 

بقلم كريم إسكلا

يتعلق هذا المقال بقراءة « مشاغبة » لرواية « واد دادس…الأمس القريب » لكاتبها محمد الرشيد الناصري،[1] وننوه إلى أنه من الأفضل قراءة الرواية قبل قراءة هذا المقال.

سنحاول أن نسبر دواليب النص لعلنا نوفق في كشف بعض ما توارى بين السطور وما أخفي تحت البيضات، حيث إن كل خطاب يحمل ويحتمل أكثر من تأويل، على اعتبار أن صاحبه يخفي حين يصرح وقد يصرح حين يريد اللإفصاح.

قراءتنا هذه لن تتوقف عند ماذا أراد الكاتب قوله وقاله، بل سنبحث عن ذلك الشيء الذي أراد قوله لكن لم يقله، وذلك الشيء الذي لم يرد قوله لكن قاله، ولكن الأهم، بالنسبة لنا، هو ما لم يرد قوله ولم يقله. أو بصيغة أخرى، التفكير في الرواية من جانب بعدها الايديولوجي.

 


الرواية احتفاء بالأم والمكان والزمان

تعتمد الرواية البناء الكلاسيكي للقصة، جماعة الشر في مواجهة جماعة الخير، مشكل يقع ليظهر بطل نموذجي سيكون الفرج والخلاص على يديه، فتختتم القصة بنهاية سعيدة.

كما تتميز كتابة النص هنا بمحاولة الكاتب إدخال بعض الحكايات من التراث الشفهي المحلي، والوصف الدقيق لبعض الأزياء والعادات في محاولة للانتصار ل » الثقافة الأمازيغية ».

جماعة الخير ( أيت لمان، أيت ايدير، أيت حمو، أيت الهنا، موحا أوباسو، خا عدي، محمد، التهامي، لحسن إبن الحطاب، حاييم … ) بزعامة بطل القصة يشو أوحمو، في مواجهة  جماعة الشر (تسعة رهط، فييو … ) بزعامة  ايفيس – همو مدى- ، المصرح به في القصة يقول أن جماعة الخير تواجه جماعة الشر التي خلفها الاستعمار بالتالي تلخص الصراع لاستكمال الحرية والاستقلال.

فالرواية بهذا المعنى محاولة للاحتفاء بالموروث[2] وببعض الأسماء والأماكن[3] والأحداث الواقعية[4]، كما يمكن أن نعتبرها أيضا احتفاء بالمرأة الأمازيغية ( ربما الأم ) لأدوارها في التربية والمقاومة[5]… هذا إجمالا ما أراد الكاتب قوله وصرح به تصريحا، ويمكن للقارئ أن يتنبه إليه من القراءة الأولى.


إديولوجيا « العدالة الإنتقالية »

سنقف الان عند أحد أهم الأبعاد الفنية والجمالية في أي عمل إبداعي، وهو الرؤية الايديولوجية، فالرؤية التي يتأسس عليها العمل الإبداعي تشمل في مكوناتها التركيبية، البعد الإيديولوجي، فالإيديولوجيات تدخل إلى عالم الرواية التخيلي كمكون يكون أداة في يد الكاتب ليعبر بواسطته في نهاية المطاف عن إيديولوجيته الخاصة، فالنص الروائي إعادةُ كتابة للتاريخ من وجهة نظر المؤلف، بحيث يرويه كما يتمناه أو على الأقل من زاوية معينة مهما حاول أن يبرز أن زاوية مناولته شمولية.

منذ بداية القصة مهد الكاتب لتعاطف القارئ مع زعيم الشر « إيفيس »، حيث حمل مسؤولية ما وصل إليه من فساد وبطش للساكنة ذاتها التي حملته ذنب أبيه العميل للإستعمار، فسلوك « إيفيس » ضد قبيلته هو أصلا انتقام بعد ما لحق بأبيه من عنف وقتل ونهب بعد الاستقلال.[6]

هنا ينكشف جزء من الإيديولوجيا المؤسسة للرواية، فقد كان هناك مسعى وهاجس لخلق تعاطف إنساني مع رمز الشر « إيفيس »، كي لا يتمنى له القارئ نهاية مأساوية، وعلى الأقل سيرجو للقصة حلا وسطا. وهذا ما يتأكد عندما يطلب « خاعدي » من البطل يشو أن لا يقتل « إيفيس » في المعركة مقابل أن يزوجه ابنته « يطوعفاف »،[7] ففي الوقت الذي كنا ننتظر من « خا عدي » أن يحكي له حكاية قد تفيده في إعداد استراتيجية المواجهة، حكى له  قصة أصل خصمه « إيفيس »[8]، على الرغم من أن الحكاية لن تساعده عمليا في الانتصار عليه، بقدر ما ستجعله يتعاطف معه.

كانت « مقاربة » التوافقات، و »أدلوجة » المصالحة، بادية إذن بين سطور الرواية منذ الوهلة الأولى، فالكاتب كشف عن الخلفية الإجتماعية والنفسية التي أنتجت الشر ( إيفيس )[9] حتى قبل أن يكشف عن خلفية البطل (يشو أوحمو)[10]، ربما خوفا من أن لا ينال تعاطف القارئ، لكنه بذلك يكون قد قتل أفق الاستشراف وقطع نسبيا خط التشويق في القصة.

ولنلحظ أيضا كيف أن الكاتب لم يذكر إطلاقا ولو جزئية سلبية واحدة عن شخصية البطل، باعتباره مخلصا مختارا، شخصا كاملا،[11] كي لا يتولد لدى القارئ أي امتعاض من المواقف التي يتخذها أو حتى لومه عليها. كأن الكاتب أراد أن يحسم المواقف في ذهن القارئ ولا يترك له أي مجال للتخمينات والتكهنات والاحتمالات التي لا يرغب فيها كاتب القصة.

تحكي القصة على هذا المستوى الصراع الذي خلفه الاستعمار بين مجموعة ممن « قاوموا » الاستعمار من جهة، ومن ورث وصمة الخيانة من جهة ثانية.[12] ف « إيفيس » هنا، لم يرد في القصة أنه كان من الخونة، لكنه ورث الصفة من أبيه فقط، فعمليا لا ناقة له ولا جمل في الأمر، ولا وزر عليه، لكن الوصم الاجتماعي الذي لحقه جعل منه شريرا ينتقم من المجتمع.

مقاربة الكاتب تفترض أن يعاقب « إيفيس » لكن دون أن يقتل، وفي الاخير تتم المصالحة معه، وتعود له كرامته، ويزوج بقريبة يشو[13] ( الفتاة التي اعتدى عليها في الماضي) كنوع من الانصاف لها لما تعرضت من عنف وظلم.

هكذا ينهي الكاتب القصة بعودة « ايفيس » من منفاه، ثم مسامحة القبيلة له بمجرد أنه عاد واعتذر عما قام به، وعبر عن ندمه، وثم الإعلان عن الاستعداد لحل المشاكل العالقة بجلسات للمصالحة مع كل من أساء إليه « إيفيس ».[14]


شخوص على هامش الرواية

لقد جعلت « أدلوجة » المصالحة أو العدالة الانتقالية، الكاتب يتناول شخوص الحكاية بطريقة تجعلنا نتقبل النهايات التي حددها منذ البداية، وهذا المسعى جعله بوعي أو غيره، يهمش شخوصا أخرى كان إبرازها قد يزعزع بنية القصة ككل، وقد يزعزع « البنية الإيديولوجية » للقصة، وأبرز الشخوص المغيبون قريبة « البطل » التي تقول القصة أنها تعرضت لاعتداء من طرف « إيفيس »، بل إن الكاتب لم يعطيها حتى اسما، فلم تسلم من عقابه هو أيضا.

تقول القصة أن « إيفيس » حاول اغتصاب قريبة ايشو، وبالرغم من أنها نجت من محاولة الاغتصاب فقد التصقت بها نظرة احتقار من طرف المجتمع وجعلت منها جانيا وليس ضحية.[15] « قريبة اشو » هنا ظلت مجهولة وملتبسة وموقفها أيضا ملتبس، بل غير وارد في القصة أصلا، بالرغم من أنها مركزية في لاوعي البطل،[16] وأكثر من ذلك نستطيع أن نقول أنها هي الدافع الاساس الذي جعل البطل يقرر مواجهة « إيفيس ».[17] وهذا يتضح من مجموعة من المواقف التي صرح فيها البطل ايشو بأن ثأره لقريبته هو الذي جعله يتحدى « ايفيس ».[18]

على هذا المستوى نتساءل، لماذا همش الكاتب شخصية « قريبة يشو »؟ وما مصيرها؟ وهل يعتبر تزويجها ب « ايفيس » إنصافا وجبرا للضرر؟ وهل سامحت هي الأخرى « ايفيس »؟ وهل ستسامح المجتمع؟ وهل سامحت الكاتب الذي لم يذكرها حتى بالاسم؟ لماذا لم يفكر الكاتب في جعل البطل « يشو » يقترن بها هو نفسه، عوض أن يفرض عليها الزواج من مغتصببها؟  لكن من جهة اخرى ألا يمكن أن نعتبرها تصويرا وتكثيفا للضحايا مجهولي المصير في المراحل الانتقالية؟

« فييو » هو أيضا من الشخوص المهمشة في القصة،[19] فالواضح أن الكاتب استدعى هذه الشخصية للحظة ثم طوى ذكرها نهائيا، لكن ما يجعلنا نسائل موقف هذه الشخصية هو أن الكاتب قال عنه بداية أنه اليد اليمنى ل « ايفيس » وأنه لا يعرف له أصل وأنه فقير…لكن قال أيضا أنه ربما ابن عائلة فدائية قتلت عائلته. الكاتب جعل هذه الشخصية التي لا يعرف أصلها، وسيلة في يد البطل ليبرحه ضربا وسط القوم كي يعيد لهم الأمن والطمأنينة، وليرسل رسالة ترهيب وتحدي لخصمه « ايفيس ». إن الكاتب هنا تعمد أن لا يركز على الخلفية الإجتماعية ل « فييو »، كما أراد له أن يكون دون أصل كي لا يسبب ذلك المزيد من المتاعب ل « يشو »، وكذا كي لا ينال من القارئ العطف، وإلا فإن تحول ابن عائلة فدائية إلى اليد اليمنى لرمز الشر « ايفيس » يستدعي مساءلة هذا المجتمع/القبيلة التي رمت بهذا الشخص إلى دواليب الفقر والحرمان وتركته فريسة ل « ايفيس ». كما نتساءل أيضا لماذا لم ينل « فييو » ذات الاعتبار من الكاتب ومن القبيلة مثل « ايفيس » بما أن الكاتب قال عنهما أنهما يعانيان المشاكل نفسها؟ هل لهذا الميز علاقة بالأصل الاجتماعي لكليهما بما أن ذلك لا « أصل له » والاخر ابن « أمغار » سابق؟ هل سيفرض على المجتمع التخلي عن مناداة « فييو » بهذا الاسم، كما فرض ذلك بالنسبة ل « ايفيس »؟


معارك من أجل « إمرأة »:

ليس وحده حب الوطن والتضحية من أجل استكمال الحرية والاستقلال المحرك لرواية « واد دادس…الامس القريب »، بل نرى أن الانتصار للمرأة هو المركز الذي تدور حوله رحى القصة، نستطيع ان نقول أن لاوعي الكاتب لم يكن مهتما بالدرجة الأولى ببعد مقاومة بقايا الاستعمار بقدر ما أراد الاحتفاء بدور أو أدوار المرأة في مجتمع ما بعد الاستقلال. وهذا القول تولد لدينا لعدة أسباب منها أن الكاتب جعل من « يشو » بطلا ولم يختر ابن الحطاب لكي يكون بطلا، لماذا لم يكن ابن الحطاب هو البطل؟ فابن الحطاب قتل أبوه على يد « ايفيس » وهو لا يقل عن « يشو » قوة وحنكة، لكن « ايشو » لم يسعى للانتقام لجرائم « ايفيس » بالدرجة الأولى كالسرقة والاعتداء… لكن أساسا انتقاما لشرف قريبته، الكاتب اختار أن يكون المذافع عن شرف المراة بطلا، وليس المدافع عن الأرض أو الأب،  يعني أن القصة في الأساس معركة من أجل شرف « امرأة ».

قولنا يتعزز أكثر إذا علمنا أن أبا « ايفيس » أصلا فعل ما فعل بسبب « امرأة » رفض تزويجها له، كما أن « ايشو » لم  يقتل « ايفيس » لأنه وعد بتزويجه « امرأة »،  و »ايفيس » سيسامح بعد أن قرر أن يتزوج « المرأة » التي حاول اغتصابها؟ … هل كان إذن الصراع صراعا من أجل استكمال الحرية أم من أجل الظفر ب « نساء » ؟ هل قام « يشو » بما قام به من أجل « واد دادس » أم من أجل شرف « قريبته » وعيون « يطوعفاف » ؟ أسئلة تبقى مفتوحة ولا يمكن أن نجد لها إجابات سوى في خيال الكاتب والقارئ.

أرجو أن يكون المقال دافعا لكم لقراءة جديدة للرواية.



هوامش:

[1]  – محمد الرشيد الناصري، واد دادس …الأمس القريب، مطبعة BJ PRINT Agadir، 2014

[2]  – أورد الكاتب بعض العادات كالتويزا وأشار إلى بعض الازياء كتسمرت وتشرفة…الخنجر

[3]  – دادس، قلعة مكونة، تودغة، تازرين… ألمو، الجبل، الحقل، قرب المسجد،

[4]  – استقلال المغرب، معركة بوكافر،

[5]  – أنظر ، محمد الرشيد الناصري، واد دادس …الأمس القريب، ص 41- 44، حيث يورد الكاتب دور زوجة أب ايفيس في انقاد قافلة من بطش الخونة.

[6]  – محمد الرشيد الناصري، واد دادس …الأمس القريب، ص 1-2

[7]  – المرجع السابق، ص 47

[8]  – نفسه، ص 45- 46

[9]  – نفسه، ص 1-2

[10]  – نفسه، ص 4

[11]  – نفسه، ص 37، فحتى عندما تراجع يشو خطوتين إلى الوراء، صر الكاتب على تأكيد أن هذا التراجع ليس خوفا، كما أنه رغم خلوته بحبيبته فلن يتحدثا عن مكنون صدريهما.

[12]  – نفسه، ص 13.

[13]  – نفسه، ص 90.

[14]  – نفسه، ص 91.

[15] – نفسه، ص 5 ، هنا يقول أن هذا الاعتداء هو النقطة التي افاضت الكأس.

[16]  – في احد لحظات تفكيره في المواجهة قرر التراجع لكن استدرك عندما تذكر ما تعرضت له قريبته.

[17]  – المرجع السابق، ص 8.

[18]  – نفسه، ص 13 عندما قال: « أدافع عن فتاة عوقبت من طرف الجميع عن ذنب لم تقترفه »، و كذا في الصفحة 19 عندما قال: « أنت تعلم أن ايفيس اسستفزني ببنت خالتي … »

[19]  – المرجع السابق، ص 50- 55

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.