للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : samedi 11 octobre 2014 - 8:34

النص الشعري القديم:قضايا واشكالات

تستمد النصوص الجمالية التخييلية التراثية مشروعية دراستها من منظور نقدي حديث ومعاصر كونها تسهم،بشكل أو بآخر، في ضخ دماء جديدة في الأنسجة الداخلية لتلك النصوص من خلال استدعاء أسئلة قراء زمانها ومحاولة تحيينها،مما يضمن إمكانية تجددها وانفتاحها وغناها لاسيما أن المنجز التراثي العربي عموما والشعري منه خصوصا ينأى عن التصنيف المعرفي الأحادي الجانب،بل هو كتل ونظم ومرجعيات متنوعة مختلفة و متجددة بتجدد وتغير وعينا وزوايا نظرنا إليه :إذ تجدد وتغير أفق توقع القراء في تعالقها مع أسئلة الانتاجات النصية، يؤشر على مدى قدرتها على الخلود والاستمرارية،وهذه الإمكانية المنهجية تتبلور أساسا من خلال الأفق النقدي الرحب لجمالية التلقي التي تتيح لنا فرصة رصد القراء المتعاقبين تاريخيا على مدونة من نصوص الشعر العربي القديم.
وفي هذا الصدد يمكن توزيع أسئلة الشعر العربي القديم فيما يلي:
أ-أسئلة علماء اللغة:
اتخذ النقد العربي القديم خلال القرنين الأول والثاني الهجريين منحا لغويا ،مما أثر على المفاهيم النقدية وآليات اشتغالها إلى حدود القرن الثالث الهجري. ومن هنا، فالنقد العربي يعد »ابنا شرعيا لعلوم اللغة »1بدليل أن أقدم نصيين نقديين نمتلكهما من وضع لغويين معروفين هما الأصمعي(ت216ه) صاحب كتاب »فحولة الشعراء » ،وابن سلام الجمحي(ت231ه) صاحب كتاب « طبقات فحول الشعراء » .
وهذا الغوص في استقصاء وتحديد الأصول المعرفية اللغوية للنقد العربي تتيح أمام الباحث،من جهة، إمكانية ضبط طبيعة المصطلح النقدي في مرحلة التشكل والتبلور ورصد،من جهة أخرى، التحولات النوعية التي واكبت التفكير النقدي في سيرورته التاريخية.وبهذا الفهم،فقد شكل صياغة قواعد لغوية معيارية تستجيب لقضايا النصوص الدينية وهمومها سؤالا مركزيا يقض مضجع علماء اللغة العرب القدامى،فقد سأل رجل أبا عمرو بن العلاء :
 » أخبرني عما وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله ؟
فقال : لا
فقال : كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم حجة ؟
فقال : أعمل على الأكثر ، وأسمي ما خالفني لغات  » 2
من الدلالات الثاوية في تضاعيف هذا الحوار العميق، عجز اللغويين العرب عن صياغة نسق شامل بإمكانه احتضان المنجزات والتراكمات اللغوية بمختلف تجلياتها وتمظهراتها، مما دفعهم إلى الاعتماد على ثنائية الأصل(وهو ما يستجيب لتلك القواعد المستنبطة من الموروث اللغوي العربي باعتبارها « إجماعا »و ثابتا ومنهجا متبعا)، والفرع(وهو ما يشذ عن تلك القواعد المعيارية ويخرق وينزاح عن ضوابطها وآلياتها بوصفه متغيرا ومنفتحا وقابلا للتأويل).وفي هذا الصدد، اتجهت همم علماء اللغة بعد تحديد المتن المرجعي اللغوي « المعياري »،إلى حصرما شذ من اللغة انطلاقا من الخطاب القرآني عبر تصنيفها من زاوية « اللغة المرجعية « المتفق عليها والنصوص الشعرية التي يمكن اعتبارها صدى وامتدادا لما ورد في كلام العرب الفصحاء.3
شكل الشعر،إذن،من منظور اللغويين الأوائل إطارا مرجعيا ومادة خصبة لتحديد النسق الشامل المهيمن، وخلفية إجرائية ورافعة أساسية للاحتجاج على أصالة عربية خطاب الوحي القرآني،فانصرفوا ،لهذا الغرض، إلى تدوين النصوص الشعرية الأولية التي تتوفر فيها مقومات الجودة الفنية والأصالة اللغوية الداعمة للاحتجاج لديهم. وعلى أساس هذا التصور القبلي الهندسي للمنظومة اللغوية،فمقولة أبي عبيدة(ت209ه) »افتتح الشعر بامرئ القيس وختم بابن هرمة »4(ت196ه) تحمل مؤشرا دلاليا خاصا،من جهة، على نوعية الشعر الذي يمكن الاحتجاج به، وعلى السعي الحثيث الذي راود علماء اللغة الأوائل في إغلاق المتن المرجعي » النموذجي »حتى لا تخلخل نصوص اللاحقين الشعرية « الإطار المرجعي النسقي » الذي استخلصوه انطلاقا من لغة الأعراب وأشعار الأوائل من جهة أخرى.والحصيلة، تبلورت نزعة « تقديس نصوص الأوائل »باعتبارها أرقى نموذج وأسمى ما تفتقت به العبقرية الشعرية العربية، مما يساعد على « التربية الجمالية »و »تهذيب الذوق الفني » لدى الناشئة،الأمر الذي أفرز ما سمي ب »المختارات الشعرية »المتسمة بجودة فنية ومعايير جمالية معينة.وفي خضم هذا المسعى المنهجي الرامي إلى وضع نسق لغوي شامل،واجه علماء اللغة الأوائل إشكالية احتواء المتن المرجعي للشعراء اللاحقين أو « المحدثين » ،وآلية الاحتجاج به رغم اندراجه ضمن القواعد/المعيار التي استخلصوها وقننوها.
وفي هذا الإطار، أثار سيبويه سؤال « التمييز بين الشعر والكلام » على اعتبار أن هناك ما يجوز في الشعر وما لا يجوز في الكلام5، من منظور ضرورة التزام الشاعر وحدة الروي والقافية ونظام الوزن،أو إمكانية التوسع في الكلام عبر خرق القواعد المعيارية وانتهاك « القوانين الداخلية » للغة الشعرية حتى يكتسب إبداعه الشعري نوعا من الغرابة والتفرد والانفتاح،مما أدى إلى تبلور »العدول الجمالي »باعتباره ميسما وملمحا مميزا للشعر عن الكلام مادامت الكتابة الفنية التخييلية أكثر استيعابا لباقي الفنون، وأشد قابلية لاحتضان الأجناس الأدبية الأخرى من قبيل: « المحكي الشعري »،و »مسرحة الشعر ».وهذا ما يسميه الناقد المصري الطليعي »ادوارد الخراط » ب »الكتابة عبر النوعية ». 
وإذا كان شعر الأوائل قد استجاب لأفق توقع علماء اللغة،فان الشعر الحديث قد أثار حفيظتهم بدافع »العصبية »فهذا « أبو عمرو بن العلاء(ت159ه)في سياق ذم شعر المحدثين والمولدين والتقليل من شأنه يقول: » ما كان من حسن فقد سبقوا إليه، وما كان من قبيح فمن عندهم ».6فيما لم يستطع بعض علماء اللغة مقاومة السلطة الجمالية ،أو » الإغواء الجمالي »(بلغة السفسطائيين) الذي مارسه شعر المولدين،فقد سئل « أبو عبيدة مرة: « أي الرجلين أشعر: أبو نواس أم ابن أبي عُيَيْنَة؟ فقال : أنا لا أحكم بين الشعراء الأحياء، فقيل له: سبحان الله كأن هذا ما تبين لك ! فقال: أنا ممن لم يتبين له هذا ؟ »(علما أنه كان من بين المتعصبين لشعر الأوائل).ويرجع سبب تأرجح مواقف اللغويين الأوائل من شعر المولدين(بين الرفض والقبول) إلى ضعف ثقتهم في أشعارهم تبعا لسعيهم الحثيث للبحث عن « الشاهد »،وهذا ما لخصه الجاحظ في قوله عن أسئلة اللغويين: » « ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. ولم أر غاية الرواة إلا كل شعر فيه غريب، أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج. ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل. ورأيت عامتهم – فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة ».8تصور الجاحظ هذا-وان كانت تشغله أسئلة زمانه من قبيل مناهضة الشعوبية ومقاومة شعر المولدين-يشي ببداية تشكل أفق توقع جديد مرتهن لقضايا العصر العباسي وأسئلته الجمالية بدليل أن كل فريق من علماء اللغة(النحاة، الرواة، الإخباريون)يسعى جاهدا إلى توظيف مهاراته ومكتسباته المعرفية معيارا للإقرار بجودة الشعر أو رداءته،مما جعله يعدل عن أسئلة اللغويين ويدافع،بالمقابل، عن « خصوصية الهوية العربية »من زاوية بيانية معرفية تستند لرؤية دينية « معتزلية » تحتفي بالعقل، رغم أنه استبعد سؤالا مركزيا يروم إعادة الاعتبار « لأهل الخبرة والصنعة والذوق والاختصاص »:فقد روي عن خلف الأحمر أن قائلا قال له: « إذا سمـعـت أنا بالشـعر استحسنه، فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك »
فرد عليه خلف الأحمر قائلا :
« إذا أخذت درهما فاستـحسنته فقال لك الصراف: إنه رديء  فهل ينفعك استحسانك إياه؟ »9
وقد صاغ ابن سلام(ت 231 هـ) هذه الفكرة في قاعدة سيكون لها تأثير واضح في النقاد اللاحقين10 قائلا: « للشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، كسائر أصناف العلم والصناعات »11
تأسيسا على ما سبق،فالمسعى المنهجي الذي حرك علماء اللغة الأوائل هو الدفاع عن « فنية شعر الأوائل »، باعتباره نموذجا مثاليا لا ينبغي خرق عموده وضوابطه عبر الاحتكام إلى سلطة شيخ مشهود له بالكفاءة والمعرفة المسبقة بأسرار الصناعة الشعرية،مما دفعهم إلى الاتجاه نحو حصر المتن الرجعي وإغلاق العملية النقدية بدعوى أن أحكامهم نهائية(الأخذ بمفهوم الإجماع المستمد من الثقافة الدينية، والسعي إلى توحيد الرؤية النقدية عبر تضييق الخناق على ثقافة الاختلاف والمغايرة والتنوع)، رغم افتقارها ،أحيانا، إلى الدليل والتعليل بسبب نزعتهم الوثوقية ،يقول ابن سلام الجمحي في هذا المقام: « وقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه فليس لأحد أن يخرج منه »12.

الهوامش:
1-د أمجد الطرابلسي،نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس للهجرة،تر إدريس بلمليح،دار توبقال للنشر البيضاء ط 1،1993(انظر تقديم المترجم ص:5).
2– الزبيدي :  » طبقات النحويين واللغويين  » تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، دار المعارف بمصر 1984، ص: 39
3-تندرج في هذا السياق جهود كل من « أبي عبيدة » في كتابه « إعجاز القرآن »،والفراء في كتابه »معاني القرآن »،(راجع كتاب محمد العمري: « البلاغة العربية: أصولها وامتداداتها » الصادر عن إفريقيا الشرق سنة 1999 ص 87 وما بعدها) .
4- ابن رشيق : « العمدة » 1/196.
5- سيبويه :  » الكتاب  » تحقيق : عبد السلام هارون . بيروت 1/ 26،وراجع كتاب « البلاغة العربية أصولها وامتداداتها »، م س ،ص:117وما بعدها.
6– ابن رشيق :  » العمدة  » ، 1/197.
-7-نفسه 1/173.
8- الجاحظ،  » البيان والتبيين »: 4/24.
-9- ابن سلام « طبقات فحول الشعراء » 1/7.
-10-راجع في هذا السياق كتاب الموازنة للآمدي ص372،وكتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي الجرجاني ص:100
11- ابن سلام، « طبقات فحول الشعراء » م س،1/5
12-نفسه،1/4
يتبع بإذن الله
عبد المجيد علوي اسماعيلي

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.