للتواصل معنا : contact@dades-infos.com
أخر تحديث : mercredi 23 juillet 2014 - 4:00

« الدون كيشوت » المغربي

 

عندما يعجز البعض عن تحقيق انتصارات  وانجازات  حقيقية، يتحولون إلى « دون كيشوت Quixote  Don  » أو أبطال وهميين في معارك وهمية.

« الدون كيشوت » الذي سنتحدث عنه في مقالنا هذا ليس هو بطل قصة الكاتب الاسبانى ميجيل دى سيرفانتس، بطلنا ( أو أبطال ) قد يكون هو أيضا كبطل الرواية الأصلية، شيخ خمسيني نحيف وطويل، وقد يكون بدينا « محنكا »، بورجوازي متسلق، ومن كثرة قراءاته وسماعه عن حياة الفرسان القدماء قرر أن يعيش دور الفرسان المتجولين، وذلك بأن يخرج لكي ينشر « العدل وينصر الضعفاء… » ، ربما، لكن « دون كيشوت » الذي يعنينا هنا لا يحمل بالضرورة سلاحا خشبيا قديما متآكلا أو يلبس خوذة ويركب حصاناً هزيلاً،…فقد يكون يملك سيارات فارهة وفيلات وأسلحة كثيرة، المهم أن صاحبنا انطلق في جولته فرحاً مزهواً موهما نفسه أنه فارس جوال فصاحب معه صديقا مخلصا، ليس بالضرورة فلاحا ساذجا من أبناء بلدته… فقد يكون صاحب معه ثكنة من أزلامه ومريديه. كما أنه قد لا يكون وعدهم بأن يجعلهم حكاماً على « لامنتشا » كما وعد « دون كيشوت » مرافقه « سانشو باتسا »، ربما صاحبنا وعد مرافقيه بالحصول على مناصب وامتيازات واكراميات وأرباح من مناجم ومقالع « لامنتشا » (وكل واحد له « لامنتشا » التي يريد )… لكن ما يجعل من « الدون كيشوت » نبيلا بالمقارنة مع « الدون كيشوت » المعاصر الذي نتحدث عنه، هو أن كل ما قام به كان من أجل تكريم حبيبته « كولومب »، أما صحابنا فهو يدخل معاركه الوهمية فقط من أجل نرجسيته الذاتية.  كما أن ما يجعل من دون كيشوت دي لامنتشا الأصلي نبيلا، عكس « الدون كيشوت » الذي نحن بصدده، هو أنه فعل كل ما فعله وهو يعتقد بأن ذلك حقيقة وأنه يفعل ذلك من أجل تحقيق المجتمع المثالي أي من أجل الخير، لكن صاحبنا هذا فيفعل، بل يقترف كل ما يفعل، وهو على علم بأن كل تلك « الإنجازات » زائفة ومجرد وهم، وكان يفعل ذلك من أجل الشر ولاشيء غيره.

إذا كان « الدون كيشوت »، ذلك البطل الوهمي، خاض معركته الأولى ضد طواحين الهواء،  حيث توهم أنها شياطين ذات أذرع كبيرة واعتقد أنها مصدر كل الشر في الدنيا، فهاجمها ورماها برمحه الذي علق في أذرعها فرفعته في الفضاء ودارت به ورمته أرضا …إذا كانت تلك حكاية بطل « لامنتشا » فإن حكاية « الدون كيشوت » المعاصر تقول أنه رسم له أعداء من تصميمه على جدران قصوره، على شكل تماسيح وعفاريت وتراكتورات … وظل يناطحها ويصارعها… إلى أن سقط صريعا مضجرا بالدماء. لكن المضحك المشترك في كلا الحكايتين هو أنه بعد أن يستفيق « البطل » من صدمته يطلب من صديقه أن يشهد على هذه البطولة وأن يؤرخها ويخبر بها « كولومب » ( وكل واحد له « كولومب » التي يحب ).

معركة بطولة متوهمة أخرى دخلها صاحبنا هي معركة ضد « غبار قطيع أغنام »، أوهم نفسه أنه يواجه زحف جيش جرار، فاندفع بجواده ليخوض المعركة ليثبت فيها شجاعته ويخلد اسمه، لكن ما أن انجلت الرؤية حتى اكتشف أنه قتل عددا من « الأغنام » ووجد نفسه تحت وابل من « حجارة رعاة »…لكنه مرة أخرى أكد على صاحبه أن يكون شاهدا على بطولته وعلى العدد الهائل من الرؤوس التي أسقطها … بعد كل هزيمة نكراء، في معركة وهمية أصلا، يخرج « الدون كيشوت » مبتهجا محاولا إقناع نفسه وإقناع العالم بانتصاراته الهائلة.

…هكذا تتوالي الأحداث والوقائع لتبين كيف أن البعض يتصارع مع أوهام وخرافات هو مؤمن بها وفي النهاية لا يكسب شيء بل يخسر أشياء كثيرة.

إن ظاهرة « الدون كيشوت » ليست مرتبطة بزمان ومكان محددين، فهي ممتدة في التاريخ والجغرافيا، أنتم بالتأكيد تعرفون عدد كبيرا من « الدون كيشوتات » ( الدون كيشوت بالجمع، وليعذرنا نحاة اللغة) ، قد نتحدث عن الدون كيشوت الإسلامي الذي يصارع « طواحين مؤامرات » العلمانيين والغرب والخونة والكفار…، أو الدون كيشوت الشوفيني الذي يصارع « غبار » كل غريب عن الديار، أو الدون كيشوت الايديولوجي الدوغمائي الذي يناطح أعداء رسمهم بدخان سيجارته … أو « حزب العدالة والتنمية » الذي يناطح ما يسميه العفاريت والتماسيح، أو البام الذي يسايف ما يسميهم الرجعيين، أو « الفصائل الطلابية » التي تزهق أرواح أبنائها ذاتها متوهمة أنها تتصارع مع الاخر…

قد تقودكم نباهتكم إلى إدراك « الدون كيشوتات » التي ترتع بالقرب منكم، بأحيائكم ومداشيركم ومدنكم …فعوض أن تلتفت إلى مشاكل الناس وقضاياهم وتساهم في التنمية، لا هم لها إلا إطالة « قرونها »  و »مخالبها »… لتتصارع مع أوهامها. لعلها تقنع الناس بأمجادها وانجازات غير المتحققة سوى في مخيلاتها ومذكرات رفاقهم من أمثال « سانشو باتسا ».

بقلم كريم اسكلا

تنبيه: ما ينشر في موقع دادس-أنفو، يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع

أضـف تـعـلـيق 5 تـعـلـيـقـات



ان موقع "دادس أنفو" الالكتروني يحتفظ بحقه في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر ويشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الموقع وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: موقع "دادس أنفو" يشجّع قرّاءه على المساهمة والنقاش الجاد وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا يسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

  • 1
    maka says:

    imkan 3arfhom ila makhantnich dakira dyali hhhhh kaynin andna bzaf fdwar hihihihihih

  • 2

    اريد فقط ان ابدي اعجابي بطريقة كتابة هذه المقالة
    دمت رائعا , احترامي لك يااسكلا

  • 3
    chaykh says:

    mana winagh awwaa hhhhhh
    it si hhhhhh

  • 4

    من هم هؤلاء الدونكيشوات ان مافهمت واااالو اباكريم ههههههههههههههههه

  • 5

    جميل جدا فعلا وما اكثرهم من « الدون كيشوتات » فلكل كولومباه التي يتغنى بها ومن اجلها دخل الصراع والنضال ليستيقظ في نهاية العمر بعد فوات الاوان ليجد حياته مجرد سراب لم ينتفع بشيء ولم يترك الغير للعمل.

    تحية استاذ كريم